• اختبار آساف: عندما ينجح الأشرار ويتعب الأبرار - بقلم القِس البروفيسور حنّا كتناشو

ترجمتي لمزمورٌ آساف (مزمور 73)

1. واضـحٌ أنَّ اللهَ صالحٌ لإسرائيلَ لاسيَّما لأنقياءِ القلبِ. 2. ولكنَّ رجلايَّ على حفةِ التَّزحلقِ وأقدامي ستنقلبُ. 3. لأنَّني غرتُ من المفتخرين بأَنفسِهم وتفكَّرتُ بسلامةِ الأشرارِ. 4. لأنَّهم بلا مصائب في تمام الصِّحة وكروشُهم كبيـرةٌ. 5. وَهُمْ بلا مشقة كباقي البشر ولا يُصابون كبنـي آدم 6. لذلك تزيَّنوا بالكبرياءِ كقلادةٍ وجعلوا العنفَ ثوباً لهم 7. انتفخت عيونُهم من الشَّحم وقلبُهم تطَّرف في التَّصور 8. يستهزئون متكلمين بالشَّر ومن الأعالي يهدِّدون بالظُّلم 9. من أفواهٍ وضعوها في السَّماء تبخترت ألسنتُهم في الأرض 10. لذلك يرتدُّ شعبُه هنا ويمتصون وفرة مياه ألسنة الشَّر 11. فيقولون: كيف يعلم الله؟ وهل عندَ العليّ أيُّ معرفةٍ؟ 12. انظروا إلى أولئك الأشرار فإنَّهم إلى الأبد مستريحون ونجاحُهم متزايدٌ.

13. لا شكَّ أنَّني نظَّفت قلبي هباءً وباطلاً غسلتُ يديَّ بالنَّقاوة 14. وصرتُ مضروباً طوال اليوم وعقابي كل صباح. 15. وإذا تبنيت هذا المنطق فإنني أخون أولادَك. 16. وعندما أتفكّر بهذا الواقع تتعب عيوني 17. حتى أدخل مقادسَ الله وعندئذٍ أفهمُ آخرتَهم. 18. حقا وضعتهم في مزالق وأسقطتهم للدمار. 19. كيف صاروا خراباً في لحظةٍ فنوا كُلياً بسبب الأهوال. 20. صاروا كحُلمٍ إذ استيقظَ السَّيدُ في المدينةِ وأنت تحتقر صورتَهم.

21. لأن قلبي يتآكل حموضةً وكليتاي تنغزني. 22. وأنا غبيٌ لا أفهم وكنتُ كالبهيمةِ عندك. 23. ولكنَّني دائماً معك إذ أمسكت بيدي اليُمنى. 24. ترشدني بنصائحك ثمَّ تقودني إلى المجد. 25. لا سواك لي في السماء وبدونك لا أُسَّرُ بالأرض. 26. فني جسدي وقلبي ولكن الله هو صخرةُ قلبي ونصيبي للأبد. 27. لأن البعيدين عنك يهلكون وتُبيد كلَّ من يخونك. 28. أما أنا فالاقترابُ لله حسنٌ لي إذ جعلتُ السَّيدَ يهوه ملجأي وسأُخبر بكلِّ صنائعك.

 

اختبار آساف

آساف بن برخيا هو كاهنٌ لاويٌ ومرنمٌ. كان آسافُ خبيـراً بالإيقاعِ وموسيقى الصنوج (1 أخبار 16: 5) ويعزف بفرقةٍ فيها عازفو الرباب والعود والبوق. وآسافُ هو مايسترو فرقة الملك ورأيسها (1 أخبار 16: 5). وكان آسافُ نبياً يرى رؤى (2 أخبار 29: 30) ولاهوتياً وحكيماً. وهكذا جمع بين الكهنوت والنبوة والحكمة، المناصب الثلاثة المهمة عند إسرائيل (ارميا 18: 18). وكان المتنبئ بين يدي الملك (1 أخبار 25: 2) فساهم في قيادة الدولة إلى الله. هو حقاً موهوبٌ وقائدٌ مهمٌ. واستمرت خدمتُهُ عن طريق أولاده وأتباعه إذ صار من أشهر المغنيين والشعراء والعازفين والموسيقيين في شعب إسرائيلَ. وأسس مدرسةً للموسيقى وكتب المزاميـر. وينسب سفر المزامير 12 مزمورا لآساف (50، 73 – 83). فماذا نتعلم من شهادته وخبرته المدونة في مزمور 73؟ سأشرح الدروس في قسمين: تعب الأبرار ونجاح الأشرار ثُمَّ كشف الأسرار.

