• اصلاح بروتستانتي تحت المجهر! بقلم: بطرس منصور
اصلاح بروتستانتي تحت المجهر!    بقلم: بطرس منصور

يحتفل العالم المسيحي هذا العام بخمسمائة عام على قيام المصلح الالماني مارتن لوثر بتثبيت اعتراضاته الخمس والتسعين ضد الكنيسة الكاثوليكية على باب كنيسة ويتنبرغ. وتعتبر هذه العملية نقطة فارقة لما سيتطور الى مد بروتستانتي من أوروبا اولاً والى العالم اجمع لاحقا.

ان هذه المناسبة تستدعي لا الاحتفال فحسب بل والاهم هو وقفة لتقييم العمل البروتستانتي العربي في البلاد المقدسة. ان ذلك يتطلب عملاً جدياً ومستفيضاً للجوانب المختلفة (الروحية، الإدارية، اللاهوتية، التطبيقية، الاستراتيجيات، الارتباطات والانتماءات، المالية، فلسفة الخدمة وغيرها).

ما سآتي به هو مساهمة أولية للغاية لأربعة نقاط هامة من مراقب انجيلي علماني من هذه الكنائس عساها تكون محفزاً لإجراء بحث كهذا.

للتوضيح -ودون التوقف طويلا على التعاريف- اقصد بهذا التقييم شطري الكنائس البروتستانتية العربية فقط: الكنائس الانجيلية من المد الإصلاحي الأول مثل الأسقفية العربية (الأنغليكانية) واللوثرية والمشيخية وكنيسة اسكتلندا. وكذلك الكنائس الانجيلية الحرة من المد الإصلاحي الثاني والثالث مثل المعمدانيين وجماعات الله وكنيسة الله والناصريين والاخوة والاتحاد المسيحي وغيرهم.

 

1 - كبر التجمع البروتستانتي: لا يتعدى عدد البروتستانت ككل في كل البلاد المقدسة العشرة آلاف شخص من أصل حوالي 170 ألف مسيحي أي حوالي 6%. لقد وضعت الكنائس البروتستانتية الام في مسقط رأسها في إنجلترا وامريكا وألمانيا وغيرها موارد مالية وبشرية هائلة خلال العقود لكي تكسب المنتمين لها ونجحت بذلك بشكل محدود للغاية.

ان مرد ذلك بحسب رأيي يعود، فيما يعود، لفشل هذه الكنائس في الامتداد لغير المسيحيين وبالتالي تركيزها على المسيحيين دون سواهم، للنسبة المتضائلة للمسيحيين أصلا (نظرا لظروف الصراع القومي في البلاد)، لطبيعة المسيحيين العرب كشعب محافظ مرتبط بطائفته واعتبارها جزء من هويته وايضاً لفشل جزئي في تقديم تعليمها ورسالتها وخدمتها في سياق عربي فلسطيني مناسب لأهل البلاد.

 

2 - تأثير البروتستانت: رغم قلة عدد أبناء الطوائف البروتستانتية ولكن تأثيرهم الاجتماعي والسياسي أكبر بكثير وخاصة في كنائس المد الإصلاحي الأول. فقد انتشرت مؤسسات بروتستانتية في شمال البلاد وجنوبها. للمثال وليس الحصر- نذكر عينات من المدارس والمستشفيات فقط: مدارس الكنيسة الأسقفية في الناصرة وحيفا والمعمدانية في الناصرة وطابيثا في يافا وطاليثا قومي في بيت جالا والمطران في القدس والكويكرز في رام الله وغيرها. المستشفيات: المستشفى الإنجليزي في الناصرة ورفيديا في نابلس والاهلي في غزة.

ساهمت المؤسسات البروتستانتية في النهضة العلمية والاجتماعية والثقافية للشعب العربي رغم تعرض بعضها لصراعات داخلية في بعض الأحيان. وكانت الأملاك والمؤسسات العديدة بمواردها الكبيرة مصدراً لمتاعب بسبب كبرها مقارنة بعدد أعضاء أبناء الطائفة المستفيدين من هذه المؤسسات.

