• لبّيك اللّهم لبّيك... القس عازر عجاج
لبّيك اللّهم لبّيك... القس عازر عجاج

يحتفل المسلمون في هذه الأيام بعيد الأضحى تخليدًا وإحياءً لذكرى قصة إبراهيم مع ابنه. وملخص القصة كما جاءت في القرآن نجدها في سورة الصافات: 101 و102، حيث يُذكر فيها أن إبراهيم رأى في المنام أنّه يذبح ابنه، وعندما شارك  إبراهيم ابنه بمنامه طلب منه الابن أن يفعل ما أمره الله تعالى به. لكن قبل أن يقوم إبراهيم بذبح ابنه فداه الله بكبش عظيم رحمةً به وبأبيه. ولا تأخذ هذه القصة في الإسلام أية معانٍ رمزية بل هي مجرد امتحان لإيمان إبراهيم. ويقوم المسلم بتقديم أضحية كتذكار لما حدث مع إبراهيم، وتوزع لحمها على الفقراء والمحتاجين وأهل البيت. وبمناسبة هذا العيد ارتأيت أن أكتب هذه المشاركة البسيطة عن مفهوم الذبائح (الأضاحي) في الديانة اليهودية والمسيحية.

تعود عادة تقديم الذبائح إلى زمن مبكر جداً في معاملات الله مع الإنسان، فمن بداية سفر التكوين نجد أن البشر حاولوا التقرب من الله عن طريق الذبائح (انظر تكوين 4:4). ولم تقتصر هذه الذبائح على شعب أو ديانة معينة بل مارسها العبرانيون والكنعانيون والمصريون والبابليون، ولاحقاً اليونانييون والرومان والهنود وغيرهم من الشعوب. وقد قُدمت هذه الذبائح عمومًا كوسيلة لإرضاء الله والتكفير عن الخطايا ومحاولة التقرب منه. ومن هنا جاءت كلمة "قُربان" والتي تعني (بحسب ما جاء في مجمع المعاني الجامع): "ما يُتقرَّب به إلى الله تعالى من ذبيحة وغيرها." إذن، فالهدف من تقديم الذبيحة كما نرى، هو، ببساطة، اقتراب مقدمها لله.

وبذلك المفهوم نفسه نجد من خلال قراءتنا للعهد القديم أن الشرائع التي أعطاها الله لموسى بما يخص الذبائح، جاءت لتؤسس علاقةً وتقاربًا بين الإنسان وخالقه، وتحل مشلكة الإنسان مع الله، ألا وهي الخطية. وبناءً على ذلك، نجد أن الذبيحة في الإسلام تختلف جوهريًاً عن  تلك التي في الديانة اليهودية. فبينما يقدم المسلم الذبيحة إقتداءً وتذكاراً لما قدم إبراهيم، كان اليهودي يقدم الذبيحة (وأقول "كان" لان تقديم الذبائح قد توقف بعد خراب هيكل أورشليم سنة 70م) اعترافاً منه بخطيته، وإيمانًا منه بأنه بموت الذبيحة استوفى الله عدله رمزيًا، وبذلك يستطيع ذلك الخاطئ المسكين أن يقترب من إلهه، لأن هناك من أخذ الدينونة عنه. وهذا بالطبع مختلف كلياً وغير وارد في الاسلام.

أما المسيحية فأكدت منذ بدايتها أن هذه الذبائح لم تكن الحل النهائي لمشكلة الخطية والاقتراب لله، بل ما هي إلا رمز تشير الى الذبيحة النهائية الكاملة التي تُكفّر عن خطية الإنسان وتقدم له الخلاص والغفران والشركة مع الله، ألا وهي ذبيحة المسيح على خشبة الصليب. وبذلك أنهى الإيمان المسيحي الحاجة لتقديم ذبائح حيوانية، فذبيحة المسيح هي الذبيحة الأبدية الكاملة، حيث قدم المسيح نفسه مرة  واحدة والى الابد، حتى كل من يؤمن به ينال حياة أبدية.

ومع أن صليب المسيح قد أنهى الحاجة لأي ذبيحة يجب أن تقدم عن خطية الانسان، إلا أن الايمان المسيحي لم يُهمل موضوع الذبيحة والذبائح. فكل قارئ للعهد الجديد يجد أن هناك ذبائح من نوع آخر تُذكر، كنتيجة للايمان بالمسيح وبذبيحته. فتتكلم كلمة الله عن تقدّيم "أجسادنا ذبائح حية مرضية عند الله" (رومية 1:12)، والمقصود هنا كياننا بالكامل، ليستخدمه الله لمجده. بالاضافة لذلك، يذكر كاتب العبرانيين في الاصحاح الثالث عشر أن فعل الخير والاهتمام بالناس والتسبيح ذبائح تُسر الله أيضًا. هذه الذبائح لا تُقدّم كفرائض طقسية، ولا نقوم بها لنيل أجر أو مغفرة، بل أعمال تُعبّر عن محبتنا لله وللانسان، أعمال تشهد بأننا أولاد أبينا السماوي.

إن الله يدعونا الآن لا لتقديم ذبيحة اقتداءً بابراهيم، ونحن بكل تأكيد لسنا بحاجة لتقديم الذبائح الموسوية، فمسرته ليست بالمحرقات والأضاحي والذبائح، بل بطاعته وقبولنا بالإيمان بذبيحة المسيح الأزلية، لننال من خلالها غفران لخطايانا. فهل نلبي دعوة الله؟!