• الشَّعبُ المُختارُ في إنجيل يُوحَنَّا! - قراءةُ إنجيل يُوحَنَّا بعيونٍ مسيحيةٍ فلسطينيةٍ 8 – بقلم القِس البروفيسور حنّا كتناشو
الشَّعبُ المُختارُ في إنجيل يُوحَنَّا! - قراءةُ إنجيل يُوحَنَّا بعيونٍ مسيحيةٍ فلسطينيةٍ 8 – بقلم القِس البروفيسور حنّا كتناشو

بعدَ فشلِ آدمَ وحواءَ (تكوين 3: 1 – 19) وانتشار العُنفِ بقتلِ هابيلَ (تكوين 4: 1 – 24) وزيغان البشرِ زمنَ نوحَ (تكوين 6: 1 – 8) وتحدي البشريةِ للهِ عندما بنوا بُرجَ بابلَ (تكوين 11: 1 – 9)، اختار اللهُ إبراهيمَ ليُغيّرَ مُستقبلَ العالمِ المُتهاوي وليفدي كلَّ البشرية والخليقةِ عن طريق نسل عبده إبراهيم. وطَلَبَ اللهُ من إبراهيمَ أنْ يتركَ بيتَه وعشيرتَه ومنزلَ أبيه إِذْ سَيَجْعَلَهُ أُمَّةً كبيرةً وسيُبارِكَهُ وسَيَجعلَ اسمَه عظيماً. وأَمرَهُ قائلاً: "كُن مصدر بركةٍ فأبارك الَّذين يُبارِكونَكَ وألعن الَّذين يلعنونكَ وتتباركُ بكَ جميعُ العشائرِ الَّتي في الأرضِ" (تكوين 12: 2 – 3).[1] وأَعلنَ اللهُ لإبراهيمَ أنَّ نسلَه سيُستعبدُ في أرضٍ ليست لهم ثمَّ سيُحررهم اللهُ ويُحقق مُبتغاه للكون من خلالِهم (تكوين 15: 1 – 21). اختار اللهُ إبراهيمَ ونسله ليكونوا مملكةَ كهنةٍ وأُمَّةً مقدَّسةً ليُغيّروا مستقبلَ الخليقةِ. هُم أهلُ الإيمان والنُّورِ والحُريَّةِ، وَهُمْ مُرْسَلُونَ إلى عالمٍ مُظلمٍ جاحدٍ ومُستعبدٍ. فيجب أنْ يكونوا أحراراً ليتحقق مبتغى الله من خلالهم. ولهذا ترتبطُ هويةُ إسرائيلَ التوراتية ارتباطاً وثيقاً بإبراهيمَ وبقصةِ خروج أحفاده من مصرَ وتحريرهم من عبوديتها.[2]

فعندما اختار اللهُ إبراهيمَ اختار أيضاً نسلَه لحُكم مملكته ومَنَحَهم وضعاً فريداً. ويقولُ الكتابُ المُقدَّسُ: "هكذا يقول الرَّبُّ: إسرائيل ابني البكر" (خروج 4: 22). فبُنوَّةُ إبراهيمَ تضمنُ الحُريَّةَ والبركة الإلهية وتجعل أولادَ إبراهيم أولاداً لله. ولقد قالَ مُعَلِّمُ الشَّريعةِ الشَّهيرِ عقيبا: "حتى الَّذين هم الأفقرُ في إسرائيلَ يُعدّون كالأحرار الَّذين فقدوا ممتلكاتهم لأنَّهم أبناءُ إبراهيمَ واسحاقَ ويعقوبَ".[3] يؤكد عقيبا أنَّ الصِلة مع إبراهيم تضمن الحُريَّةَ. ظنَّ الكثيرون أنَّ المقصود هو الصِلة البيولوجية.

