• الإصلاح الإنجيلي بين الماضي والمستقبل 3: كنيسة جامعة – الكنيسة بين الروحانيات والسياسة - القس عازر عجاج
الإصلاح الإنجيلي بين الماضي والمستقبل 3: كنيسة جامعة – الكنيسة بين الروحانيات والسياسة - القس عازر عجاج

لقد رأينا حتى الآن في المقالين السابقين، أن الكنيسة واجهت تحديات جديّة في عدة جوانب كغياب الوحدة، والقداسة، وحتى مفهوم الخلافة الرسولية كما فهمته الكنيسة الكاثوليكية واجه واقع محرج خاصة في وجود ثلاثة بابوات في آنٍ واحد. وسأتطرق في هذا المقال لمسبب آخر ساهم في دفع عجلة الاصلاح الإنجيلي في القرن السادس عشر، ألا وهو فهم الكنيسة لدورها في الإمبراطورية الرومانية المقدسة ما بين الروحانيات والسياسة.

لا يخفى على أحد في القرون الوسطى أن الكنيسة لم تسعَ إلى فرض نفوذها في الإطار الكنسي فحسب، بل سعَت إلى فرضه على المستوى السياسي أيضًا. ويممكننا القول أنه حتى القرن التاسع تقريبًا، اعتُبِرت السياسة في الدوائر الكنسيىة كأمر ضروري لحالة الإنسان الساقطة، وتجنبت الكنيسة التدخل بأمور الدولة باعتبارها أقل قيمة من الامور الروحية. لكن هذا الموقف أخذ بالتغيّر تدريجيا منذ سنة 800م، خاصة بعد أن قام الإمبراطور شارلمان بأسبقية هامة، حيث طلب أن  يُتَوج من قِبل البابا. وقد أصبح هذا النهج مُتّبعًا من سنة 962 ولغاية بداية القرن السادس عشر، وبهذا أصبح الأباطرة وكأنهم يخضعون للبابا. وتدريجيًا صار الباباوات يحاولون فرض نفوذهم على الدولة بطرق مختلفة، كفرض ضرائب والتدخل في تعيين الملوك والأباطرة، مبررين تدخلهم هذا بأنه حق أُعطي لهم من قِبَل الله، فعلى سبيل المثال قال البابا انوسنت الثالث، انه "كما يستمد القمر نوره من الشمس كذلك يستمد الملك الذي يحكم أجساد الناس كل قوته من البابا الذي يحكم نفوس الناس". لكن بالمقابل رأى الإمبراطور نفسه كأنه حامي الكنيسة، بكونه أقوى عضو فيها، وبهذا وضع نفسه أعلى من السلطة الدينية.

 

المدافعون

كان للجهتين باحثين دعموهم، ومدافعين دافعوا عن موقفهم. يعتبر اللاهوتي جيمس فيتيربو (1255-1308) واحد من أشهر الأشخاص الذين دعموا البابوية، وبنظره الكنيسة لها السلطة الكاملة الوحيدة في العالم. وبالطريقة نفسها التي يحتاج الإنسان الساقط لنعمة الله كيما يخلص، كذلك يحتاج الملك إلى الكنيسة.

بالمقابل كان للملوك مَن حامى عنهم، ومن الأشخاص المؤثرين الذين وقفوا بصف الملوك كان مارسيليوس من فادوا (1290-1343)، وهو فيلسوف سياسي صاحب الكتاب المشهور المدافع عن السلام (وقصد به الإمبراطور). والأفكار المركزية التي نادى بها كانت، تقليص صلاحية الكنيسة في الأمور العالمية، وحصر سلطة البابا على رجال الدين فقط، مشدداَ  أن على الكنيسة توجيه اهتمامها للمجال الروحي وممارسة الأسرار الكنسية، وليس الاهتمام بالأمور العالمية.

 

أحد الأمور المركزية التي استخدمها البابوات للرد على هذه التعاليم، كانت وثيقة عُرفت باسم "هِبَة قسطنطين". وقد اكتُشف لاحقًا أنها وثيقة مزورة كتبت بين الأعوام 750-800. بحسب هذه الوثيقة كان قسطنطين قد وهب البابا سيلفيستر المقاطعات في الغرب عندما نقل العاصمة إلى القسطنطينية. وقد استخدم الباباوات هذه الوثيقة ليذكروا الأمبراطور أن السلطة التي كانت بيده، وما يملك من مقاطعات هي ببساطة بسبب كرم الكنيسة. لكن يمكن أيضًا رؤية الأمر بصورة مختلفة، بما أن قسطنطين هو الذي وهب الأملاك للكنيسة، فهذا دليل على أن السلطة هي بيد الإمبراطور، ويمكنه أن يستخدمها كما يراه مناسبًا.

وباختصار، يُظهر كل هذا النقاش أن محاولات الكنيسة المستمرة، والغير أخلاقية غالبًا، لفرض سيطرتها على النظام السياسي شكّل تحدٍ آخر أساء كل الإساءة لسمعتها، ووضعها مرات ليس بقليلة في مواقف محرجة.

