• أهل القيامة: قراءةُ إنجيل يُوحَنَّا بعيونٍ مسيحيةٍ فلسطينيةٍ 20 – الجزء الأول - بقلم القس البروفيسور حنا كتناشو
أهل القيامة: قراءةُ إنجيل يُوحَنَّا بعيونٍ مسيحيةٍ فلسطينيةٍ 20 – الجزء الأول - بقلم القس البروفيسور حنا كتناشو

ظهورُ المسيحِ الحيِّ لتلاميذه أكبـرُ دليلٍ قدَّمه يُوحَنَّا على القيامة. لم يؤمن معظمُ التَّلاميذ بسبب رؤية القبـر الفارغ بل آمنوا عندما رأوا الرَّبَّ. ويشرح يُوحَنَّا القيامةَ في أربع محطاتٍ وهي: ظهور المسيح لمريم المجدلية، ثمَّ للتلاميذ بدون توما، ثمَّ للتلاميذ مع توما، ثمَّ ظهوره للتلاميذ على بحر طبرية. ظهوراتُه الثَّلاثةُ الأولى هي في أوَّل الأسبوع (يُوحَنَّا 20: 1، 19، 26). وكأَنَّها تدُّلُّ على بداية عصرٍ جديدٍ أو على الدَّهرِ الآتي، دهر القيامة.

أولاً، ظهرَ المسيحُ لمريمَ المجدلية. جاءَتْ المجدليةُ إِلى القبـرِ مرتين وذهبت إلى التَّلاميذِ مرتين. جاءَتْ في المرَّةِ الأولى إلى القبـرِ باكراً والظَّلامُ باقٍ (يُوحَنَّا 20: 1). وما تزال المقابرُ مُنفرةً في الثَّقافة الفلسطينية. فهي بحسب معتقد النَّاس أماكنُ الأرواحِ الشّريرة لاسيَّما في أوقات الظَّلام. والمقابرُ محلاتٌ يحضر إليها الصَّعاليكُ واللصوصُ. ويخبرنا متـى عن الشّياطين الَّتـي كانت في مقابر كورة الجرجسيين (متى 8: 28 – 34). ويشرح لنا مرقس عن إنسانٍ يسكنُ القبورَ به روح نجس (مرقس 5: 2 – 3). فالقبورُ مكانٌ نجسٌ بحسب الشَّريعة الموسوية ولذلك هي مُناسِبةٌ لسكنى الأرواح النجسة (1) فكلُّ من مسَّ ميتاً يكون نجساً (العدد 19: 11 – 22). إضافة إلى ذلك، ليست القبورُ مكاناً آمناً. فربما يذهبُ إليها اللصوصُ لسرقة الأكفان. فلقد انتشرت سرقةُ القبورِ في القرون الأولى للميلاد مما دفع الإمبراطورُ كلوديوس أَنْ يُصْدِرَ قراراً بإعدام كلّ من يسرق القبور. (2) بإيجازٍ، تحلَّت مريمُ بالشّجاعة إذ جاءت إلى مكانٍ مُظلمٍ وربما يكون مسكوناً بأرواحٍ نجسةٍ أو مُعرَّضاً لخطر اللصوص. أَحَبَّتْ المسيحَ حتّى خاطرت بكلِّ شيءٍ. وفي المقبـرة اِكتشفتْ أنَّ الحجرَ مرفوعٌ عن القبـر. فذهبت إلى سمعانَ بطرس ويُوحَنَّا وكانت مشوشةً في فكرها وكلامها. فاكتست عباراتُها بالغموض إذ قالت: "أخذوا السَّيِّدَ من القبـر، ولسنا نعلم أين وضعوه" (يُوحَنَّا 20: 2). فلم تخبرنا بمن أخذ السَّيِّد أو بهوية المُتكلمين أو بمكان الجُثة. فكان تقريرُها مشوشاً مما دفع الرَّسولين إلى الرَّكض للمقبـرة حيث النَّجاسة الطَّقسية. سَبَقَ يُوحَنَّا بطرسَ ربما لأنَّه يصغره سناً، ولكنَّه لمْ يدخل القبـرَ. دَخَلَ بطرسُ ورأى الأكفانَ موضوعةً في مكانها. مما يُلغي احتمالَ السَّرقة. ثُمَّ دَخَلَ يُوحَنَّا ورأى فآمنَ. وهذا أوَّلُ إيمانٍ بالقيامة. وتشهدُ الأرضُ المقدسةُ والآثارُ التـي تركها المسيحُ وقبـره الفارغ عن كلماته وحياته وموته وصلبه وقيامته أيضاً. وهذا القبـر غيـر موجود إلا في بلادنا وفي أورشليم التي ندعوها مدينة القدس. والحفاظ على كل ما يُذَكِّرُنا بالمسيح واجبٌ على كلِّ مسيحي في فلسطين وإسرائيل.

