• دور الكنيسة في عالم متغيّر - دروس من تاريخ الكنيسة - القس عازر عجاج
دور الكنيسة في عالم متغيّر - دروس من تاريخ الكنيسة - القس عازر عجاج

إننا نعيش في عالم متغيّر على أصعدة متعددة منها السياسية، والإجتماعية، والعائلية، والعلمية والأخلاقية. وبعض من هذه التغييرات هي تحديات جدية لنا كمؤمنين وككنيسة. وأذكر هنا بعض منها مثل الفقر؛ الاضطهاد الديني؛ الاضطهاد السياسي والظلم؛ الحروبات والتجيند؛ التفكك الاسري وازدياد الطلاق؛ الإجهاض؛ المثلية الجنسية؛ التيارات العلمانية؛ الإلحادية؛ ضياع الهوية؛ وغيرها...

والشيء الملفت للانتباه، غياب هذه المواضيع عن دوائر خدمتنا أو وعظنا وتعليمنا ككنائس إنجيلية. ويعود تغيّب هذه الأمور لسببين: الأول، الصعوبة المتعلقة بهذه المواضيع، والخوف من الخوض في مشاكل معقدة، أو ربما عدم القدرة على معالجتها. ثانياً، تركيزنا على الخدمة داخل الكنيسة فقط، وأصبح تواصلنا مع العالم مبني على نظام الغزوات، حيث نقوم بين الحين والآخر بمد "جسرنا المتحرك" من داخل قلعتنا "الكنيسة" لنخرج بـ "غزوة" أو كما نسميها حملة تبشيرية نصل فيها للشوارع والبيوت، لكن عندما تنتهي الحملة ننسحب إلى حصننا ونسحب الجسر الذي يصلنا بالخارج.

لكن كل من يقرأ الكتاب المقدس بتمعن، ويراقب تاريخ الكنيسة، لا بد أن يدرك أن الكنيسة كائن حي، والكائن الحي يتطور وينمو ليواجه البيئة التي يعيش فيها، لا ليتحصن منها. ولتوضيح الأمر، أريد الرجوع لفترة مهمة من تاريخ الكنيسة، وهي فترة القرون الأربعة الأولى، لإلقاء نظرة على الكيفية التي تعاملت بها الكنيسة الاولى وآباء الكنيسة مع التغييرات التي كانت تجري من حولهم، ثم نرجع لواقعنا لنسأل ما المطلوب منا.

آباء الكنيسة

          يرجع أصل لقب "آباء الكنيسة" إلى خدام الذين جاهدوا لحفظ الإيمان المستقيم دون تحريف. وكان هؤلاء عادة من أساقفة الكنيسة، الذين عاش معظمهم في الفترة ما بين نهاية العصر الرسولي وانعقاد مجمع خلقدونية سنة 451م. ولآباء الكنيسة قيمة كبيرة في دراسة تطور الحياة المسيحية والفكر المسيحي في تلك الفترة. ويمكن تقسيم آباء الكنيسة في القرون الثلاثة الأولى إلى ثلاث مجموعات رئيسية تعاملت كل منها مع تحديات عصرها بطريقة خلاقة وشجاعة، والتي يمكن تلخيصها بالآتي:

الآباء الرسوليون وأهمية التعليم للكنيسة

          مع نهاية القرن الاول كان الكنيسة قد انتشرت في مناطق كثيرة من بقاع الارض بواسطة خدمات الرسل التبشيرية، فوجد الكثير من تلاميذ الرسل (ولذلك اطلق عليهم اسم الاباء الرسوليون) في نهاية القرن الاول وبداية القرن الثاني، أنفسهم أمام مسؤولية تعليم الكثير من المؤمنين الذين تحولوا الى المسيحية من الديانة الوثنية. فقام هؤلاء بتزويد الكنيسة بما تحتاجه من كتابات عرضوا من خلالها على الناس التعليم المسيحي بأسلوب بسيط بمؤلفات قصيرة أو رسائل شخصية، تتخللها تعبيراتهم البسيطة الصريحة عن الإيمان والتقوى. وكان الهدف الأساسي من كتاباتهم هو تقديم ما يحقق بنيان الكنيسة وسد حاجاتها الرعوية المتنوعة ووضع الاساس التعليمي المتين للكنيسة الفتية.

الآباء المدافعون وأهمية الكنيسة للمجتمع

لكن الحال لم يبقَ على ما هو، وواجهت الكنيسة من منتصف القرن الثاني تحديات مختلفة، فقد هبّت موجة شديدة من الاضطهاد والعداوة على الكنيسة، وكانت أسس هذه العداوة تبنى غالباً على الإدعاء أن الكنيسة هي جسم غريب عن المجتمع لا يتوافق لا مع عاداته الاجتماعية ولا الدينية. وكرد فعل على هذه الامور، قام خدام الكنيسة وقادتها في هذه الفترة بتسخير أقلامهم ومواهبهم للدفاع عن الديانة المسيحية المضطهدة، أمام الملوك والشعب، ودُعي هؤلاء الآباء بـ"الآباء المدافعين".

