• جماعة الكرمة - قراءةُ إنجيل يُوحَنَّا بعيونٍ مسيحيةٍ فلسطينيةٍ 17 - – بقلم القِس البروفيسور حنّا كتناشو
جماعة الكرمة  - قراءةُ إنجيل يُوحَنَّا بعيونٍ مسيحيةٍ فلسطينيةٍ 17 - – بقلم القِس البروفيسور حنّا كتناشو

قالَ أحدُ اللاهوتيين: إنَّ مثلَ الكرمة شجَّعَ الكثيرَ من الناس عبر العصور إلا أنَّه في ذات الوقت أثار خلافاً بين المؤمنين بسبب مفهومهم عن قطع الأغصان أو معتقداتهم عن الارتداد والضمان الأبدي للمؤمن.[1] هذا الاختلاف ظاهرٌ في تعدد وتنوع المقالات الأكاديمية الَّتي تحاول أنْ تشرح هويةَ الغصن غير المثمر في يُوحَنَّا 15: 2. يقول المفسرون أنَّ الغصن غير المثمر هو (1) مؤمنٌ مرتد، (2) غير مؤمن، أو (3) مؤمن غير مثمر سيختبر دينونةً من الله وليس فقدان الخلاص. ويشرح البعضُ أنَّ كلَّ غصن لا يأتي بثمر يرفعه الكرَّامُ ولا ينزعه. يعارضُ آخرون قائلين أنَّ الغصنَ غير المثمر سينزعه الكرام وسيفقد خلاصه. ويجادل لاني (Laney) أنَّ الغصن غير المثمر هو المسيحي بالاسم وليس المسيحي الحقيقي والفعلي.[2] بينما يقول شافر (Chafer) أنَّ الغصن غير المثمر هو مؤمن سيؤدبه الرب في هذه الحياة وربما سيموت بسبب هذا التأديب.[3]

هذا الحوار اللاهوتي مهمٌ ولكنَّه لا يأخذ بعين الاعتبار السِّياق الأوسع لإنجيل يُوحَنَّا والنِّظام العالمي الجديد الذي يؤكده يُوحَنَّا. ولا يأخذ أيضاً بعين الاعتبار الهوية الَّتي يريد يُوحَنَّا أن يبنيها. فنحن أهلُ المحبة، وأهلُ الرُّوح، والجماعةُ المضطهدة، والآن يبيّن يُوحَنَّا أنَّنا أغصانُ الكرمة الحقيقية. ولنفهم قولَ يُوحَنَّا علينا أنْ ننظرَ إلى بعض خلفيات العهد القديم.

الكرمة في العهد القديم

دعونا الآن نتعامل مع النُّصوص الكتابية مؤكدين الأهداف التي يريد النَّصُ أنْ يحققها. يعلنُ المسيحُ أَنَّه الكرمةُ الحقيقية. يقولُ المسيحُ: "أنا الكرمة الحقيقية وأبي الكرام" (يُوحَنَّا 15: 1). ويستخدمُ يُوحَنَّا كلمةَ "اليثينوس" (الحقيقي) كصفةٍ عدة مرات. فهناك النُّور الحقيقي (يُوحَنَّا 1: 9)، والسَّاجدون الحقيقيون (يُوحَنَّا 4: 23)، والخبز الحقيقي (يُوحَنَّا 6: 32)، والكرمة الحقيقية (يُوحَنَّا 15: 1)، والإله الحقيقي (يو 17: 3). كلُّ هذه الإستخدامات مرتبطةٌ بالمسيح. هو الطريقُ الوحيدُ إلى الإله الحقيقي. ومن الضروي أنْ نشدِّد أنَّ يُوحَنَّا يتحدَّث عن الكرمة الحقيقية ليُذكِّرنا أنَّه ثمة كرمة أخرى فشلت في تحقيق مخطط الله لها. هذه الكرمة هي إسرائيلُ الَّتي رفضت طرقَ الله وترفضُ الآن المسيحَ. أما الكرمةُ الَّتي حققت مخططَ الله فهي المسيحُ. وليس هذا استبدال إسرائيل بالكنيسة ولكنه تجسّد دور وأحلام إسرائيل بالمسيح. ولا يرفضُ اللهُ إسرائيلَ القديم بل يحقق دعوة إسرائيل القديم بالمسيح. فبواسطته يتحول كلُّ من يؤمن به إلى إسرائيل الجديد. ويصبحون الأغصان في الكرمة الحقيقية أي في المسيح. وتكون علاقةُ اسرائيل الجديد بالمسيح علاقةَ تكافلٍ. فنحن نتغذى ونحيا به وهو يثمر من خلالنا فيرى العالمُ أعمالَنا الصالحةَ ويؤمنون به.