                بعد أنْ أخبـرت مريمُ الرَّسولَين بتقريرها الأوَّل عادت إِلى القبـر. وكانت تبكي. كانت مأسورةً بحزنها. فلقد مات المسيحُ الَّذي حاربَ الظُّلمَ وأَنصفَ المظلومَ ووقفَ مَعَ المحتاجِ والأرملة والفقيـر وكلّ امرأة مظلومة. كان مدافعاً عن الحقِّ ومدمِّراً لمملكة الشَّيطان. كان شاباً يافعاً حَرَمَهُ جنودُ الاحتلال من شبابه وسَلَبَهُ أهلُ الدِّين الضَّالين حياتَه. كان ابنُ فلسطين اليهودي الَّذي حاربَ نفوذ الشَّيطان في كل مكان وفضح كلَّ أنواع الشَّر. هو كأترابه الَّذين عانوا من الشَّر السِّياسي والدِّيني والاجتماعي، ولكنَّه مختلفٌ عن الجميع. غفرَ الخطايا وشفى العميانَ وفتح آذانَ الصُّم وأقام الموتى إلا أَنَّه مات كالآخرين. أفازَ البطشُ وانتصر الظُّلمُ؟ حزنت مريمُ إِذْ أَنَّ رجائَها قد خبـى وأمل بلادها قد أنطفأ. جاءت إلى المقبـرة حيث أرض الموت والنَّجاسة. وَرَبَطَها حُزْنُهَا فَأَسَرَ فِكْرَها فلم تدرك نبوات المسيح عن القيامة وأَسَرَ الحُزنُ عيونَها وآذانَها مع أنَّه أبقى على ولائِها للمسيح. وظهر لها ملاكان بثيابٍ بيضٍ. لقد ارتعبَ البشرُ عندما رأوا الملائكةَ. فعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما رأى زكريا ملاكَ الرَّبِّ عن يمين المذبح اضطرب ووقعَ عليه خوفٌ (لوقا 1: 11 – 12). وخافت مريمُ واضطربت من الملاك (لوقا 1: 27 – 30). وخاف الرعاةُ خوفاً عظيماً عندما ظهر لهم ملاكُ الرَّبِّ (لوقا 2: 8 – 10). وخاف دانيالُ عندما جاءه الملاكُ جبرائيل (دانيال 8: 16 – 17). أما مريمُ فبسبب حُزنها الشَّديد لمْ يتغيـر موقفُها بعد ظهور الملائكة فلقد استمرت بالبكاء. ولمْ يتغيـر موقفُها بعد أنْ كلماها الملاكان. وظهر اللهُ لها عندما ظهر لها يسوعُ المسيح ولكنَّها ظنته البستانيَّ وربما اتهمته بأنَّه سرق القبـرَ. وطلبت منه الجثةَ. أصَّرت ألا تُغيِّـر موقفَها وأنْ تبحثَ عن المسيح الجثة وأنْ تستسلم لذهنيةٍ تستثني القيامةَ. فظهر لها المسيحُ وكلَّمها قائلاً: "يا مريم" (يُوحَنَّا 20: 16). فكَّ المسيحُ أسرَها وعبوديتَها للحزن وللذّهنية الَّتـي تستثني القيامةَ بدعوتها باسمها. فالرّاعي الصّالحُ يدعو خرافَه بأسماءٍ ويُخرجها للمرعى الجيد (يُوحَنَّا 10: 3). وارتبطت قيامةُ المسيح بقيامةِ مريمَ من حُزنها ومن عقليةٍ تَحُدُّ الله. أدركت مريمُ أنَّ يسوعَ حيٌّ. فأرادت أَنْ تتعلقَ به. فقال لها يسوعُ: لا تلمسيني. وممكن أن نُتـرجم الجملةَ كما يلي: توقفي عن لمسي، أو توقفي عن التَّعلق بي أو التَّشبث والتَّمسك بي. ليست القضيةُ لمسًا يتعلق بالطهارة بل إنَّها أمرٌ يخص صعود المسيح إذ يقول الكتابُ المُقدَّسُ: لا تلمسيني لأنَّي لمْ أَصعد بعد إلى أبي (يُوحَنَّا 20: 17). وكأنَّ يسوعَ يقول أنَّ علاقةَ مريم مع المسيح ستتأثَّر وربما تتغيَّـر بصعوده إلى الآب. فلا تستطيع مريمُ أنْ تبني علاقتَها معه بحسب معرفتها السَّابقة له،  بل يجب أنْ تعرفه بإرشاد الرُّوح القُدُسِ. يجب أنْ تُدركَ أنَّ زمانَ الخليقةِ الجديدةِ الَّتـي سَتُفَعَّلُ بالرُّوح قد جاءَ. ويقول الكتابُ المقدسُ عن صُعود المسيح: "وإذ ارتفع بيمين الله، وأخذ موعد الرُّوح القدس من الآب، سكب هذا الذي أنتم الآن تبصرونه وتسمعونه" (أعمال الرسل 2: 33). ويتحدَّث لوقا عن انسكاب الرُّوح القُدس الَّذي بدونه لا يستطيع أحدٌ أنْ يقولَ أنَّ يسوعَ هو ربٌ.

