• جماعة الوحدة - قراءةُ إنجيل يُوحَنَّا بعيونٍ مسيحيةٍ فلسطينيةٍ 18 - – بقلم القِس البروفيسور حنّا كتناشو

تُبـرز صلاةُ المسيح في يُوحَنَّا 17 أهميةَ الوحدة. ولقد شغل موضوعُ الصَّلاة أحاديثَ الرحيل (يُوحَنَّا 13: 31 – 17: 26). فإضافة إلى الصَّلاة في الفصل السَّابع عشر، نجد سبعَ جُملٍ تؤكِّد على أهمية الصَّلاة.

1  ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله ليتمجد الآب بالابن (يُوحَنَّا 14: 13)

2  إن سألتم شيئا باسمي فإني أفعله (يُوحَنَّا 14: 14)

3  إن ثبتم في وثبت كلامي فيكم تطلبون ما تريدون فيكون لكم (يُوحَنَّا 15: 7)

4  ليس أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم، وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر ويدوم ثمركم، لكي يعطيكم الآب كل ما طلبتم باسمي (يُوحَنَّا 15: 16)

5  وفي ذلك اليوم لا تسألونني شيئا. الحق الحق أقول لكم: إن كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم (يُوحَنَّا 16: 23)

6  إلى الآن لم تطلبوا شيئا باسمي. اطلبوا تأخذوا، ليكون فرحكم كاملا (يُوحَنَّا 16: 24)

7  في ذلك اليوم تطلبون باسمي. ولست أقول لكم إني أنا أسأل الآب من أجلكم (يُوحَنَّا 16: 26)

 

من الواضح أنَّ توجه الصَّلاة عند التَّلاميذ سيتغيَّر. فثمةُ عصرٍ جديدٍ في الصَّلاة وطريقة طلبٍ مختلفة إذ سيطلب التَّلاميذُ من الآب باسم يسوع.

ولقد اعتاد يهودُ القرن الأوَّل أنْ يصلّوا. فصلّوا في الهيكل وفي المجمع وفي بيوتهم. ودُعي الهيكلُ ببيت الصَّلاة (أشعياء 56: 7). وكانوا يُقدِّمون الذبائحَ في الهيكل وقت الصَّلاة مرتين في اليوم، السَّاعة الثَّالثة ثُمَّ السَّاعة التَّاسعة. ويبدأُ عَدُّ السَّاعات عندما تُشرق الشَّمسُ وذلك بحسب عادات الرُّومان في القرن الأوَّل. وعدد ساعات النهار الرُّوماني هو اثنتا عشرة ساعة (يُوحَنَّا 11: 9).

واستخدَّم الكتابُ المُقَدَّسُ عادات توقيت الرُّومان أكثـر من مرةٍ. فعلى سبيل المثال، لا الحصر، نجدُ طريقةَ التَّوقيت الرُّوماني في مَثَلِ فعلة الكرم. ففي هذا المثل، كانت ساعاتُ العملِ اثنتي عشرة ساعةً. فلقد عملَ الأشخاصُ الَّذين استأجرهم صاحبُ الكرم السَّاعة الحادية عشرة (أي الخامسة مساءً) ساعة واحدة قبل انقضاء النَّهار (متـى 20: 9 – 20). فلو أشرقت الشَّمسُ السَّاعة السَّادسة صباحاً بحسب توقيتنا عندئذٍ تصبحُ ساعاتُ الصَّلاة: التَّاسعة صباحاً والثَّالثة بعد الظهر.

التَّوقيت الرُّوماني                                        التَّوقيت المعاصر

السَّاعة الثَّالثة بعد إشراق الشَّمس                  السَّاعة التَّاسعة صباحا (3 + 6)

السَّاعة التَّاسعة بعد إشراق الشَّمس               السَّاعة الثَّالثة بعد الظهر (9 + 6 = 15 أو 3 ب. ض.)

السَّاعة الحادية عشرة بعد إشراق الشَّمس       السَّاعة الخامسة بعد الظهر (11 + 6 = 17 أو 5 ب.ض.)

