• الأرضُ المُقَدَّسةُ في إنجيل يُوحَنَّا - قراءةُ إنجيل يُوحَنَّا بعيونٍ مسيحيةٍ فلسطينيةٍ 9 – بقلم القِس البروفيسور حنّا كتناشو
الأرضُ المُقَدَّسةُ في إنجيل يُوحَنَّا - قراءةُ إنجيل يُوحَنَّا بعيونٍ مسيحيةٍ فلسطينيةٍ 9 – بقلم القِس البروفيسور حنّا كتناشو

قَدَّمَ لنا يُوحَنَّا نظاماً عالمياً جديداً مبنياً حول مركزية وشمولية السَّيِّد المسيح. فالمسيحُ عريسُ العصرِ الدَّاودي وهيكلُه وسبتُه ومحورُ كُلِّ التَّاريخِ المُقدَّسِ والشَّعبِ المُختارِ. والآن يقودنا يُوحَنَّا إلى إعادة النَّظرِ في مفهوم الأرض المُقدَّسةِ مِنْ وجهة نظرِ مركزيةِ وشموليةِ المسيح. هذا هو لاهوتُ المسيح الشُّمولي الَّذي يُقدِّمُهُ يُوحَنَّا.

 وفي إنجيلَ يُوحَنَّا الإصحاح العاشر يُصَّرِّحُ يسوعُ أَنَّه الرَّاعيُّ الصَّالحُ والبابُ. ولكي نفهمَ علاقةَ هذا النَّص مَعَ النِّظامِ العالمي الجديدِ لاسيَّما الأرض المُقدَّسة في إنجيلَ يُوحَنَّا سنفحصُ أولاً معنـى النَّصِ اليُوحَنَّاوي في الفصل العاشر. ثُمَّ سندرسه في ضوء خلفيات العهد القديم. وبعدئذٍ سنُعيد فحصَه في ضوء تَسلسُل الأفكارِ في إنجيلَ يُوحَنَّا. أولاً، يُقَدِّمُ يسوعُ مثلاً يحوي سبعة مكونات وهي: الباب (يُوحَنَّا 10: 1، 2)، الحظيـرة (يُوحَنَّا 10: 1)، السارق واللص (يُوحَنَّا 10: 1)، راعي الخراف (يُوحَنَّا 10: 2)، البواب (يُوحَنَّا 10: 3)، الخراف (يُوحَنَّا 10: 3، 3، 4، 4)، والغريب (يُوحَنَّا 10: 5). وثمة سبعة مكوناتٍ في تفسير المثلِ:  الباب (يُوحَنَّا 10: 7، 9)، سراق ولصوص (يُوحَنَّا 10: 8، 10)، الخراف (يُوحَنَّا 10: 7، 8، 11، 12، 12، 12، 13، 15، 15، 16)، الرَّاعي (يُوحَنَّا 10: 11، 11، 12، 14)، الأجيـر (يُوحَنَّا 10: 12، 13، 13)، الذِّئب (يُوحَنَّا 10: 12)، والحظيـرة (يُوحَنَّا 10: 16). 

 

مكونات المثل            مكونات التفسير

الباب                        الباب

الحظيرة                   الحظيرة

السَّارق واللص        سراق ولصوص

راعي الخراف          الرَّاعي

الخراف                  الخراف

البواب                   الأجير

الغريب                 الذِّئب

 