                والآن تستطيعُ مريمُ أَنْ تعودَ للرُّسلِ ولكنَّها ستُخبرهم برسالةٍ مُختلفةٍ. كلَّفَها المسيحُ أنْ تُصبحَ رسولةً للقيامةِ. وَقَلَّمَا نسمعُ عن امرأةٍ رسولة بسبب مجتمعاتنا الذُّكورية.(3) وقال لها: "إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" (يُوحَنَّا 20: 17). نلحظُ أنَّ المسيحَ فَرَّقَ بين علاقتنا مَعَ الله وعلاقته بالآب. فلمْ يَقُلْ أبينا وإِلهنا. تختلف أُبوّةُ الله للمسيح عن أُبوّتِه لنا. فنحن أبناءُ وبناتُ الله بالخلق مثل أبينا آدم (لوقا 3: 38). ونحن أبناءُ الله وبناتُه بالتَّبني بالفداء. أما المسيح فهو مولودٌ من الآب قبلَ كُلِّ الدُّهور. وهو فريدٌ في علاقته مع الآب، لا مثيلَ له. وَمَيَّـزَ يُوحَنَّا بين بُنوَّة المسيح وبُنوَّتنا باستخدام لُغةٍ مغايرةٍ لوصف كلِّ علاقة. فاستخدم كلمةَ "ابن" عندما شرح بُنوَّة المسيح وكلمة "ولد" عندما تحدث عن البشر. ترتبط كلمة "ولد" اليُوحَنَّاوية بالولادة أما كلمة "ابن" فتدل على المركز. ففي إنجيل يُوحَنَّا نحن أولادُ الله ولسنا "أبناء الله" كما في كتابات الرَّسول بولس. لقد استخدم يُوحَنَّا المصطلحَ "ابن لله" للمسيح وحده. إضافة إلى ذلك، مَيَّـزَ السَّيِّدُ المسيح أُلوهية الآب له عن باقي البشر. فقال: إلهـي وإلهكم. الآبُ إلهُنا لأَنَّه الخالقُ ونحنُ المخلوقون. فهو إلهُنا بالطَّبيعة. تختلفُ طبيعتُه الإلهية عن طبيعتنا البشرية. هو لامحدود وسرمديٌّ وكليُّ القدرة وكليُّ المعرفة بينما نحن محدودن في المكان والزَّمان والقدرة والمعرفة. وليست ألوهيةُ الآب للابن مستمدةً من اختلاف الطبيعة بل من اختلاف الدَّور. يحدثُنا الكتابُ المُقَدَّسُ عن أُلوهيةٍ أو سيادةٍ مُستمدة من اختلاف الدَّور. قال الله لموسى عن أخيه هارون: "فتُكَلِّمه وتضع الكلمات في فمه، وأنا أكون مع فمك ومع فمه، وأعلِمُكُما ماذا تصنعان. وهو يُكلِّم الشَّعب عنك. وهو يكون لك فماً، وأنت تكون له إلهاً" (خروج 4: 15 – 16). ويضيف سفرُ الخروج: "فقال الرَّبُّ لموسى: انظر! أنا جعلتك إلهاً لفرعون، وهارون أخوك يكون نبيّك" (خروج 7: 1). فهل يعقل أنْ يكون موسى إلهاً؟ وبأي مفهومٍ يكون إلهاً؟ أُلوهةُ موسى تكمن في دوره في تقديم كلمة الله. فكلمات الله تصبحُ كلمات موسى. ومن يعصي موسى عندما يتحدث بالنِّيابة عن الله يعصي الله نفسه. لم يختلف موسى عن فرعون أو هارون في طبيعته البشرية ولكنَّ دورَه اختلف إذ كلّمه اللهُ. ويقول يُوحَنَّا: "قال آلهة لأولئك الَّذين صارت إليهم كلمة الله، ولا يمكن أن يُنقض المكتوب" (يُوحَنَّا 10: 35). بإيجازٍ، الكلمةُ "إله" تعنـي الشَّخص صاحب القوة والسُّلطه العُليا. ولقد استخدمها البشرُ لوصف الله وتفرّد طبيعته عن كلِّ الكائنات الأخرى. ولكنَّنا يجب أن نفرّق المعنى اللاهوتي عن المعنى