ولقد تحدَّى يسوعُ مفهومَ التَّحريرِ كما فهمه مستمعوه، فناقشَ مفهومَ العلاقةِ بإبراهيمَ وإله إبراهيم. أولاً، يُصَرِّحُ السَّيِّدُ المسيح أنَّ البُنُّوةَ الحقيقيَّةَ لإبراهيمَ تستندُ إلى التَّشبُّه بإيمانِ وأعمالِ إبراهيمَ وليس بالحِمض النووي (DNA). فكون الإنسان من ذُريِّة إبراهيمَ لا يضمن قُربه من الله، بل قد يُفَكِرُ هذا الإنسان في قتل المسيح. وعندئذ تُجَّسِّدُ إرادتُه رغبات الشَّيطان. فمن منظور يُوحَنَّا، حتى ولو كانَ اليهود في القرن الأول جزءاً من نسل إبراهيمَ فهذا لا يجعلهم أولاداً وبناتاً له لاسيَّما أنَّ أعمالَهم تكشِفُ عن مقاربةٍ شيطانيةٍ. فهم يسعون إلى قتل يسوع المسيح خلافاً لموقف إبراهيم. لقد تَزَيَّنَتْ حياةُ إبراهيمَ بالإيمانِ إذ أَطاعَ وخرجَ إلى المكان الَّذي كان عتيداً أنْ يأخُذَهُ ميراثاً وتَغَرَّبَ في أرضِ الموعدِ (عبرانيين 11: 8). وبالإيمان أيضاً قَدَّمَ إسحاقَ حاسباً أنَّ اللهَ قادرٌ على إقامته من الأموات (عبرانيين 11: 17 – 19). ويضيف السَّيِّدُ المسيح قائلاً: "أَبُوكم إبراهيم تهلَّل بأنْ يرى يومي فرأى وفَرِحَ" (يُوحَنَّا 8: 56). أَدركَ إبراهيمُ أَنَّ من نسله ستتبارك جميعُ الأُمَمِ، وقَبِلَ اليهودُ أنَّه امتلك البصيرةَ الرُّوحيةَ فأَدركَ العصرَ الداوديَّ الَّذي تَحِلُّ به البركةُ الإلهيةُ بمجيء المسيح. فليسَ الخِلافُ مَعَ اليهودِ حولَ قُدرة إبراهيمَ وبصيرته بل حول الكلمة "يومي" إِذْ رَبطَ المسيحُ العصرَ الدَّاودي بزمنه وشخصه. وهكذا لا يستطيع المرءُ أَنْ يَقْبَلَ إبراهيمَ ويَرفُضَ يسوعَ. ولا يستطيعُ امرؤٌ أَنْ ينتفعَ ببركةِ إبراهيمَ بغير يسوع المسيح. فالَّذي يُؤمنُ بالابن، أي بيسوع المسيح، له حياةٌ أبديةٌ، والَّذي لا يؤمنُ به لن يرى حياةً بل يمكث عليه غضبُ الله (يُوحَنَّا 3: 36). وهكذا يُؤَكِّدُ يُوحَنَّا أَنَّ كلَّ البركات الإبراهيمية قشورٌ فانيةٌ بدون المسيح وأَنَّ كلَّ الامتيازات الإبراهيمية لَنْ تُنَّجيَّ الإنسانَ من غَضَبِ الله. المسيحُ وحدُه الطَّريقُ إلى الحياةِ. وبحسب منظور يُوحَنَّا لا يستطيع نسلُ إبراهيمَ أَنْ يروا ملكوت الله إذا لَمْ يَقْبَلوا يسوعَ المسيح. شَرَحَ يُوحَنَّا هذا الأمر في حديث المسيح مع نيقوديموسَ إذ قالَ له: "إن كانَ أحدٌ لا يُولدُ من فوق لا يقدر أنْ يرى ملكوت الله" (يُوحَنَّا 3: 3). لقد أبصرَ إبراهيمُ ملكوت الله عندما رأى بالبصيرة الرُّوحيَّة يومَ المسيح وفَرِحَ. وهكذا أصرَّ المسيحُ على ربط الهويةِ الإبراهيمية بالمسيح. فأعاد قراءةَ العلاقةِ مع إبراهيم في ضوء مجيء المسيح. إضافة إلى ذلك، أَكَدَّ المسيحُ أَنَّ الهويةَ الإبراهيمةَ أوسعُ من الهوية اليهودية ومن محدوديات الحمض النووي. وبكلمات أخرى، لا يستطيع أحدٌ أَنْ يَدَّعيَّ الانتفاع ببركات إبراهيم دون أنْ يعملَ مثل إبراهيم. للأسف، استغلَّ بعضُ اليهود والمسيحيين في القرن الواحد والعشرين مفهومَ التَّواصل البيولوجي مع إبراهيم لينشروا خطيئة الاحتلال للأراضي الفلسطينية.[4] ويجادلون باسم إبراهيم والله دون التَّأكيد على مركزية السَّيِّد المسيح وشمولية محبته إذ دعا الجميعَ أَنْ يكونوا أولاداً لإبراهيمَ بإيمانِهم وأعمالِهم.