ويتحدث السَّيِّدُ المسيح عن حظيـرةِ خرافٍ في القرنِ الأول. كانت الحظيـرةُ ملتصقةً بكهفٍ يَدْخُلُهُ الغنمُ عندما تُمطر السَّماءُ. وأمامَ الكهفِ ثمةُ ساحةٍ تحتضنُ الغنمَ بعدَ أَنْ يدخلوا من مَدْخَلِها، أي مِنَ البابِ. وتحيطُ بالسَّاحةِ سلسلةٌ منخفضةٌ من الصُّخورِ تُشَّكِّل سياجاً يمنعُ دخولَ الغرباءِ وهُروبَ الغنمِ دونَ أَنْ يمنعَ الرَّاعيَ من رؤية الغنمِ مِنْ خارج السَّاحةِ. وينمو على الصُّخورِ بعضُ النَّباتات الشّوكية الَّتـي تُزعج الذئابَ إذ تكرَهُ الذئابُ أَنْ تَشُوكَها الشوكُ في بطنِها حيثُ يكون جِلدُها أكثـرَ حساسية. وعندما تكثـرُ الذئابُ يُشعل الرَّاعيُ الشَّوكَ النَّامي على السِّياجِ الصّخري فيحيط الحظيـرةَ سورٌ من نارٍ مما يُذَكِّرُنَا بالنَّبي زكريا الَّذي وصفَ حمايةَ الرَّبِّ لأورشليمَ كما يلي: "وأنا، يقولُ الرَّبُّ، أكونُ لها سورَ نارٍ من حولها" (زكريا 2: 5). وكأنَّ أورشليمَ حظيـرةٌ كبيـرةٌ والرَّبُّ سورُ نارٍ يحميها. بعدَ هذا الوصفِ لمكوناتِ الحظيـرةِ سيكون مناسباً أنْ نتحدَّث عن باقي مكونات المثلِ الَّذي استخدمه يسوعُ. لقد جَلَبَ الرعاةُ غنمَهُم إلى الحظيـرةِ بعدَ يومٍ طويلٍ من العملِ. ووضعوها في الحظيـرة. ثمة أكثـر من راعٍ وأكثـر من قطيعٍ. وربما يملك الراعيُ بِضْعَ غُنيماتٍ. واختلط الغنمُ في الحظيـرةِ. واتّفّق الرُّعاةُ على وضع حارسٍ يحرسُ بابَ الحظيـرةِ لئلا يأتي اللصوصُ ويسرقوا الغنمَ. وعندما يعودُ الرعاةُ لأخذ غنمَهُم يفتحُ لهم الحارسُ أو البوّابُ. ويتعرّفُ كلُ راعٍ على غنمه. ربما يضع الرعاةُ علاماتٍ مميـزةً على الغنمِ أو يتواصلوا معها بواسطة أصواتٍ اعتادوا أنْ يستخدموها أو بواسطة مزمارٍ. أما الرعاةُ الَّذين عاملوا أغنامَهُم كجزءٍ من أُسْرَتِهم فلقد منحوا تلكَ الأغنام أسماءً مميـزةً. وعندما يَدْخُلُونَ الحظيـرةَ يُنادون كلَّ غنمةٍ باسمها ويُخرجونها من الحظيـرةِ إلى المرعى. وعندما تسمعُ الغنمُ صوتَ راعيها تُدركُ أَنَّه حانَ وقتُ الرَّعيِّ والطَّعامِ فتتبعَهُ، أما الغريبُ فتخاف من صوتِه وتهربُ منه. قالَ لهم يسوعُ هذا المثل ثم شرحَ لهم مغزاه.

 