الأدبي واللغوي. فمثلاً، عندما نقول عن فلانة إنها إلهة الجمال فنحن لا نطالب بعبادتها لأن السّياق يصف جمالها ولا يُحدد عبادتها. فالسّياق هو الحكم لفهم مدلول الكلمات. والكلمة "إله" قد تستخدم للدلالة على البشر أيضا كما رأينا أعلاه إلا أن السّياق هو الذي يحدد المدلول. ويؤكد السّياق أننا لا نتحدث عن أُلوهية موسى بالطبيعة بل بدوره كقناة لكلمة الله. بإيجاز، ألوهية الآب للابن تختلف عن ألوهيته لنا. فالآب والابن لهما الجوهر نفسه ولكنَّهما يختلفان في أدوارهما. فعلى سبيل المثال، صُلب الابن المتأنِّس ولم يُصلب الآبُ. أعلن المسيح هذا الكنـز اللاهوتي لمريم وأرسلها لتُخبـر التَّلاميذ بما قاله وباختبارها أنها رأت الرَّبَّ. وهكذا ذهبت مريمُ مرةً أخرى للتَّلاميذ ولكنَّها حملت رسالةً مختلفةً. إنَّها رسالة المسيح الحي وليست رسالة المسيح الجثة. سَبَّبَّت الرسالةُ الأولى البلبةَ أما الثَّانية فستنشر الرَّجاءَ والحياةَ. لقد تحرَّرت مريمُ من أسرها وتغيَّـرت رسالتُها وصارت المرأةُ الَّتي قامت من الموت الفكري إلى نور القيامة. صارت رسولةُ الدَّهر الآتي الذي سينقرض فيه كلُّ أنواع الشَّر سواء أكان الشَّر الفردي أم السَّياسي أم الاجتماعي أم الجندري أم غيـر ذلك. ودخلت حياةُ القيامة إلى فكرها ومشاعرها ورسالتها. وربما تُشبه مريم شعب فلسطين الذي فقد شبابه وشاباته واختبـر الظُّلم السّياسي والدّيني وصارت مشاعره مليئةً بالحزن واليأس. صار شعبُنا من زوّار المقابر وربما من سكانها أيضاً. ووصل بنا الحال إلى عالم الموت واليأس. إلا أنَّ الَّذي أقامَ مريمَ يستطيع أنْ يُقيمنا من موتنا ويعطينا الحياة. إنَّها الحياة الَّتـي تعتمد على المسيح الحي المُقام من الأموات. فهو الطريقُ والحقُ والحياةُ وهو غالبُ الموت الَّذي يستطيع أنْ يقهرَ كلَّ خطيئةٍ مهما كان شكلُها أو لَونُها. يتبع . . .

 

(1) C. Blomberg, Matthew (Nashville: Broadman & Holman, 1992), 151.

(2) Clyde Billington, “The Nazareth Inscription: Proof of the Resurrection of Christ?,” Bible Archaelology (2009): internet,  http://www.biblearchaeology.org/post/2009/07/22/The-Nazareth-Inscription-Proof-of-the-Resurrection-of-Christ.aspx#Article.

(3) لا شكَّ أن يُوحَنَّا مهتمٌ بمكانة المرأة ودورها. فلقد تحدَّث عن أم يسوع في عرس قانا الجليل وعن المرأة السَّامرية وربما عن المرأة التي أُمسكت في زنى. وتحدَّث أيضاً عن أخوات لعازر وعن المرأة التي سكبت عليه الطيبَ. والآن يتحدث عن مريم المجدلية رسولة القيامة. ومن الضروري تمكين المرأة من خدمة المسيح دون أي إعاقة. فهي مساوية للرجل في المكانة والدور أيضاً. ألفت نظر القارئ أن هذا الموقف يختلف عن موقفي السَّابق في كتابي: حنا ودينا كتناشو، أطلقوني.