ثانياً، أتباعُ يسوعَ المسيح هُمْ جماعةٌ من الأحرار. يهتمُّ إنجيلُ يُوحَنَّا بإبراز هوية جماعة المسيح. فمن هم جماعة المسيح وما سماتُهم؟ جماعةُ المسيح هُمْ يهودٌ ولكنَّهم مُضطهدون من الأغلبية اليهودية ومهددون بالطَّرد من المجمع. يقول يُوحَنَّا: "لأنَّ اليهودَ كانوا قد تعاهدوُا أنَّه إنْ اعترف أحدٌ بأنَّه المسيح يُخرج من المجمع" (يُوحَنَّا 9: 22؛ 12: 42؛ 16: 2).[5] جماعةُ المسيح هم أولادُ الله. وأولادُ الله في إنجيلَ يُوحَنَّا هم الَّذين يقبلون يسوعَ المسيح إذ يقول النَّصُّ المُقدَّسُ: "وأما كلُّ الَّذين قَبِلُوهُ فأعطاهم سلطاناً أنْ يصيروا أولادَ الله" (يُوحَنَّا 1: 12). وهم أيضاً المولودون من الرُّوح إِذْ أَنَّ المولودَ من الجسد جسدٌ هو، أما المولود من الرُّوحِ فهو روحٌ (يُوحَنَّا 3: 6). وليس ضرورياً أَنْ ينضموا إلى مجمع اليهود (يُوحَنَّا 9: 34). فلقد أخرج المجمعُ المولودَ أَعمى من مجمعهم عندما آمن بالمسيح. "فسمع يسوعُ أَنَّهم أخرجوه خارجا" فدعاه إلى الإيمان. فسجدَ المولودُ أعمى للسَّيِّد المسيح (يُوحَنَّا 9: 35 – 38). لقد رأى المولودُ أعمى المسيح فتشبه بإبراهيم وآمنَ بابن الله وسَجَدَ له فتحررَ ليس من العمى الجسدي فحسب بل أيضاً من العمى الرُّوحي. فتحلَّى بالبصيرة والحريَّة الحقيقيِّة. وهكذا ارتبطت الحُريَّةُ ببصيرة الإيمان بالمسيح. وربما من المفيد أَنْ نُبيّنَ رحلةَ التَّحررِ في حياة المولود أعمى.

                مرت رحلةُ حُريتِهِ في أربع مراحل توازت مع أربع مراحل أخرى سارَ بها الفَرِّيسيُّون نحو العبودية. يقولُ يُوحَنَّا: "منذُ الدَّهرِ لَمْ يُسْمَع أَنْ أحداً فتحَ عَيْنَيْ مولودٍ أعمى" (يُوحَنَّا 9: 32). لا نجد آيةً مشابهةً في العهد القديم أو في الكتابات اليهودية بالرغم من الحديث عن فتح عيون العميان أكثر من مرة في العهد القديم. يتحدَّثُ النَّبي إشعياء عن عصرٍ يَعْرِفُ فيه الضَّالو الأرواح فهماً ويتعلمُ المتمردون تعليماً. ويقول أنَّه في هذا العصر يَسْمَعُ الصُّمُّ أقوالَ الله، وتنظرُ من القَتَامِ والظُّلمةِ عيونُ العُمي، ويزداد البائسون فرحاً بالرَّبِّ، ويهتف مساكين النَّاسِ بقدُّوس إسرائيلَ (إشعياء 29: 17 – 21). ويَصِفُ النَّبيُ إشعياء هذا العصر بأَنَّه الزمنُ الَّذي تَتَفَقَّعُ فيه عيونُ العمي، وآذانُ الصُّمِ تنفتح، ويقفز الأعرجُ كالإيّلِ، ويتَّرنَّمُ لسانُ الأخرسِ، ويهربُ الحزنُ والتنهُّدُ (إشعياء 35: 1 – 10). بكلماتٍ أخرى، ارتبطَ فتحُ عيون العميان بالعصر المسيحاني أو الدَّاودي إذ يقول الرَّبُّ: "هكذا يقول الله الرَّبُّ، خالق السَّماوات وناشرها، باسط الأرض ونتائجها، مُعطي الشَّعب عليها نسمةً، والساكنين فيها روحاً: أنا الرَّبُّ قد دعوتك بالبر، فأُمسك بيدك وأحفظُك وأجعلُك عهداً للشَّعب ونوراً للأمم، لتفتح عيون العمي، لتُخرج من الحبس المأسورين، من بيت السِّجن الجالسين في الظُّلمة" (إشعياء 42: 5 – 7). بإيجاز، إِنَّ فتحَ عَيْنَيْ مولودٍ أعمى علامةٌ مميزةٌ لبزوغ العصر الدَّاودي الَّذي تحدث عنه الأنبياءُ.