من اللافت انحدار رجال ونساء مؤثرين عديدين من كنائس بروتستانتية من المد الإصلاحي الأول ممن وصل تأثيرهم الى المجتمع عامة. هؤلاء أصدروا كتبا او انخرطوا في العمل الجماهيري في العقود الثلاث الأخيرة والتي تزيد كثيراً عن نسبتهم بين المسيحيين مثل: القسوس عودة الرنتيسي، شحادة شحادة، نعيم عتيق، متري الراهب، الكتاب اميل حبيبي وحنا أبو حنا ونجوى قعوار فرح وغيرهم. أما في الكنائس البروتستانتية من المد الثاني والثالث فبرزت شخصيات قليلة في تأثيرها خارج النطاق الكنسي وهي اللاهوتي والكاتب القس حنا كتناشو وسبقه بعمل جماهيري ومسكوني لافت القس إبراهيم سمعان.

أعطت هذه المؤسسات اسماَ طيباً للطوائف البروتستانتية في المجتمع مع انه في نهاية الامر لم ينتج عن ذلك تدفق حشود من المؤمنين اليها.

 

3 - العمل المسكوني: تهب رياح العمل المسكوني للعمل المشترك والتعاون بين الطوائف المسيحية المختلفة في البلاد. وقد انخرط البروتستانت من المد الإصلاحي الأول جيداً فيه. فكان للأسقفيين واللوثريين علاقات وثيقة مع باقي الطوائف تحت راية العمل المسكوني. ويشار ان القسيس الاسقفي نعيم عتيق ساهم من خلال المؤسسة التي أسسها قبل عقدين ("السبيل") في ذلك بشكل ملفت ايضاً لنفس الغاية. أما الكنائس الانجيلية الحرة فقد تم استثناءها (وقد يقول قائل انها استثنت نفسها بنفسها) من هذا العمل المسكوني وكانت طاردة عنه، فيما عدا كلية بيت لحم للكتاب المقدس ولحد معين جمعية الكتاب المقدس. وحتى العمل ما بين البروتستانت من النوعين المذكورين ما فتأ محدوداً للغاية.

اعتقد ان الاسباب لهذه القطيعة بين الكنائس الانجيلية الحرة والباقي تعود الى عملها لجذب الناس من داخل الكنائس المسيحية الأخرى مما يجعل العمل المسكوني بين الطرفين شبه مستحيل بالإضافة لفجوات لاهوتية جوهرية في مسائل شفاعة القديسين ومكانة مريم العذراء وإسرائيل وغيرها.

 

4 - فعالية العمل الروحي الإصلاحي: تميزت الكنائس الانجيلية الحرة بقوة وفعالية روحية اثرت في تشكل أعضاء مؤمنين ملتزمين فيها. ويلاحظ التزام نسبة عالية من مؤمني هذه الكنائس ببرامج وخدمات كنائسهم. ان طبيعتها كمن تضع كلمة الرب والوعظ بها أساساً لخدمتها، جعلها جذابة للنفوس. كما ان طبيعتها ككنائس دون هرمية الإدارة ودون أملاك تُذكَر او مؤسسات تُشغل وتهدر الطاقة– ساهمت في مرونتها وقدرتها على الامتداد والوصول للناس.

اما فعالية ذلك في الكنائس البروتستانتية من المد الإصلاحي الأول فكان محصوراً وقليلا.

 

اذ نشكر الله لأجل ما فعله من خلال كل كنيسة وهيئة وخدمة بروتستانتية – نصلي ان يقيم نهضة بين كل الكنائس المسيحية في السنين القادمة بكل المفاهيم لتساهم في بناء ملكوت المسيح. يمكن ان يحدث ذلك فقط اذا تمت مراجعة عميقة وشاملة للنفس. بدوري حاولت ان أساهم في تحفيز المسؤولين باجتهادي الشخصي للقيام بهذه المراجعة عن طريق وضع رؤوس الأقلام المذكورة اعلاه.