 

يقول الكتابُ المُقَدَّسُ: "وصعد بطرس ويُوحَنَّا معا إلى الهيكل في ساعة الصلاة التاسعة" (أعمال الرسل 3: 1)، أي السَّاعة الثَّالثة بعد الظهر. إضافة إلى ما سبق، صلَّى اليهودُ في المجامع  لاسيَّما أيَّام السَّبت والأعياد. وعادةً وقفَ أحدُ المصلين ليصلي بصوتٍ مسموعٍ. ثُمَّ يقولُ جميعُ الموجودين: آمين. ويرى بعضُ الباحثين أنَّ برنامج الصلاة ليهود القرن الأول كان كما يلي: صلاة "اسمع يا إسرائيل" ( تثنية 6: 4) عند شروق الشَّمس، صلاة السَّاعة التَّاسعة صباحاً في الهيكل، صلاة السَّاعة الثَّالثة بعد الظهر في الهيكل، ثم صلاة "اسمع يا إسرائيل" عند غروب الشمس (1) أما يهود قمران فلقد صلّوا بدون ذبائح الهيكل مؤكدين أهمية نقاء القلب في الصلاة (2) وصلَّى اليهودُ في بيوتهم عندما كانوا يتناولون الطعامَ مُطيعين وصية الله في تثنية 8: 10 الَّتـي تقول: "فمتـى أكلت وشبعت تبارك الرَّب إلهك لأجل الأرض الجيدة التي أعطاك".

لَمْ يختـرع المسيحُ الصَّلاة ولكنَّه وجَّهَّها في اتجاه مُتميِّـز وَرَبَطَهَا بالثَّبات فيه وباسمه وبالثَّمر وبالفرح وبتمجيد الآب والابن. وهكذا صارت الصَّلاةُ جزءاً من العلاقة مع السَّيِّد المسيح ومع إرساليته. ولَمْ تَعُدْ الصَّلاة منفصلة عن إرسالية المسيح. فأفضلُ لاهوت للصَّلاة هو لاهوت كريستولوجي متمحور حول المسيح وإرساليته. وأفضلُ لاهوت كريستولوجي هو لاهوت ثالوثي. وهذا ما سنراه في صلاة المسيح في يُوحَنَّا 17. لهذا يجب أن نفهم مفهوم الوحدة في إطار العلاقة مع المسيح وإرساليته وفي إطار الصَّلاة والأشواق المقدَّسة. بإيجازٍ، إنَّ الشَّوقَ المُقَدَّسَ للوحدة والصَّلاةَ بحرارةٍ باسم يسوع من أجل هذه الطلبة ضروريٌ لتَجَسُّدِهَا في أرض الواقع. لقد رفعَ السَّيِّدُ المسيح صلاتَه للآب في ستةِ أجزاءٍ مكرراً كلمة "أيُّها الآب" في بداية كلّ جزءٍ (يُوحَنَّا 17: 1، 5، 11، 21، 24، 25) (3) وصلَّى لأجل نفسه (يُوحَنَّا 17: 1 – 5)، ولأجل التَّلاميذ (يُوحَنَّا 17: 6 – 19) ولأجل الَّذين يؤمنون بواسطة التَّلاميذ (يُوحَنَّا 17: 20 – 26). وكانت صلاةُ المسيح جزءاً من أحاديث الرَّحيل قبلَ أنْ يذهب إلى الصَّليب. وهكذا وضعَ في صلاته أهمَّ الأشياء الَّتي كان يُفكرُ فيها قبل صلبه. فلنتأمل معاً في هذا الصَّلاة وفي أهم ما جاء فيها.