                جاءَ المسيحُ إلى الأعمى وتَفَلَ على الأرض وصَنَعَ من التِّفْلِ طيناً. وكأَنَّه خلق للأعمى عيوناً متشبها بما فعله اللهُ في سِفْرِ التَّكوين حينَ جَبَلَ من التُّرابِ إنساناً. وهكذا بَدَأَتْ رحلةُ الأعمى نحو الحُريَّة. وارتبطت حُريَّتُه بنمو معرفته لهويةِ يسوعَ. فوَصَفَ يسوعَ بأَنَّه إنسانٌ (يُوحَنَّا 9: 10) ثُمَّ بنبيٍ (يُوحَنَّا 9: 17) ثُمَّ برسولٍ إلهيٍ لا مثيلَ له (يُوحَنَّا 9: 32 – 33) ثُمَّ بابن الإنسان (يُوحَنَّا 9: 35؛ التَّرجمة المشتركة والتَّرجمة الكاثوليكية) أو ابن الله بحسب ترجمة كتاب الحياة وترجمة الفاندايك. أَدْرَكَ أولاً أَنَّ يَسُوعَ إِنْسَانٌ. قَالَ: "إنسانٌ يُقالُ له يسوع صَنَعَ طيناً وطلى عَيْنَيَّ، وقالَ لي: اِذْهَبْ إلى بركة سلوام واغتسل. فمضيتُ واغتسلتُ فأبصرتُ" (يُوحَنَّا 9: 11). وفي أتُّون التَّجارب ووسط الاضطهاد نَمَتْ بصيرتُهُ. وكُلَّمَا زادت معرفتُه بيسوعَ نَمَتْ حُريَّتُه. ثانياً، تحرَّرَ من الاستعطاء إذ فَتَحَ المسيحُ عيونَه. وتحرَّرَ من حَصْرِ مَفْهُومِ السَّبت بطقوسٍ ومن الخوفِ من إِبْدَاءِ رأيٍ مخالفٍ للفكرِ السَّائدِ. ثالثاً، تحرَّرَ من التَّمَسُكِ بالمكاسبِ وتقدير النَّاس فكان مستعداً أَنْ يَعْتَرِفَ بالمسيح حتَّى ولو أَخرَجُوهُ مِنَ المجمعِ. رابعاً، أَبْصَرَ المسيحَ للمرةِ الأولى في حياتِه واكتشفَ هويةَ مُعطي البصرِ والبصيرةِ فسجدَ عابداً. وهكذا تحرَّرَ من الدَّينونةِ الإلهيةِ والخطيئةِ.

                أما الفَرِّيسيُّون فساروا في الإتجاه المعاكسِ نحوَ العبوديةِ. فَكُلَّمَا ابتعدَ الإنسانُ عن المسيحِ ازدادت عبوديتُه للخطيئة. وكما صَعَدَ الأعمى أربعَ درجاتٍ حتَّى وصل إلى الحُريَّةِ بسجوده للمسيح، نزل الفَرِّيسيُّون أربعَ درجاتٍ بمقاومتهم للمسيح. وكانت رحلةُ عدم إيمانِهم كما يلي. أولاً، كان بَيْنَهُمْ انشقاقٌ فيما يتعلق بآية شفاء الأعمى ومن عملها (يُوحَنَّا 9: 16). ثانياً، تعاهدوا أنَّه إنْ اعترف أحدٌ بالمسيح سيُخرِجونَهُ مِنَ المجمع وبدأوا بالتَّحقِّيق مع أبويِّ الأعمى الَّذي أَبصرَ (يُوحَنَّا 9: 18 – 23). ثالثاً، أقرُّوا بأَنَّهم يعلمون أَنَّ يسوعَ خاطئٌ (يُوحَنَّا 9: 24). رابعاً، تحوَّل الأعمى إلى مُبْصِرٍ وأما الفَرِّيسيُّون المبُصرون فتحوَّلوا إلى عُميانٍ. ولم يعترفوا بعماهم. فلو اعترفوا بالعمى لفَتَحَ المسيحُ عيونَهم وزالت خطيئتُهم ولكنَّهم أصرُّوا على مقاومة المسيح (يُوحَنَّا 9: 39 – 41). وبقوا في عبوديةِ الخطيئةِ. فكُلُّ مَنْ يَعْمل الخطيئةَ هو عبدٌ لها (يُوحَنَّا 8: 34)، أما مَنْ يَتبع المسيحَ فسيعرف الحقَّ والحقُّ يُحرِّرَهُ (يُوحَنَّا 8: 32).