أَكَّدَّ المسيحُ أَنَّهُ البابُ الَّذي يقودُ إلى الحظيـرةِ والمرعى الجيد أيضاً. فقالَ: "أنا هو البابُ. إنْ دخلَ بي أحدٌ فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى" (يُوحَنَّا 10: 9). وهكذا جمعَ المسيحُ الجغرافيا مَعَ الخلاص الشُّمولي إِذْ رَبَطَ فكرةَ الدُّخول من البابِ إلى الحظيـرةِ، ثُمَّ الخروج إلى المرعى الجيدِ بالخلاص. والمسيحُ بابٌ مفتوح لليهود والأمم إذ له خرافٌ أخر ليست من حظيـرة اليهود.[1] وارتبط مفهومُ الخلاصِ بالنَّجاة من خطة السَّارق الَّذي يريدُ أَنْ يُهلكَ الخرافَ ويذبحها. كما ارتبطَ بالحياةِ الأفضلِ الَّتي يُعطيها المسيحُ (يُوحَنَّا 10: 10). الحياةُ هي خطةُ الله للخراف وستحصل الخرافُ على هذه الحياةِ بواسطة موت الرَّاعي الَّذي يبذلُ نفسَه عن الخرافِ (يُوحَنَّا 10: 11). لقد واجَه المسيحُ خَطَرَ السَّارقِ بكونه الباب وتحدى خطرَ الذِّئب بكونه الرَّاعي الصَّالح. وبكونه الباب منع ذبحَ الخرافِ وهلاكها أما بكونه الرَّاعي الصَّالح فقدَّم نفسَه ذبيحةً بدليةً. ولقد انتشرت الذِّئابُ في فلسطينَ في القرن الأول.[2] وكانت الذِّئابُ تعيشُ في قطعانٍ يتـراوحُ عددُها من ثلاثة ذئابٍ حتَّـى عشرين ذئباً. ويقودُها الذِّئبُ الرَّئيسُ الَّذي يُحددُ وقتَ الهجومِ. ويحاولُ الذِّئبُ الرَّئيسُ أَنْ يُخيفَ الفَريسةَ بصوتِه وعندما يَشُمُّ رائحةَ الخوفِ يهجمُ فتتبعهُ الذِّئابُ الأخرى. وإذا شَعَرَ الأجيـرُ أَنَّ الخطرَ داهمٌ فإِنَّهُ يهربُ لينجو بحياته. وربما يدافعُ بعضُ الرُّعاةِ عن مُعظمِ الغنمِ ولكنَّهم لا يُضَّحُون بأنفسِهم في سبيل نجاة الغنم. وهكذا رَبَطَ يسوعُ صلاحَ الرَّاعي باستعداده للموت من أَجْلِ غنمه.

 

بعدَ شرح المثلِ في سياقِ القرن الأول، من المناسب أَنْ ننظرَ إليه الآنَ في ضوءِ العهدِ القديمِ.[3] وسنُبرزُ نصَّين من العهد القديم لإلقاء المزيد من الضُّوء على النَّص في يُوحَنَّا الفصل العاشر.[4] النُّصُ الأولُ هو من سِفر العدد. يقولُ الكتابُ المُقدَّسُ: فكلَّم موسى الرَّبَّ قائلاً: ليُوكّل الرَّبُّ إله أرواح جميع البشر رجلاً على الجماعة، يَخْرُجُ أمامَهم ويَدخل أمامهم ويُخرجهم ويُدخلهم، لكيلا تكون جماعةُ الرَّبِّ كالغنم الَّتي لا راعي لها (عدد 27: 15 – 17). فأخذ موسى يشوعَ بن نون ووضعَ يدَه عليه ليُصبح القائدَ الَّذي يُخرج الشَّعبَ ويُدخلهم بحسب قوله. وعندما نتمعَّنُ في نصِّ سِفر العدد يتَّضِحُ لنا أَنَّ موسى سيموت عن قريب ولن يدخلَ أرضَ الموعدِ. ولهذا طَلَبَ من الله أَنْ يُقيمَ قائداً يُدخِل الشَّعبَ إلى أرضِ الموعدِ ويُحارب مَعَهم ومِنْ أَجْلِ نجاتهم. ومن اللَّافت للنَّظر أَنَّ كِلا القائدين يشوع ويسوع يحملان نفسَ الاسم في اللغة العبرية. كلاهما رعاة وقادة. ويستخدم النَّصان في سِفر العدد وإنجيل يُوحَنَّا الأفعال "يدخل ويخرج" لوصف تحركات الرَّاعي. وهذا  وصفٌ نادرٌ في الكتاب المقدَّس. وربما يَلمزُ النَّصُ إلى التَّشابه بين يسوع ويشوع في موضوع الدُّخول إلى الأرض الَّتي يريدها اللهُ لغنمه. إلا أَنَّ الفرقَ شاسعٌ بين يشوع ويسوع. فالأولُ يقتلُ سكانَ الأرض ليحافظَ على غنمه بينما يُسلِّم الثَّاني نفسَه للذِّئبِ ليُنَجي غنمَه. لَنْ يقتل يسوعُ سكانَ فلسطينَ المحليين ولكنَّه سيحطم الذِّئبَ بتقديم نفسه ذبيحةً. وهذه الإيضاحات نوقشت في سياقِ عيد التَّجديد (يُوحَنَّا 10: 22) الَّذي يُلقي الضُّوءَ على الحرية وثورة المكابيين اللتين نُوقشتا قبلاً، وهذا المنظور يُلقي الضُّوءَ على حقيقةِ أَنَّ يسوعَ ليس فقط مهتماً بالأرضِ بل بالنَّاس المقيمين على الأرض أيضاً. وهو مستعدٌ بدلاً من قتلِ سكان هذه الأرض أن يموتَ ليُخلِّصَهُم. وهويتُه بوصفه مخلصاً للعالم، تُشَّكِلُ سلوكَه نحو سُكان هذه الأرض. ولكن قد يكون القارئُ غيرَ مقتنعٍ بربط النَّصِ في يُوحَنَّا مَعَ موضوع الأرض مما يقودنا إلى النَّصِ الثَّاني في العهد القديم، حزقيال 34.[5]