 

تعب الأبرار ونجاح الأشرار

ويخبرنا آساف في مزمور 73 أنَّ الأمورَ لا تجري دائماً بحسب مزمور 1 أو مزمور 2 إذ يسود الحاكمُ الشّريرُ ويُعاني الإنسانُ البارُ الأمينُ. فأحياناً لا يختبر البارُ البركات الصِّحية والمالية بالرَّغم من أمانته. أحياناً يكون المؤمنُ كيوسفَ الَّذي خذله أخوتُه وظلمته امرأةُ فوطيفار ونُسي في السِّجن. وقد يكون المؤمنُ مثل أيوب رئيس الشَّركة الَّذي سُرقت أمواله وقُتل موظفُوه ثمَّ ضَرَبَ البـرق ماشيتَه وقتلها. وبالرّغم من أنَّه وزّع أموالَه في عدة مناطق إلا أنَّ الدَّمارَ جاءَ عليها جميعاً بطرقٍ مختلفةٍ. وأخيراً، سمع أيوبُ خبـرَ وفاة كل أولاده وبناته في يومٍ واحدٍ وفي مكانٍ واحدٍ بسبب الطبيعة الهائجة والرّياح الشّديدة. أين كان اللهُ عندما قتل هيرودس أطفالَ بيت لحم وعندما صار يسوعُ لاجئا في مصرَ وعندما أمسك الحاكمُ يُوحَنَّا المعمدان وقطع رأسَه ثمَّ قبضوا على يعقوبَ وقتلوه بالسّيف؟ وما زال الشَّرُ يفتك بالمسيحيين حول العالم وما زال المؤمنون يعانون. أين الله في أتعاب بولس الّذي يقول: من اليهود خمسَ مراتٍ قبلتُ أربعينَ جلدةً إلا واحدةً. ثلاثَ مراتٍ ضُربتُ بالعصيِّ، مرةً رُجمتُ، ثلاث مرات انكسرت بي السفينةُ، ليلاً ونهاراً قضيتُ في العمق . . . في جوع وعطش . . . وبرد وعُري (2 كورنثوس 11: 24 – 28)؟  أين الله عندما صلى بولس من أجل تروفيمس ثم تركه مريضاً في ميليتس (2 تيموثاوس 4: 20)؟

إضافةً إلى ذلك، يشرحُ لنا آسافُ أنَّ أعداءَ اللهِ في راحةٍ وسلامةٍ بينما أحباؤه في تعبٍ! فيقول لنا : كروشُهم كبيرةٌ وصحتُهم وعافيتُهم ممتازةٌ أما جسدُهُ فقد فني وهو مضروبٌ طوال اليوم. هم بلا مصائب أما هو فعالمه على وشك الانقلاب إلى الدّمار. لقد نظر آسافُ إلى نجاح الأشرار وتأمَّل في سلامتهم المزيفة فوصل إلى استنتاجاتٍ خطيرةٍ. أولاً، هُمْ بلا مصائب (آ 4) وبلا مشقة (آ 5) وبلا عقاب (آآ 6 – 9). ثانياً، سَبَّبَ نجاحُ الأشرارِ مشكلةً سلوكية لشعب الرَّب فغاروا من الأشرار (آ 10) وسَبَّبَ مشكلةً لاهوتيةً فشكُّوا في معرفة الله وحكمتِه وعدالتِه، والدليلُ هو تقييمهم لحياة الأشرار ونجاهم. فعندما نضعُ المعاييرَ الغلطَ للنجاح سنصلُ حتماً إلى النتيجة الخطأ. وهذا ما صار مع خادم الرَّب آساف. فظنَّ أنَّ خدمتَه وتضحياته كالقش الَّذي تُذريه الرّيح. وعانى أزمةً نفسيةً وروحيةً وجسديةً وقرر أنْ يُعيد صقل هويته فيخون أولادَ الرَّب. ويستبدل الولاء للرب وشعبه بولائه لذاته ولطريق الأشرار.