ويُبيِّنُ يُوحَنَّا أنَّ المسيحَ هو الطَّريقُ إلى الحُريَّة. ففي الإصحاح الثَّاني عشر يُطوِّر يسوعُ فكرةَ الحُريَّة. فيتحدَّث عن دخول يسوعَ إلى القدس خلافاً للأناجيلَ الإزائيةِ (متى ومرقس ولوقا). ويذكُرُ يُوحَنَّا بوضوحٍ سُعف النَّخيل، وهي رمزُ الحُريَّةِ مُنْذُ ثورة المكابيين. ثُمَّ يُبرِزُ الدُّخولَ إلى القدس وسطَ حشدٍ ضخمٍ من النَّاس. وكانت ثمةُ جماعة متدينة لَمْ تستخدم سُعفَ النَّخيل فحسب بل أنشدت أيضاً عباراتٍ تحريضية. فكانوا يقتبسون المزمور (118: 26) مع إضافة شبه الجُملة "ملك إسرائيل". يقول المزمورُ: "هذا هو اليوم الَّذي صنعه الرَّبُّ، نبتهج ونفرح فيه. آه يا رب خلّص! آه يا رب أنقذ! مباركٌ الآتي باسم الرَّبِّ. باركناكم من بيت الرَّبِّ" (مزمور 118: 24 – 26). أما الشَّعبُ فقال: "أوصنا! مباركٌ الآتي باسم الرَّبِّ! ملكُ إسرائيل!" (يُوحَنَّا 12: 13). والكلمةُ أوصنا مأخوذةٌ من كلمتين في العبرية "هوشيعه + نا". والمعنى هو: خلِّص الآن من فضلك، أو خلِّص الآن. وربما نفهمها أيضا بالمفهوم: آه خلص! وهكذا لم يُغيِّر الشَّعبُ بدايةَ الاقتباس الكتابي بل غيَّروا نهايتَه بإضافة شبه الجُملة "ملك إسرائيل". وكانوا يظُنُّون أنَّ ملكوت الله عتيدٌ أنْ يظهَر في الحال (لوقا 19: 11).

وكانوا مُتهيئين لإسقاط روما لو وافق يسوعُ أنْ يكون قائدَهم. ومن نحو آخر، يُضيفُ يُوحَنَّا أنَّ يسوعَ ذَهَبَ إلى القُدس راكباً على جحش ابن أتان كرمزٍ للسَّلام ويقتبس أيضاً من النَّبي زكريا مع تبديل بسيط إذ يبدأ بعبارة "لا تخافي" بدلاً من ابتهجي. ونرى الفرق بين زكريا ويُوحَنَّا في الجدول التالي:

ابتهجي جدا يا ابنة صهيون، اهتفي يا بنت أورشليم. هوذا ملكك يأتي إليك. هو عادل ومنصور وديع، وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان (زكريا 9: 9)

لا تخافي يا ابنة صهيون. هوذا ملكك يأتي جالسا على حجش أتان (يُوحَنَّا 12: 15)

 

 الخطوةُ الأولى نحو الحُريَّة هي في تحطيم حاجز الخوف والنَّظر إلى يسوعَ من ذلك المنظور، بالإضافة إلى أنَّ يُوحَنَّا يربط بين الدُّخول إلى القدس ورغبة اليونانيين في رؤية يسوع. يقول النَّصُّ المُقدَّسُ: "وكان أُناس يونانيون من الَّذين صعدوا ليسجدوا في العيد. فتقدم هؤلاء إلى فيلبُّس الَّذي من بيت صيدا الجليل، وسألوه قائلين: يا سَّيِّد، نُريد أَنْ نرى يسوعَ" (يُوحَنَّا 12: 21). يختلف يُوحَنَّا عن الأناجيلَ الإزائيةِ الَّتي ربطت دُخول المسيح إلى أورشليم بتطهير الهيكل إِذْ يُشدد على زاويةٍ مختلفةٍ تُبيِّن أهميةَ عمل المسيح وفدائه. فكيف نفهم طلبَ اليونانيين في ضوءِ إنجيل يُوحَنَّا؟