 

ثانياً ، إِنَّ مفهومَ الأرضِ المُقَدَّسةِ في يُوحَنَّا الإصحاح العاشر يتصل أيضاً بمفهوم الرَّاعي الصَّالح في العهد القديم. فالعهدُ القديمُ مليءٌ بنصوصٍ وُصِفَ فيها اللهُ بالرَّاعي الصَّالح. ومع ذلك ثمةُ مكانٍ بارزٍ ينطوي على كثيرٍ من المشابهةِ مَعَ يُوحَنَّا الإصحاح العاشر. وسياقُ النَّصِ في سِفر حزقيالَ مهمٌ جداً فإنَّ الوحدةَ الأدبيةَ (حزقيال 33: 21 – 37: 28) تبدأُ بنقاشٍ واضحٍ يتعلقُ بإبراهيمَ والَّذين يرثونَ الأرضَ. وكان النِّقاشُ جدلاً بين توجهين مختلفين بخصوص الوعد الإبراهيمي. بقيت الفئةُ الأولى في الأرض وأصَّرَّت على حقِها في الميراث الإبراهيمي بينما كانت الفئةُ الثَّانيةُ في السَّبيِ ولقد ربطت الوعدَ الإبراهيمي بحياةِ البر والتَّقوى. يقول سِفرُ حزقيالَ: "يا ابن آدم، إِنَّ السَّاكنينَ في هذه الخِرب في أرضِ إسرائيلَ يتكلمون قائلين: إِنَّ إبراهيمَ كان واحداً وقد وَرَثَ الأرضَ، ونحنُ كثيرون، لنا أُعطيت الأرضُ ميراثاً" (حزقيال 33: 24). من الواضِح أَنَّ فئةَ أرض إسرائيلَ تُصِّرُّ على الحقِّ المتوارث لنسل إبراهيمَ. ويعتبرون أنفسَهم مبادرين مثل إبراهيم. ويريدون أخذ الأرض بطريقةِ إبراهيم وليس بطريقة يشوع. ولا تكمن المشكلةُ في التَّوجه أو الإستراتيجية بل في التَّوقيت الإلهي والسلوك بالبر إذ يجب أَنْ يتعلم النَّاسُ أهميةَ البر والتَّقوى في السَّبي.