 

مساهمة الطباعة

لقد كان اختراع آلة الطباعة أهم الاخراعات تأثيرًا في تلك الفترة. فقد اخترع جون غوتينبرج سنة 1453 آلة الطباعة. وقد ساعد سعر الورق الرخيص في تلك الفترة إلى انتشار الكتب. وفي نهاية القرن السادس عشر كان هناك 200 مدينة وقرية يمتلكوا المطابع. وفي الأربعين سنة بين 1460-1500 تم طباعة كتب في أوروبا أكثر من كل فترة العصور الوسطى. وهناك إعتقاد سائد، ومن الممكن أن يكون صحيحًا، أن أكثر حركة ساعدت الطباعة في إنتشارها، كانت حركة الإصلاح. ويمكننا إدراك المساهمة الكبيرة للطباعة لحركة الإصلاح، من خلال التأثير الكبير في تشكيل اللغة. فعلى سبيل المثال، قد تأثرت اللغة الألمانية بأسلوب الكتابة، والإملاء والقواعد التي استخدمها لوثر، كذلك تأثرت اللغة الفرنسية من كتابات جون كلفين. وبسبب انتشار الطباعة نشأ انفتاح لاهوتي كبير في القرن السادس عشر، وتُرجم الكتاب المقدس إلى اللغات العامية ولغات مختلفة. وخلال هذه الفترة القصيرة، يمكننا رؤية تأثير الطباعة في تغيير الحقائق والمفاهيم الدينية في تلك الفترة.

 

ملخص

بناء على ما تقدم في المقالات الثلاثة، نجد أن الطريق أصبحت ممهدة أمام الإصلاح من خلال التحديات السياسية والكنسية في أوروبا. فالبدع وتعدد الآراء والمعتقدات، إنتشرت في تلك الفترة، أضف الى ذلك نشوء حركات فكرية مختلفة التي كانت تشير إلى التعددية في التعاليم. ومن ناحية أخرى ظهرت حركات تنسكية مثل تلك التي أسسها فرنسيس الأسيزي، التي تدل على التنوع في الآراء والحياة داخل الكنيسة. كما وكانت التحديات الداخلية الموجودة في الكنيسة والانشقاقات، كالانشقاق في البابوية، والتحديات من الملوك والأباطرة، أسباب وضعت الكنيسة في محنة وجعلتها أن تكون أضعف مما كانت عليه. أضِف الى ذلك ظهور معلمون في الجامعات مثل جون ويكلف، الذين وضعوا تحديات مباشرة لممارسات غير مقبولة، وبالمقابل تبناها رجال دين مثل جون هوس وطالبوا بإجراء إصلاحات داخل الكنيسة. إن جميع هذه الأمور كانت تشير الى التغيير القادم في الأفق.

 

تحديات لكنيسة الغد

إن الأحداث التاريخية هذه يجب أن تبقى أمام أعيننا اليوم، حتى لا تقع في أخطاء الماضي. ومن الامور التي يجب أن تبقى نتذ: أولًا، رفض أي استغلال للدين لقمع حرية الانسان، والسيطرة على عقول وعواطف الناس، وإلا أمسى الدين أداة بيد الاقوياء لاستعباد الضعفاء واستغلالهم فكريًا ومعنويًا وماديًا. ثانيًا، بإعتقادي أن ما قاله مارسيليوس في كتابه "المدافع عن السلام"، أن على الكنيسة الابتعاد عن التدخل في شؤون الدولة والسعي لكسب سلطة سياسية، وبالمقابل عليها تركيز عملها واهتمامها في المجال الروحي وخدمة الإنجيل، هو صحيح جدًا. وقد وضع هذا التوجه الأساس لما تنادي به الكنيسة الإنجيلية بموضوع فصل الدين عن الدولة، ومنح الحرية الدينية للفرد. لكن في نفس الوقت، يجب أن لا يؤدي هذا الموقف لاهمال الكنيسة لصوتها ودورها النبوي في الدفاع عن حرية الفرد والوقوف أمام الظلم والعنصرية والاضطهاد وأي فساد سياسي أو مادي أو اجتماعي. على الكنيسة أن تبحث عن الطرق المسيحية الكتابية التي ترضي الله من ناحية وتعلن صوته من ناحية أخرى لتقوم بدورها هذا. ثالثاً، كما رأينا الدور للطباعة في انتشار الكتب والمساهمة في نشر تعاليم الإنجيلي وتعريف الناس على كملة الله، لذلك على الكنيسة أن لا تهمل هذه الناحية من أنتاج روحي وأدبي يخاطب عقول وقلوب الناس. وعليها أنت تشجع الفكر والتفكير والنقاش والحوار مع كلمة الله، خاصة مع شبابنا، إذا كنا بالفعل نسعى لبناء كنيسة الغد.