عندما طَهَّرَ يهوذا المكابي الهيكلَ سنة 167ق.م. طَرَدَ الأُمَمَ من الهيكل. وتُشير الأناجيلُ الإزائية إلى أنَّ يسوعَ طَهَّرَ أيضاً الهيكل، ولكنَّه لم يُطهِّره من الأُمَمِ بل من بعض اليهود الَّذين أساءوا التَّصرف! ويُوحَنَّا من نحو آخر يُناقش ضمَّ الأُمَمِ إلى جماعة الله. نَلْحَظُ أَنَّ يُوحَنَّا يتحدث عن كلِّ الَّذين يقبلون المسيح وعن محبة الله للعالم أجمع وعن حديث الرَّبِّ يسوع مع السَّامرية ومع خادم الملك. وفي الإصحاح الثَّاني عشر يُثيرُ سؤالاً يتعلق بانضمام اليونانيين إلى شعب المسيح. فهم يريدون أن يروا المسيحَ كما رآه إبراهيمُ ورآه المولودُ أعمى. إِنَّها رؤية تَتَّسِمُ بالبصيرة والتَّقدير لشخص المسيح. وبكلامٍ آخر، إِنَّ الطَّريقَ إلى الحُريَّةِ ليس سُعفَ النَّخيل أو المقاربة العسكرية القائمة على العِرْقِ ولكنَّه بذور القمح الَّتي ستموت وتحوِّل العدُّوَ إلى أخٍ وأختٍ، فجماعة يسوع المسيح ليست جماعة عِرقية بل أولئك المنفتحون المهيئون لمتابعة طريق بذور القمح. وهذا المسرب هو الطريقُ إلى الحريَّة وإلى تكوين جماعة جديدة. إنه المسرب لفهم يهودية يسوع مخلص العالم أجمع.

                 وباختصار تظهر هذه الجماعة في شكل جنينيٍّ في سِفر المجد (يُوحَنَّا 13 – 21) . في هذا السِفر يدعو المسيحُ تلاميذَه "يا أولادي" (يُوحَنَّا 13: 33) كعلامةٍ على تأسيس جماعته، وهي جماعةٌ يهوديةٌ مسيحانيةٌ. وأولادُ المسيح (يُوحَنَّا 13: 33) هم أولادُ الله (يوحنا 1: 12). ويُخبرُ المسيحُ أولادَه أَنَّه لن يتخّلى عنهم ولن يتركهم يتامى. وجماعةُ الله الجديدةُ هي الَّتي تَثْبُتُ في الكرمة (يُوحَنَّا 15: 1- 5) ويقودها الرُّوحُ القُدس (يُوحَنَّا 16: 13). وسنتحدث لاحقاً عن هوية هذه الجماعة أما الآن فَسَنُكْمِل الحديثَ عن النَّظام العالمي الجديد لاسيَّما الأرض المقدَّسة في الفصل العاشر من كتاب الآيات (يوحنا 1 – 12).

 

[1]  من الغريب أَنَّ عدةَ ترجماتٍ للكتاب المقدَّس تُسقط صيغة الأمر فتغلط في تفسير النَّص. للمزيد من المعلومات راجع حنا كتناشو، أرض المسيح: صرخة فلسطينية (بيت لحم: كلية بيت لحم للكتاب المقدّس، 2016)، 66 – 68.

[2] Paul Hoskins, “Freedom from Slavery to Sin and the Devil: John 8: 31 – 47 and the Passover Theme of the Gospel of John,” Trinity Journal 31 (2010): 47 – 63.

[3] משנה בבא קמא ח:ו (مشنا ببا قما 8: 6) - אמר רבי עקיבא אפילו עניים שבישראל רואין אותם כאילו הם בני חורין שירדו מנכסיהם שהם בני אברהם יצחק ויעקב. النص الأصلي متوفر على الرابط التالي: http://www.sefaria.org/sheets/48031.

[4]  للمزيد من المعلومات عن المفهوم البيولوجي لنسل إبراهيم راجع حنا كتناشو، أرض المسيح: صرخة فلسطينية (بيت لحم: كلية بيت لحم للكتاب المقدس، 2016)، 41 – 54.

[5] Karoline Lewis, “Preaching John 8: 31 – 36,” Word and World 36 (2016): 179.