 

لهذا ثمةُ فئةٌ ثانيةٌ تختلف في توجهها. يَخُطُّ لنا حزقيالُ توجهَ الفئةِ الثَّانية وتحدِّيها للفئةِ الأولى بهذه الكلمات: "تأكلون بالدَّم وترفعون أعينكم إلى أصنامكم وتسفكون الدَّمَ، أفترثون الأرضَ؟ وقفتم على سيفكم، فعلتم الرَّجسَ، وكلٌّ منكم نجَّسَ امرأةَ صاحبه، أفترثون الأرض؟" (حزقيال 33: 25 – 26). بينما ركّزت الفئةُ الأولى على الأرضِ كميراثٍ وكعطيةٍ أصَّرَّت الفئةُ الثَّانيةُ على البر كشرطٍ للحصول على الأرضِ. ثُمَّ وَسَّعَ حزقيالُ وصف الشَّرِ عند رُعاة إسرائيلَ إذ قال لهم: "ألا يرعى الرعاةُ الغنمَ؟ . . . المريض لم تقوّوه، والمجروح لم تعصبوه، والمكسور لم تجبروه، والمطرود لم تستردوه، والضال لم تطلبوه، بل بشدة وبعنف تسلطتم عليهم" (حزقيال 34: 2 – 4). لذلك قرَّرَ الرَّبُّ أَنْ يفتقدَ غنمَهُ بنفسه وأَنْ يُخَلِّصَها ويُنهي سبيَها. ويقولُ الرَّبُّ عن غنمه: وأُخرِجُها من الشُّعوب وأجمعها من الأراضي، وآتي بها إلى أرضها وأرعاها في مرعى جيد (حزقيال 34: 13 – 14). فالمرعى الجيد هو علامة انتهاء السَّبي الجغرافي والرُّوحي. بكلماتٍ أخرى، في ضوء كثرة الرُّعاة الطَّالحين قرَّرَ الرَّبُّ أَنْ يكونَ هو الرَّاعيُ الصَّالح. في ذات الوقت يُضيف حزقيالُ أَنَّ انتهاءَ السَّبي الجغرافي يرتبطُ بانتهاء السَّبي الرُّوحي. وهنا يُفاجئ حزقيالُ سامعيه بخطة الله لإنهاء السَّبي إِذْ يقولُ الرَّبُّ: "وأُقيم عليها راعياً واحداً فيرعاها عبدي داود، هو يرعاها وهو يكون لها راعياً. وأنا أكون لهم إلهاً وعبدي داود رئيساً في وسطهم" (حزقيال 34: 23 – 24). من الواضح أَنَّ سِفرَ حزقيالَ لا يتكلم عن داودَ التَّاريخي الَّذي توفّى قبل مئات السِّنين قبل زمن حزقيالَ. غير أَنَّ حزقيالَ يتحدَّث عن الزَّمن الدَّاودي، أي العصر الَّذي ستتحققُ فيه أحلامُ إسرائيلَ المتعلقةِ بالعدالةِ والبرِ والسَّلامِ. وسيكون داودُ الرَّاعيَّ الصَّالحَ الَّذي سيُوَّحِدُ شعبَ اللهِ وسيقودهم إلى الأرض الموعودة. فيقطع اللهُ مَعَهم عهدَ سلامٍ وينزعُ الوحوشَ والذِّئابَ من الأرض (حزقيال 34: 25).