أولاً، تُشدِّد الأعدادُ الخمسةُ الأولى على تمجيد الابن في بداية المقطع ونهايته (آآ 1، 5). ونعلم أنَّه كان للابن مجدٌ قبل التَّأَنُّس (يُوحَنَّا 17: 5) ورأينا مجدَه في التأنُّس (يُوحَنَّا 1: 14) وأيضاً في الآيات الَّتـي صنع (يُوحَنَّا 2: 11؛ يُوحَنَّا 11: 4). إلا أنَّ مجدَه قبل التَّجسد حُجب عن البشر بتنازله حين صار بشراً. وحُجب مجدُه أمامَ كلّ عين شوَّهتها الخطيئةُ ومحدوديات العالم الخاطئ. وكان مجدُ الآيات وقتـياً ومحدوداً. "ومع أنَّه كان صنع أمامهم آيات هذا عددها، لم يؤمنوا به" (يُوحَنَّا 12: 37). ولكنَّ المجدَ الذي يطلبه في يُوحَنَّا 15 مرتبطٌ بموته وقيامته. فبعد نهاية خدمة يسوع العلنية صلَّى السَّيِّدُ المسيحُ قائلاً: "أيها الآب مجّد اسمك! فجاء صوتٌ من السَّماء: مجّدت وأمجّدُ أيضاً" (يُوحَنَّا 12: 28). مَجَّدَ الآبُ الابنَ خلال حياته على الأرض والآن سيُمَجِّده بالقيامة بعد موته. وعندما غادرَ يهوذا العشاء الأخيـر بعدما استسلم لطريق الخيانة والقتل، قال السَّيِّدُ المسيح: "الآن تمجّد ابن الإنسان وتمجّد الله فيه" (يُوحَنَّا 13: 31). والسِّياق يؤكدُ أنَّ المقصودَ هو موتُ المسيح. وربما من الجيد أنْ نُبـرزَ أنَّ مجدَ القيامة ظاهرٌ  بعكس مجده قبل التَّجسد وهو أيضا مجدٌ دائمٌ بعكس مجد الآيات. وبعد القيامة سيصعد المسيحُ إلى السَّماء ويجلس عن يمين الآب ويسكب الرُّوحَ القُدُسَ. "لأنَّ الروحَ القدس لم يكُن قد أعطي بعد، لأنَّ يسوع لم يكن قد مُجّد بعد" (يُوحَنَّا 7: 39).  وسيُمجِّد الرُّوحُ القدسُ المسيحَ (يُوحَنَّا 16: 14) حتّى يوم مجيئه. ويؤكد النَّصُ المُقَدَّسُ في يُوحَنَّا 17: 1 – 5 ارتباطَ المجد بعطية الآب إذ تتكرر كلمةُ أعطى في الآيات 2 و 4.[4] أعطى الآبُ الابن سلطاناً أنْ يمنح الحياةَ الأبديةَ (آ 2) وأعطاه عملاً صالحاً ليتممه (آ 4). وأعطاه بشراً يؤمنون به (آ 6، 9، 12، 24) وكلاماً ربانياً (آ 8). وأعطاه أيضاً المجدَ الذي سيقود إلى وحدة جماعة المسيح (آ 22، 24). وهكذا ارتبطَ المجدُ بالوحدة وبالعطية الإلهية لاسيَّما الحصول على الحياة الأبدية أي معرفة الله ورسوله يسوع المسيح (آ 3). وارتبطت هذه المعرفة بالإرسالية. فالمسيح رسولٌ ولكن إرساليته امتدت من خلال تلاميذه. فوحدتُهم تؤثر على إرساليتهم وبالتَّالي على إرسالية المسيح ومجد الله الواحد المثلث الأقانيم.

ولا شكَّ أنَّ موضوعَ الوحدة متعلق بوحدة الآب والابن. فعندما صلَّى السَّيِّدُ المسيحُ قال: "ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحدٌ" (يُوحَنَّا 17: 22). وتظهر وحدةُ الآب والابن بسلسلةٍ من الآيات والتَّعابير في يُوحَنَّا 17 كما في الجدول التَّالي.

 رقم الآية       النَّص من إنجيل يُوحَنَّا 17

6                  كانوا لك وأعطيتهم لي

7                  كل ما اعطيتي هو من عندك

10                كل ما هو لي فهو لك، وما هو لك فهو لي، وأنا ممجّد فيهم

11                ليكونوا واحد كما نحن

21                ليكون الجميع واحداً، كما أنك أيها الآب في وأنا فيك، ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا

22                ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد

23                أنا فيهم وأنت فيّ ليكونوا مكمّلين إلى واحد

 