ويحدّثنا العهدُ القديمُ عن إسرائيل ككرمة. راجع على سبيل المثال لا الحصر: مزمور 80: 9 – 16؛ أشعياء 5: 1 – 7، 27: 2 – 5؛ إرميا 2: 21، 12: 10؛ حزقيال 15: 1 – 8، 17: 1 – 21، 19: 10 – 14؛ هوشع 10: 1 – 2. ويخبرنا مزمور 80 أنَّ الله هو الكرَّام الَّذي أخذ إسرائيلَ من مصر وغرسها في أرض الموعد. كانت رؤيةُ الكرَّام نمو الكرمة بشكل لا يوجد له مثيل في عالم زراعة الكروم. فمجدُ الكرمةِ مرتبط بمهارة الكرَّام. ولقد أرادَ الكرَّامُ أنْ تنمو الكرمةُ في كلِّ الأرض فتغطي الجبالَ وتمتد من البحر إلى النَّهر. ويقول آساف: "كرمة من مصر نقلت. طردت أمماً وغرستها. هيّأت قدامها فأصلت أصولها فملأت الأرض. غطى الجبالَ ظلُها، وأغصانها أرز الله. مدت قضبانها إلى البحر، وإلى النهر فروعها" (مزمور 80: 8 – 11). ويُعْلِمُنا النَّبيُ أشعياء أنَّ الكرَّامَ عمل كلَّ ما بوسعه لإنتاج كرمة مثمرة إلا أنَّ الكرمةَ انتجت عنباً رديئاً مهملة البر والعدل (أشعياء 5: 1 – 7). يشرح أشعياءُ أنَّ مشكلةَ الكرمة هي ليست الكرَّام، بل فساد شعب الله القديم. يقول: "إنَّ كرم رب الجنود هو بيت إسرائيل، وغرس لذته رجال يهوذا. فانتظر حقاً فإذا سفك دم، وعدلا فإذا صراخ" (أشعياء 5: 7).

فكيف تستطيع هذه الكرمة أنْ تنجو من دينونة الله العادلة؟ وكيف تحصل على الخلاص؟ كيف تستطيع أنْ تحققَ رؤية كرَّامها؟ يشرح آسافُ أنَّ الحلَّ يكمن في علاقة الكرمة مع الكرام. فالعلاقة ليست مبنية فقط على ثمر الكرمة، بل على اختيار الكرَّام للكرمة ابناً له (مز 80: 14 – 15). الكرمةُ هي ابن الكرام، ابن مختار. ويشرح آساف أنَّ رجاءَ الكرمةِ مرتبطٌ مع هذه البُنوَّة ومع الشَّخص الَّذي يمثلها. يصف آسافُ هذا الشخص برجل الله الأوَّل أو الأيمن (إيش يمينخا) وبابن آدم المختار (بن أدام). هذا الشخص هو ابن آدم أو ابن الإنسان الذي يجلس عن يمين الله. هذا الشخص هو ابن الإنسان الجالس عن يمين القوة (متى 26: 64). وهو أيضاً الطريقُ إلى عدم الإرتداد عن الله وإلى الثبات والحصول على الحياة. في ضوء هذه الأقوال، نستطيع أنْ نقول أنَّ المسيحَ هو الكرمةُ الحقيقية.

المسيحُ هو الكرمةُ الَّتي تعطي الحياةَ للأغصان. وهو مصدرُ الثَّمر. وهو الَّذي يوحِّدنا. وتجمعُ الكرمةُ كلَّ الأغصان بالرّغم من اختلافات قدراتها على الثَّمر واختلاف شخصياتها واختلاف أحجامها وألوانها. فهناك الأغصان الإفريقية والأغصان الآسيوية والأوروبية والأمريكية والأسترالية. وهناك الأغصان الشَّابة والكبيرة والفاتحة والغامقة. كلُّها متصلة بكرمة واحدةٍ. الكرمة هي الوسيلةُ الوحيدة لوحدة هذه الأغصان وبقائها حية. ويوجد في كرمة الآب ثلاث أنواع من الأغصان: الغصن الذي لا يأتي بثمر، الغصن الذي يأتي بثمر، والغصن الذي يأتي بثمر أكثر (يُوحَنَّا 15: 2). دعونا الآن نفحص بتدقيق أكبر هوية أهل الكرمة وأغصانها.

من الواضح أنَّ حياة الأغصان تعتمد على الكرمة. ولقد قال لنا السَّيّدُ المسيح: "بدوني لا تقدرون أنْ تفعلوا شيئاً" (يُوحَنَّا 15: 5). المسيحُ هو قوةُ المسيحية وحياتُها. فيجب أنْ تتمحور عبادتُنا وحياتُنا حوله. ونعيش في الشَّرق الأوسط وسط تعدديةٍ كنسيةٍ. فهناك الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والأرثوذكسية الشَّرقية والبروتستناتية واليهود المسيحيين. وكأن الكرمةَ في فلسطين/إسرائيل لها خمسة أغصان. وتتفاوت الأغصانُ في ثمرها بالرّغم من كونها في الكرمة ذاتها. ولقد انقسمت الكنيسة في مجمع خلقيدونية سنة 451 ميلادي. رفض البعضُ قرار مجمع خلقيدونية وظهرت الكنائسُ الَّتي تُعرف اليوم بالكنائس الارثوذكسية الشرقية (الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، كنيسة السّريان الأرثوذكس، كنيسة الأرمن الأرثوذكس، كنيسة الأحباش الأرثوذكس، وغيرها). وانقسمت الكنائسُ مرةً أخرى في القرن الحادي عشر فبرزت الكنيسةُ الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية. وانقسمت الكنيسةُ الكاثوليكية في القرن السَّادس عشر وظهرت الكنائسُ البروتستنية. كلُّ 500 عام ثمة انقسام إلا أنه في القرن العشرين بدأت الكنائسُ بالرجوع إلى درب الوحدة. فَهُمْ جميعاً أغصانٌ في نفس الكرمة. ولا نستطيع بدونه أنْ نصنع شيئاً. فإما أنْ نكون معاً أو لا نكون. فيجب أنْ نحتفل بمسيحية الآخر بدلا من أن نُحاكم بعضنا بعضاً. الله هو حاكمُ الجميع.