لم يُنكر هؤلاء الآباء اختلاف المسيحية بعاداتها وإيمانها عن المجتمع من حولها، لكنهم كانوا من خلال الرسائل والكتابات التي وجهوها للأباطرة، يشرحون جوهر المسيحية ويدافعون عنها، مظهرين أن المسيحيين وإن اختلفوا عن بقية الناس، لكنهم في الحقيقة مواطنون أكثر اخلاصًا للإمبراطورية من الآخرين، وأكثر نفعاً للمجمتع، لأنهم مسيحيون. ويمكن هنا أن نذكر دانيال واصحابه الثلاثة، فهم من ناحية رفضوا الاشتراك بالطقوس أو الاكل الوثني، لكن ما قالوه، اختلافنا عن باقي المجموعة لا يمنعنا أن نكون اصحاب فائدة، بل العكس تماماً، إخلاصنا وتمسكنا بإيماننا يجعلنا بركة أكبر بكثير لمجتمعنا.

أضف إلى ذلك أن معظم هؤلاء الآباء وجدوا في الفلسفة اليونانية التي نشأوا في رحابها، وسيلة يمكن توظيفها في مساعدة الناس على قبول المسيح، مستخدمين روح العالم اليوناني لكي يساند رسالة الكنيسة، كما فعل بولس في زيارته لآريوس باغوس.

الآباء الجدليون وأهمية التطور الفكري

لكن التغيرات لم تتوقف عند هذا الحد فلم يكن لدخول المثقفين الوثنيين إلى المسيحية نتائج جيدة دائمًا، فقد كان إيمان الكثير منهم إيمان سطحيًا، ولم يستطيعوا أن يفهموا المسيحية فهمًا صحيحًا، وبالمقابل لم يتخلوا عن آراءهم الشخصية وتأثير المعتقدات والفلسفات التي نشأوا في ربوعها. فنتج عن كتاباتهم بدع مختلفة، قادت هذه البدع بعض آباء الكنيسة للكتابة ردًا عليها، ولم تخلُ هذه الكتابات من مجادلات طويلة مع أصحاب هذه البدع، ولذلك سُمّي هؤلاء "بالآباء الجدليين". لم يكن هَمُّ هؤلاء الآباء كسابقيهم المدافعين أن يقدموا تبريرًا منطقيًا للإيمان المسيحي أمام السلطات بل جاهد المجادلون لمواجهة التعاليم الخاطئة وأصحابها الذين باتوا يُمثلون مع تعاليمهم خطرًا داخليًا على الكنيسة.

وقد وجد هؤلاء الآباء أن هناك حاجة لوضع التعاليم المسيحية على نحو منظم، فنتج عن هذا الأمر اللاهوت المسيحي، ونشأت المدارس الفكرية المسيحية، ألا وهي مدارس الإسكندرية وأنطاكية وقرطاجة، هذه المدارس التي ما زالت تؤثر بكتاباتها وتعليمها على الكنائس المسيحية حتى يومنا هذا.

خلاصة

إن التحديات التي نعيشها في يومنا هذا تختلف عن تحديات القرون الاولى، لكن ما سبق وذكرته هو نهج الكنيسة المستمر في التعامل مع التحديات بطريقة حيّة. وعلينا كخدام وقادة وعلمانيين عدم الاختباء من مشكلات العالم وتحدياته لأن اختبائنا يصبح كتصريح أن إنجيلنا عاجز أن يقدم الحلول لتحديات هذا العصر، وسنغدو مثل النعام الذي يضع رأسه في الرمل ظانا أن الخطر لن يطوله. وفقط على سبيل المثال لا الحصر، في الوقت الذي يزداد به التفكك الأسري، ما هي البرامج التي تقوم بها كنائسنا لاعداد الأشخاص المقبلين على الزواج؟ هل لدينا برنامج تدريبي يرافقهم من خلاله الراعي أو أشخاص مختصين من الكنيسة، ليساعدهم  في وضع مبادئ كتابية لتأسيس بيتهم؟ إن الوقاية خير من العلاج، لذلك علينا أن نقوم بها بأكمل وجه.     

وأخيراً، لقد منح الله الكنيسة أربع هبات من المهم أن تستخدمها لتستمر في الحياة وتبقى ذات صلة ومؤثرة في العالم. وهذه الأمور هي: الكتاب المقدس وشهادته للمسيح، والروح القدس، والعقل الذي نفكر به، وأخيرًا منحنا الله الجماعة المسيحية كإطار مرجعي، لذلك ينبغي أن لا نتردد في التواصل مع شعب الكنيسة من شيوخ ونساء وشباب وشابات، فنحن في النهاية سنخدم معهم ومن خلالهم مجتمعًا بأكمله. ولا يجب أن نخاف من الخروج للعالم بملحنا ونورنا، لأن هذا دورنا.

 

هذه المقالة ملخص لعظة قدمها القس عازر عجاج في الكنيسة المعمدانية المحلية في الناصرة في شهر تشرين أول 2016