إنَّ وحدةَ الأقانيم لاسيَّما الآب والابن أساسُ وحدة المؤمنين. فما هي وحدة الآب والابن في يُوحَنَّا 17. تعتمد وحدة الثالوث في التقليد الكنسي الشَّرقي على محبة الآب الإزلية. فالآب هو المسببُ الأوَّلُ. فلقد منح نفسَه بالكامل قبل كلّ الأزمنة الأزلية فولد أقنومَ الابن وانبثقَ منه أقنومُ الرُّوح. والأقنومان لهما جوهر الآب نفسه وأزليته. فنحن لا نتحدث عن ولادة أو انبثاق داخل إطار الزَّمن بل خارجه. فلا يوجد وقتٌ قبل ولادة الله الابن أو الله الرُّوح القدس. فالابن إلهٌ من إلهٍ. هو مولودٌ غيـر مخلوق، له جوهر الآب ذاته. والروحُ إلهٌ من إلهٍ. هو منبثقٌ غيـر مخلوق، له جوهر الآب ذاته. ويبادل أقنوما الابن والرُّوح أقنوم الآب بنفس المحبة الإلهية. ويُعبِّـر الابنُ عن هذه المحبة بطاعةٍ كاملةٍ للآب. وهكذا كان الآبُ هو المسببُ الأوَّلُ لوحدة الثَّالوث وذلك بواسطة محبته واعطاء نفسه بالكامل للابن بالولادة وللروح بالانبثاق.(5) فمحبةُ الآب هي منبع وحدة الثالوث.(6) واتحادُنا مع هذه المحبة ذُروةُ تجسيد الإرسالية الإلهية.               

                ويتعلَّقُ التَّكليفُ الإرسالي بعلاقة المسيحي مع العالم. تتكررُ كلمةُ "العالم" في يُوحَنَّا 17 ثماني عشرة مرة. (7) ويختلف مدلولُ الكلمة بحسب السِّياق. فقد تعنـي الكلمةُ الخليقة، أو جميع البشر، أو كل من رفض المسيح وطريق البـر، أو غيـر ذلك. وهكذا تثيـرُ صلاةُ المسيح سؤالاً يتعلق بعلاقة المؤمن مع العالم. فهل سيكون المؤمنُ ضدَّ العالم؟ فيُبيِّن أَنَّ العالمَ شريرٌ وأنَّه لا توافق بين الكنيسة والمجتمع. فيجب أنْ ننعزل عن كلِّ ما هو شر وخبث ونضع جُلَّ اهتمامنا بالسَّماء ونصبرُ على الزَّمن الرديء. فهذا العالم سيزول وموطننا الحقيقي موطنٌ سماويٌ. والعالمُ قد وُضِعَ في الشِّرير لهذا علينا الابتعاد عنه ومحاربته. فنحنُ مثل سفينة نوح والعالم سيغرق. علينا أنْ ندعو كلَّ من يؤمن أنْ يدخل فلكَ الخلاص. أو ربما يجب أنْ يكون المؤمنُ متناغماً مع العالم في كل شيءٍ فيصبح مثل الملح الَّذي يختلط بالتُّراب ويخسر ملوحته. أو ربما يجب أنْ يكون المؤمنُ أعظمَ من العالم فيشعر بالفخر والاعتـزاز في ضوء الأخلاقيات العالية الَّتي يتمتع بها. فيصبح مثل الفريسي المفتخر بقيمه وسلوكياته. أو ربما ثمة طريق آخر في التَّفاعل مع العالم.

                يُقَدِّمُ لنا السَّيدُ المسيح ثلاثةَ حروف جر تشرح علاقة المؤمن مع العالم. الحروف هي: من، في، وإلى. قال عن تلاميذه أنَّهم في العالم ولكنَّهم ليسوا من العالم. وهو يرسلهم إلى العالم. أولاً، ليس أتباع المسيح من العالم لأنَّهم لا يتبنوا قيمَه وأخلاقياته وسلوكياته ومفهومه عن الله والخليقة والمستقبل والخلاص. هم بشرٌ كالبقية ولكنَّ قناعاتَهم مختلفةٌ. ثانياً، بالرّغم من أنَّ المسيحيين ليسوا من العالم إلا أنَّهم في العالم. فنحن جزءٌ من المجتمع والدَّولة وننتمـي إلى بلادنا سواء أكنا فلسطينيين أو إسرائيليين. ثالثاً، أَرسلَ اللهُ المؤمنين إلى العالم لينشروا ملكوت الله بينهم. ويجب أنْ نحافظ على التَّوازن بين حروف الجر الثَّلاثة وإلا سنفقدُ هويتَنا ورسالتَنا.