ويطالبنا السَّيّدُ المسيح أنْ نثبتَ فيه. فعندما نقترب من المسيح ونلتزم بتعالميه وقيمه سنثمر ونحقق دعوة الله لحياتنا. والثمرُ المرتبط بالكرمة هو السَّلام والمحبة والفرح. قال السَّيدُ المسيحُ: "سلامي أترك لكم. سلامي أعطيكم" (يُوحَنَّا 14: 27). وقال "اثبتوا في محبتي" (يُوحَنَّا 15: 9). وقال أيضا "كلمتكم بهذا لكي يثبت فرحي فيكم" (يُوحَنَّا 15: 11). واضحٌ أنَّ محبةَ المسيح وسلامه وفرحه سينتقلوا لنا فنختبر السَّلام والمحبة والفرح وننتصر على شرور العالم. ويرتبط هذا الثَّمر بهوية المسيح الكرمة وبكلامه. فيجب أن نتمسك بيسوع المسيح الإله المتأنِّس والذي يحقق كلّ أشواق العهد القديم ونثبت أيضاً في كلامه. فلقد علَّمنا معنى الحق والحرية والسَّلام والمحبة والاستقامة وقدَّم لنا فضائل ملكوت الله. ومن يدرس كلمةَ الله المتأنّسة والمكتوبة ويثبت في الكرمة بروح الصَّلاة سيمنحهم اللهُ ما يريدون. قال السَّيد المسيحُ: "إن ثبتم في وثبت كلامي فيكم تطلبون ما تريدون فيكون لكم" (يُوحَنَّا 15: 7).

لا شكَّ أنَّ ثباتنا في المسيح أساسيٌ لهويتنا. ولكن بأي مسيح نؤمن؟ لقد ركزت المسيحية التَّقليدية على هوية المسيح. فهو الإله الكامل والإنسان الكامل. وهذا حقٌ. ودرس المسيحيون عبر العصور تفاصيل هوية المسيح. وهذا مطلوبٌ. ولكننا في فلسطين واسرائيل نحتاج أنْ نكتشف الكرمة التي تجمع جميع أغصانها معاً. ونحتاج أنْ نعرف الكرمة التي لا تأتي بثمر الخلاص للفرد فحسب بل بخلاص المجتمع بأكمله. فكيف يكون المسيح كرمة فلسطين والفلسطينيين؟

ليس المسيحُ مخلصاً للأفراد فحسب بل هو مخلصُ المجتمع الفلسطيني والإسرائيلي أيضاً. فكيف نخلق ثقافةَ الغفران والمسامحة دون المسيح وتعاليمه؟ وكيف نبني حضارةَ المحبة وقبول الآخر ومحاربة البغض والكراهية بدون المسيح؟ إنَّ الخلاصَ الَّذي يقدمه المسيحُ للفلسطينيين أكثرَ من خلاص أرواحهم وذهابهم إلى السَّماء. إنَّه الخلاصُ الَّذي يأتي بالسَّماء إلى الأرض. ويشمل خلاصُ المسيح تأسيسَ العدالة والسَّلام. ولقد صنع المسيحُ خلاصَه بالصَّليب ولكنَّ ثمرَ الخلاص نتذوقه بواسطة أغصان الكرمة. فنحن رسلُ الكرمة إلى عالمٍ يخلو من السَّلام والمحبة والفرح. ولهذا يجب أنْ نتحدّث عن الوحدة فنحن جماعة الوحدة. وهذا هو موضوع الفصل القادم وموضوع صلاة يسوع في يُوحَنَّا 17.

  [1]  يعتمد هذا الشرح على حنا كتناشو، أنا هو . . . فمن أنت؟، 156 – 177. لقد وضعت بعض الفقرات كما كتبتها سابقا في الكتاب المذكور أعلاه ولكنَّني أضفت فقرات أخرى لإظهار التـرابط مع النَّظام العالمي الجديد ولهويتنا الأساسية في هذا النظام المتمحور حول المسيح.

Joseph Dillow, “Abiding Is Remaining in Fellowship: Another Look at John 15: 1-16,” BSac 147 (1990): 44.

[2] Carl Laney, “Abiding Is Believing: The Analogy of the Vine in John 15: 1-6,” BSac 146 (1989): 61.

[3] Lewis Chafer, Systematic Theology (vol. 7, Dallas: Dallas Seminary Press, 1948), 4.