 

ويُشدِّدُ حزقيالُ على ربط انتهاء السَّبي الجغرافي والرُّوحي بقدوم العصر الدَّاودي. فيقول: "هكذا قال السَّيِّد الرَّب: هأنذا آخذ بني إسرائيل من بين الأمم التي ذهبوا إليها، وأجمعهم من كل ناحية، وآتي بهم إلى أرضهم . . . وملك واحد يكون ملكاً عليهم كلهم" (حزقيال 37: 21 – 22). ويشرحُ حزقيالُ أَنَّ هذا الملك هو عبد الرَّبِّ داود الَّذي يرعى كلَّ الشَّعبِ. فيقول: "وداود عبدي يكون ملكاً عليهم، ويكون لجميعهم راعٍ واحد، فيسلكون في أحكامي ويحفظون فرائضي ويعملون بها. ويسكنون في الأرض التي أعطيت عبدي يعقوب إياها، الَّتي سكنها آباؤكم، ويسكنون فيها هم وبنوهم وبنو بنيهم إلى الأبد، وعبدي داود رئيس عليهم إلى الأبد" (حزقيال 37: 24 – 25). ويستخدمُ النَّصُ الوصفَ "راع واحد" مؤكداً أَنَّ أسباطَ إسرائيلَ ستصبحُ رعيةً واحدةً (حزقيال 37: 15 – 20).

 

إضافة إلى ما سبق، يربط حزقيالُ العصرَ الدَّاودي بالقيامة. فيصف كيفية تحوُّل العظام اليابسة حينَ يضع الرَّبُّ عليها عَصَبَاً ولحماً وينفخُ فيها روحاً (حزقيال 37: 1 – 6). وعندما يدخلُ فيها الرُّوحُ حصلت القيامةُ للشَّعبِ. يقولُ حزقيالُ: "فدخل فيها الرُّوح، فحيوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جداً جداً" (حزقيال 37: 10). ويضيفُ حزقيالُ قائلاً عن بيت إسرائيلَ: "هأنذا أفتحُ قبورَكم وأُصعدكم من قبورِكم يا شعبي، وآتي بكم إلى أرض إسرائيل. فتعلمون أني أنا الرَّبُّ عند فتحي قبوركم وإصعادي إياكم من قبوركم يا شعبي. وأجعل روحي فيكم فتحيون" (حزقيال 37: 12 – 14). بكلماتٍ أخرى، نرى التسلسلَ التَّالي في حزقيالَ: الحديث عن إبراهيمَ، ثُمَّ عن الرَّاعي الصَّالح والمرعى الجيد والرَّعية الواحدة، وعن القيامة المرتبطة بالعصر الدَّاودي.

 