في              أنتم في العالم                       

من               لستم من العالم 

إلى              أرسلتهم إلى العالم

 

                وتعتمد رسالتُنا على هويتِنا الواحدة. فعندما نكون واحداً يؤمنُ العالمُ أنَّ الآبَ أرسلَ الابنَ (يُوحَنَّا 17: 21) ويعلموا بمحبة الله. وفي ضوء هذا الأمر، نتساءلُ عن العلاقات المسيحية – المسيحية في فلسطين وإسرائيل. فهل نعتبـر المذاهبَ المسيحية الأخرى بدعا أم نعتبـرهم جزءاً من عائلة المسيح؟ هل المسيح طريقنا إلى الوحدة أم إلى الطائفية المسيحية؟ ستقودنا العقليةُ الطائفية إلى محاكمة الآخر وإعلان ذنبه لأنَّ كنيستَه لا تتماشى مع معايرنا الإيمانية. وهنا نتساءل (1) من هو المسيحي؟ (2) وما هي مسؤوليتنا تجاه المسيحيين؟ لنتحدث الآن عن السُّؤال الأوَّل ثُمَّ السُّؤال الثَّاني.

تتنافس العائلات الكنسية في تحديد من هو المسيحي وتختلفُ في أجوبتها. يقولُ بعضُهم أنَّ المسيحي هو الإنسان الَّذي تعمَّد كطفلٍ في طائفةٍ ما والتـزم بها وربما ينفي بعضُ أعضاء هذا الفريق صفة المسيحية عن الآخرين واصفين إيَّاهم بالبدع والهرطقات. ويقول آخرون: المسيحيُ هو من سمع رسالة الإنجيل وقبلها. ويضيف فريقٌ ثالثٌ: المسيحيُ هو من قَبِلَ ووافقَ على مجموعةٍ من العقائد مثل قانون الإيمان أو غيـر ذلك. ويوجد اليومَ العديد من المجموعات المستقلة الَّتي تُنادي بمسيحيتها وتنـزع صفةَ المسيحية عن الآخرين أو ربما تصفُ مسيحيتها بالمسيحية النَّقية ومسيحية الآخرين بالدُّونية. وتتنافس الطوائفُ في نزع شرعية المجموعات المختلفة عنها وفي تحويل الكنيسة إلى طائفة وفي مقاطعة الطوائف الأخرى "المشبوهة". يقولون: هم غيـر مسيحيين!؟ هم بدعٌ وهرطقاتٌ. ويجيب الفريقُ الآخر قائلا: هم غيـر مؤمنين وربما يجب عدم الثِّقة بهم أو التَّواصل معهم كإخوةٍ وأخوات في الإيمان. وربما  يتساءل القارئُ: من هو المسيحي؟

يستخدم الكتابُ المُقَدَّسُ مصطلح "مسيحي" ثلاث مرات (أعمال الرسل 11: 26؛ 26: 28؛ بطرس الأولى 4: 16). لقد دُعي تلاميذ المسيح "مسيحيين" أول مرة في أنطاكية (أعمال الرسل 11: 26) واستَخدم المصطلحَ الملكُ أغريباس عندما حاورَ بولسَ قائلاً: "بقليل تُقنعنـي أنْ أصيرَ مسيحياً" (أعمال الرسل 26: 28). ونراه في رسالة الرَّسول بطرس الأولى عندما يتحدث النَّص عن اضطهاد أتباع يسوع المسيح (بطرس الأولى 4: 16). ولتحديد الإنسان المسيحي يستخدمُ الكتابُ المُقَدَّسُ تعبيـراً مهماً وهو المولود من الله. فدعونا ننظر إلى الكتاب المُقَدَّس لنكتشف معا سمات المولود من الله.

1.   "كل من يؤمن أنَّ يسوع هو المسيح فقد وُلد من الله" (يُوحَنَّا الأولى 5: 1).

2.   كل من هو مولود من الله لا يُمارس الخطيئة (يُوحَنَّا الأولى 3: 9)؛ "كل من ولد من الله لا يخطئ، بل المولود من الله يحفظ نفسه، والشَّرير لا يمسه" (يُوحَنَّا الأولى 5: 18).

3.   "كل من ولد من الله يغلب العالم" (يُوحَنَّا الأولى 5: 4).

4.   يقول يُوحَنَّا بفم ترجمة الحياة: "فاعلموا أنَّ كلَّ من يفعل الصلاح، يُظهر أنَّه مولود من الله حقا" (يُوحَنَّا الأولى 2: 29).

5.   "أيها الأحباء، لنحب بعضنا بعضا، لأن المحبة هي من الله، وكل من يحب فقد وُلد من الله ويعرف الله" (يُوحَنَّا الأولى 4: 7).

