• أحد الشعانين: بين هتاف وهتاف - عازر عجاج
أحد الشعانين: بين هتاف وهتاف - عازر عجاج

أحد الشعانين: بين هتاف وهتاف

متى 1:21-17

 

لقد ثبّت الرب نظره نحو أورشليم، وسار الى هناك بخطى ثابتة، لقد عرف ما هو عتيد أن يحدث، وما هو عتيد أن يكون بعد أسبوع من ذلك الوقت، إذ أننا نقرأ أنه أخذ التلاميذ على إنفراد ليخبرهم كيف يجب أن يتألم ويصلب (متى 17:20-19). كانت هذه لحظات صعبة يواجهها المخلص، لقد عرف بالألم والضيق، وما كان يجب أن يتحمله، لكن لا رجوع فهو ذاك الذي "أخلى نفسه"، لقد كان يمكنه أن يتراجع لكنه لم يفعل لقد إختار أن يبقى أمينا حتى النهاية. إن دخول أورشليم هذا الأسبوع يعني الصلب، ودخولها يعني أن "يُسحق من أجل أثامنا ويُضرب من أجل معاصينا"، الصليب يعني أن ذاك الذي لم يعرف خطية سيصبح خطية لأجلنا. كان الرب يعلم كل هذا لكنه ثبّت نظره نحو أورشليم والى أورشليم. لقد كانت طاعة الآب تدفعه ومحبته لنا تحركه، ومن أجل فدائنا كان مستعداً أن يسير الى المنتهى.

 

هتاف مزوّر

هذا ما كان يدور في فكر الرب في تلك  اللحظات، أما فكر التلاميذ فكان أبعد ما يكون عن هذا الأمر. تكلم الرب عن الروحيات، والتلاميذ فكّروا في الجسديات، الرب يوجه أنظارهم الى السماويات، أم هم فنظروا الى الأرضيات. لم يكن كلام الرب عن الأمور التي ينبغي أن تحدث جديدة، لكنهم أغلقوا آذانهم، وأغمضوا اعينهم فرأوا ما أرادوه فقط. إبتدأت مسيرة الصلب في هذا اليوم، وقد رأى التلاميذ أن الفرصة قد أتت والجمهور مؤيد، فابتدأت تعلو الأصوات:

"يا رب خلص، أوصنا، مبارك الآتي باسم الرب، إصنع ملكوتك وأرحنا"

 

لقد كان الخلاص الذين يطلبونه، خلاص من الرومان ومن الإستعمار. لكن فكر الرب كان أبعد بكثير، فهو لم يرى استعباد الشعب اليهودي فقط، بل استعباد كل البشرية. رأى العبد مستعبداً والسيد أيضاً، الغني كذلك الفقير، الكاهن والملحد. رآنا جميعنا نئن تحت عبودية الخطية والموت. لقد كان الرب يسمع صراخ البشرية جمعاء بسماع هتافات الجمهور من حوله. وقد كان يريد أن يستجيب لما يسمعه. الناس كانت تطلب الخلاص، والرب كان في طريقه ليعد الخلاص، أعظم خلاص عرفته البشرية. الناس كانت تريد الحرية، والرب كان في طريقه ليقدم نفسه على الصليب، لنصبح بإيماننا به أحرار حقيقيين.

إن الصرخات التي نسمعها من الناس في هذه الأيام لهي صرخات متشابهة، ربما لا نسمعها بصريح العبارة، لكننا نلمسها من خلال تعبهم وتذمرهم، همهم وحزنهم وبكاءهم.  لقد كان المسيح يسمعنا في ذلك اليوم ونحن نطلب ونهتف في أعماقنا " أوصنا... يا رب خلصنا". نعم إن الله سمع صراخك وهو يسمع الآن ويريد أن يساعدك، لكنه يريد أن يسمع منا هتاف آخر أيضاً، هتاف نعلن فيه أنه ملك على حياتنا، "مبارك الآتي باسم الرب".

 

تطهير الهيكل

لقد كانت النبوات المتعلقة بدخوله لأورشليم تعلنه ملك مسالم ووديع، فهو لم يدخل ممتطياً حصاناً كعادة الملوك في ذهابهم للحرب، بل جلس على جحش كأشارة لرسالة سلام. لكن من يدقق في القصة يجد أن المشهد تغيّر في لحظة من اللحظات، كانت تلك اللحظة عند دخوله للهيكل. لقد إبتدأ يسوع بقلب الموائد، وطرد الباعة وإبعادهم وتوبيخهم، حتى أن الخوف والرعب دب في قلوب أغلبهم.

وأتساءل هنا، كيف نصالح القسم الاول من القصة مع هذا القسم؟ هل تحوّل المسيح المسالم لشخص عدواني؟ وهل تحولت وداعته لعنف؟ حاشا!

إن ملكوت الله ملكوت روحي صحيح، لكنه ملكوت له صوت نبوي لا يصمت أمام الخطية، خاصة تلك التي يُسيء فيها البشر استخدام مركزهم وسلطانهم وبأعماله يُسيئون لاسم الله. لقد دخل يسوع لأورشليم وسط الهتفات لكنه لم يحارب الرومان ولا السلطة الرومانية، بل رؤساء الكهنة وخدّام الهيكل، إنه دخل ليس كملك فقط، بل كملك ونبي وكاهن. ملك بسلطانه، ونبي بمعرفته لنواياهم وقصدهم، وكاهن بتطهيره.

 

الهتاف الحقيقي

بعد ذلك، بعد أن قام يسوع بتطهير الهيكل، تقدم إليه العمي والعرج في الهيكل فشفاهم، عندئذٍ بدأ الهتاف الحقيقي في الهيكل من الأطفال والأولاد. طلب الفريسيون من يسوع أن يُسكتهم، أما المسيح فأجابهم: "من أفواه الأطفال والرضع هيأت تسبيحاً".

وأتساءل هنا هل تمجيد وتسبيح الله في أيامنا هذه سيتم فقط عندما نعلن خلاصه، أم هو مرتبط بموقفنا النبوي الذي من خلاله نعلن بر الله عندما نتحدى الخطية من حولنا بضمنها القتل، الفساد والظلم والالحاد والكراهية والانحلال؟