بعد دراسة معنى النَّصِ في سياقه التَّاريخي والاجتماعي في القرن الأول، ومعناه في ضوء العهد القديم لاسيَّما مفهوم الرَّاعي الصَّالح، من المناسب أَنْ ننظرَ مرةً أخرى إلى النَّص في سياقه الأدبي. كما ذكرنا أَنَّ يُوحَنَّا يُقدِّمُ نظاماً عالمياً جديداً مركزه المسيح. فلقد فَحَصَ عاداتِ التَّطهير والمكان المقدَّسِ والزَّمان المقدَّس والتَّاريخ المقدَّس في ضوء مجيء السَّيِّد المسيح. فمن المتوقع بعدَ أَنْ يسيرَ الشَّعبُ في البرية أَنْ يدخلَ إلى أرض الميعاد.  مشابهة لسفر حزقيال نراه يعرضُ دورَ إبراهيمَ في يُوحَنَّا الفصل الثَّامن، وتُنَبِّرُ قصةُ المولود أعمى عن بزوغ فجر العصر الدَّاودي كما شرحنا أعلاه وعن إعادة خلق عيونه بواسطة التَّفل المختلط مع الطِّين فيرى المسيحَ كما رآه إبراهيمُ ويختبر الحريَّةَ الحقيقيةَ. ثُمَّ تبرزُ فكرةُ الرَّاعي الصَّالح الموجودة في يُوحَنَّا 10، فتؤكد الترابطَ مع حزقيالَ إذ نجد "الرَّاعي الصَّالح" والرَّعية الواحدة والرَّاعي الواحد. جميعُ هذه المصطلحاتِ لها علاقةٌ مباشرةٌ مَعَ سِفر حزقيالَ. فيسوع المسيح هو الرَّاعيُّ الصَّالحُ الَّذي سيعتني بالخراف بعكس السَّارق الَّذي سيُهلكها أو الأجير الَّذي سيهرب وقتَ الخطرِ. ويتصرفُ يسوعُ بعكس الرُّعاة الطَّالحين في سِفر حزقيال. ونجد أيضاً أَنَّ يسوعَ المسيح هو الَّذي سيجعل من الخراف رعيةً واحدةً وهو الَّذي سيُوصفُ بأَنَّهُ راع واحد. إضافة إلى ذلك، هو نسلُ داود الَّذي سيصنع العهدَ ويجعل الخرافَ تسكنُ بإطمئنانٍ ولن تهلك إلى الأبد، بل ستحيا الحياةَ الأفضل. وسيضع يسوعُ نفسَه ذبيحةً عن الخراف ليتمِّم الوعودَ الإبراهيمية المتعلقة بالمرعى الجيد أو الأرض المقدَّسة. وسيدعو يسوعُ خرافَه بأسمائِها ويُخرجها إلى المرعى الجيد. وهذا ما فعله المسيحُ مَعَ لعازر عندما ناداه وأخرجه من قبره. وبتعبيرٍ بسيطٍ يُصرّح يسوعُ بأَنَّه الرَّاعيُّ الصَّالحُ ويُعيد يُوحَنَّا التفكير في موضوع الأرض الموعودة بطريقةٍ يكون فيها يسوع هو المحور. ولا يستطيع أحدٌ أَنْ يدخلَ الأرضَ بغير المسيح لأنه البابُ. والمسيحُ أيضاً ليس هو الباب فحسب ولكنَّه الطريق (يُوحَنَّا 14: 6). ويزداد الترابطُ بين حزقيال ويُوحَنَّا عندما يقدِّم لنا يُوحَنَّا قصةً عن القيامة بعد شرحه للمرعى الجيد وعندما يتحدث يُوحَنَّا عن الحصول على الروح القدس في الفصول 14 و 16. ومن الواضح أَنَّ يُوحَنَّا يربطُ الحصولَ على الرُّوح بحياة القيامة. فيقول أَنَّ يسوعَ سَيُعْطِي تلاميذَه روحَ الحقِّ المعزي ولن يتركهم يتامى. ثُمَّ يُضيف يسوعُ قائلاً أَنَّ تلاميذَه سيرونه حياً. وإِنْ كان هو حيَّاً فهم سيحيون (يُوحَنَّا 14: 15 – 19). من الواضح أَنَّ مفهومَ الحياةِ أو القيامة هو ليس مفهوماً حرفياً فحسب بل يتضمن أيضاً معنى مجازياً إذ ستتحققُ في التَّلاميذ اليقظةُ الرُّوحيةُ الَّتي انتظرتها الأجيالُ. فهذا هو انتهاءُ السَّبي في لاهوت يُوحَنَّا. دعونا الآن نتأمل معاً في مفهوم القيامة أو إعادة تعريفها في ضوء المسيح كما يقدِّمها يُوحَنَّا في قصة لعازر.

 

[1] James Martin, “John 10: 1 – 10,” Interpretation 32 (1978): 172.

[2]  حنا كتناشو، أنا هو . . . فمن أنت؟ (القدس: كنيسة الاتحاد المسيحي، 2008)، 57 – 58.

[3] Andreas Kostenberger, “Jesus the Good Shepherd Who will Also Bring Other Sheep (John 10: 16): The Old Testament Background of a Familiar Metaphor,” Bulletin of Biblical Research 12 (2002): 67 – 96.

[4] D. A. Carson, The Gospel According to John (Grand Rapids, Eerdmans, 1991), 379 – 390.

[5] Christopher Wright, The Message of Ezekiel (Downers Grove: InterVarsity, 2001), 273 – 314.