 

كشف الأسرار

ولكنَّ منظور الإنسان ومعاييره ليست كمنظور الرب. وطرقُ الله تختلفُ عن طرقنا وأفكارُه ليست كأفكارنا. فهو أحكمُ شخصٍ في الكون وهو متفوقٌ في عدله ومحبته. ولكن هل نثق به في وادي ظل الموت؟ لقد قاد الرَّبُ عبدَه آساف إلى مقادسه. ففي عبادة الرب نكتشف خطةَ الرَّبِّ وحكمتَه وبركتَه. وعندما ننكسرُ ونتضعُ ونسترحمُ ونحاربُ في الصَّلاة ننالُ البصيرةَ الرُّوحيةَ والقوةَ الإلهية. وهذا ما حصل مع موسى عندما دخل إلى محضر الرب ومع أشعياء وآساف أيضاً. وفي محضر الله نختبر ما يلي: أولاً، نفهم لاهوت الآخرة فندركُ حكمة الله. وتستريحُ قلوبُنا وندرك أهمَّ ما في الحياة. فإدراك أواخر الأمور يساعدنا أن نسير بطريقة مستقيمة. ثانياً، في محضر الله تتبكتُ قلوبُنا ونكتشفُ خطايانا فتبدأُ رحلةُ القداسة. إنَّها رحلة الحكمة الحقيقية. وهي ليست حكمة النقود وتخزين الأموال فلقد قال الرب للغني: يا غبي الليلة تُطلب منك نفسك. وهي ليست حكمة البيت المبني على الرمل. فسينهار هذا البيت أمام الظروف الصعبة. إنها حكمة التنازل ليتعالى الله. وعندما أتواضع، حتَّى ولو كنت قائداً عظيماً كآساف سأقولُ: أنا غبيٌ لا أفهم. وفي محضر الله سيُولدُ التَّصميمُ والتمسكُ بالرب وفهم أهمية قيادته. وسأكون مستعداً أنْ أتخلى عن كلّ شيءٍ في سبيل أن أكون مع الرَّب. الاقتراب لله حسنٌ.

 

وسأنهي ببعض النصائح العملية ثُمَّ بصلاة. أولاً، لا تنظر إلى الأشرار بل انظر إلى المصلوب فعندئذٍ سترى كم يحبك وستثق به. ثانياً، لا تنتظر طويلا قبل أن تدخل مقادس الله. بل اذهب اليوم وربما الآن وتحدث مع الرب. ثالثاً، راجع ترتيب أولويات حياتك وضع الله أولاً وصمم أن تعطيه وتمنحه كل ما عندك.

 

صلاة من مزمور 73

يا ربُّ إنْ كنتَ صالحاً فلماذا لا تنزع الظُّلمَ (آ 1)؟ وإنْ كنتَ قادراً فلماذا تسمح بالإثم؟ البارُ منكوبٌ والشريرُ في سِلم (آ 3). نعاني التعبَ والشدائدَ أما المتكبرون فراحتُهم ظاهرةٌ بسُمنة الجسم (آ 4 – 5). نلبس التواضعَ ويلبسون الظلم والإثم (آ 6). ننحف صوماً وجوعاً وتجحظ عيونَهم بالشَّحم (آ 7). يتعدون على الأرضِ والسَّماءِ بالقلب والفم (آ 7 – 12). هل نتبعك باطلاً وحياتنا غمٌ وهم (آ 13 – 14)؟ ولكن ليس صلاحُك فلسفةً بل هو حقيقةٌ ظاهرةٌ بالدم. بعضُ العلم ضلالٌ وسم أما كلُّ العلم فيخدم الإيمان ويقتل الذَّم. دخلت مقادسَ العلي فأبصرتُ وزال الهم (آ 17). رأيتُ نورَ الله وفهمتُ أنَّ ظلمَ الأشرار لحظةٌ وثباتُهم مجرد وهم (آ 17 – 20). شاركتُ موسى وأشعياء وآساف وأدركت أنَّك الآبُ القدوسُ الصَّالحُ، أنت للرحمة والحنان نبعٌ وأم. أنت الجمالُ فما بالي أنظرُ قبحَ الظُّلم؟ أنت الشَّبعُ الأزليُّ فلماذا اشتهي وجبة شرٍ لا تُشبع جوعَ النَّفس للحظةٍ أو ليوم. أنت الحبُ الَّذي يقطر دماً ليَخْلُصَ البشرُ في البَرِ واليَم. أنت نصيبي فلن أطلب سواك حتى يفنى اللحم (آ 25 – 26). أنت صالحٌ للكل من المهد للحد وإلى الأبد وحتى في الرحم. سأطلبك اليوم وكل يوم.