 لا تشير هذه النصوص إلى اسم الطائفة أو الفئة التي تجعلنا مسيحيين، بل إلى سمات رئيسية في حياة المولود من الله وهي: الإيمان الصحيح في القضايا المتعلقة بيسوع المسيح وتأنُّسه وموته وقيامته وهويته. إضافة إلى ذلك إنَّ المولود من الله لا يمارس الخطيئة، بل يفعل الصلاح، وحياته مليئة بمحبة الله والإخوة. فالمحبة والإيمان والبر سمات لا يمكن فصلها عن الإنسان المولود من الله. وربما يجب أن يكون المسيحيون أهل المحبة والإيمان والبر. لقد آن الأوان أن تتحول مسيحيتُنا من لغة الإقصاء والإبعاد والتَّفوق الرُّوحي والتَّاريخي إلى ممارسة المحبة والحق والعدل مع كل إخوتنا وأخواتنا. فلنتبع يسوع المسيح كمسيحيين مولودين من الله، كجسد الرَّب وليس كطوائف تبتر كنيسة المسيح إلى أشلاء باسم الطائفة والطائفية. فالمسيحية اليوم هي كنيسة تشمل العديد من العائلات الكنسية، وكل مسيحي مولود من الله هو أخي وأختي مهما كانت خلفيته الكنسية. فكيف نعبّر عن هذه الوحدة بطرق عملية؟

                بالرّغم من أنَّه لا يوجد وحدة عقائدية أو مؤسساتية إلا أنَّه يجب أن نتمسك بوحدة المحبة. فنحب المسيحي الآخر ونخدمه بكلّ قلبنا كأحد أفراد العائلة المسيحية. وتدفعنا هذه المحبة إلى الشّركة مع المسيحيين من عائلات كنسية أخرى. فيجب أن نستثمر الوقتَ والجهد في سبيل التَّواصل مع جميع أفراد العائلة المسيحية. ويجب أن نبحث عن المؤسسات والاجتماعات التي تجمعنا معاً مثل مجلس الكنائس العالمي أو غيره.

                ولا يكفي أن نلتقي بالآخر، بل يجب علينا أن نُصلي من أجل جميع أفراد العائلة المسيحية. ونسعى أن نباركهم بالكلام والأعمال وأن ندعم خدماتهم وكنائسهم كلما كان ذلك ممكناً. يجب أن نتواصل معاً في سبيل بناء جسور التَّفاهم والاحترام دون التخلي عن قناعاتنا الأساسية. ولا ضير من تشجيع الزواج بين العائلات الكنسية مادام الزوجين متمسكين بتعاليم المسيح ومتفقين على حياة التَّقوى والبر. وأشجع أيضاً العبادة المشتركة وأن نغسلَ أقدام بعضنا بعضاً بمحبة وتواضع دون رياء. هذه الوحدة المسيحية هي وحدة كرازية تجعل العالم يؤمن أنَّ يسوعَ واحدٌ وكنيسته واحدة في ولائها لسيدها الواحد. والآن بعد شرحنا عن هويتنا كأهل الوحدة، من المناسب أن نشرح دور الصَّليب ومكانته في تشكيل هويتنا كأهل الصَّليب.

[1] Kendell Easley, “Prayer Customs in First Century Judaism” Biblical Illustrator (Spring 1996): 48 – 50; available from http://www.stjohnlutheran-elyria.org/images/10-7-Prayer%20Customs%20in%201st%20Century%20Judaism.pdf.

[2] المرجع السابق، 49.

[3] لشرح مفصل عن التَّقسيم الأدبي لصلاة يسوع في يُوحَنَّا 17 راجع

Edward Malatesta, “The Literary Structure of John 17,” Biblica 52 (1971): 190 – 214.

[4] تتكرر كلمة "أعطى" أو أحد مشتقاتها سبع عشرة مرة في يُوحَنَّا 17: 2، 2، 2، 4، 6، 6، 7، 8، 8، 9، 11، 12، 14، 22، 22، 24، 24.

[5] Scouteris, 406.

[6] أما في التقليد الكنسي الغربي، فوحدة الثالوث مبنية على وحدة جوهر الأقانيم الثلاثة.

[7] نجد الكلمة "عالم" في الآيات التالية: يُوحَنَّا 17: 5، 6، 9، 11، 11، 12، 13، 14، 14، 15، 16، 16، 18، 18، 21، 23، 24، 25.