• بداية العرب في الكتاب المقدس - بقلم القس البروفيسور حنا كتناشو
بداية العرب في الكتاب المقدس - بقلم القس البروفيسور حنا كتناشو

معروفٌ أنَّ سفرَ التَّكوين هو سفرُ البدايـات. ولكننا لا نفكر عادةً أنَّ بداية العرب مذكورةٌ في سفر التكوين وأنَّ الكتابَ المُقدَّس يتحدَّث عن العرب في أكثـر من مكان. للأسف، لا نجد الكثيـرَ من المفسرين الذين يتحدثون عن هذا الأمر. لهذا وجدت من المناسب أن أكتب عنه بالرغم من شُح المعلومات والمصادر. وسأبدأ بالحديث عن تكوين 10: 21 – 32 الذي يقول:

 

 21 وسام أبو كل بني عابر، أخو يافث الكبير، وُلد له أيضا بنون 22 بنو سام: عيلام وأشور وأرفكشاد ولود وأرام 23 وبنو أرام: عوص وحول وجاثر وماش 24 وأرفكشاد ولد شالح، وشالح ولد عابر 25 ولعابر ولد ابنان: اسم الواحد فالج لأن في أيامه قسمت الأرض. واسم أخيه يقطان 26 ويقطان ولد: ألموداد وشالف وحضرموت ويارح 27 وهدورام وأوزال ودقلة 28 وعوبال وأبيمايل وشبا 29 وأوفير وحويلة ويوباب. جميع هؤلاء بنو يقطان 30 وكان مسكنهم من ميشا حينما تجيء نحو سفار جبل المشرق 31 هؤلاء بنو سام حسب قبائلهم كألسنتهم بأراضيهم حسب أممهم.

 

يتحدث النَّصُ عن نسل سام ويصفه بأنه أبو كل بني عابر. والتسلسل هو كما يلي: سام، أرفكشاد، شالح، ثمَّ عابر. لقد أنجبَ عابرُ يقطانَ الذي أنجب ثلاثة عشر ولداً آخرهم يوباب. ويربط بعضُ المفسرين هذه الأسماء بالعرب. ولهذا سأوجز بعض الاقتباسات التي تتحدث عن هذا الأمر ثم سأضيف بعض التعليقات المناسبة. يقول الباحثُ Wenham أنَّ يقطان مرتبطٌ بقحطان أبي القبائل العربية وأنَّ هذا الارتباط مدعومٌ بأسماء أولاده التي تتشابه مع أسماء العديد من القبائل العربية لاسيَّما في اليمن والجزيرة العربية.[1] ويوافق الباحث Mathews أن أسماء أولاد يقطان مرتبطة بقبائل الجزيرة العربية.[2] ونجد الموقف نفسه في كتب المفسرين الآخرين.[3] ويضيف الباحث Eugene Merrill أن العرب من نسل عابر فهم عبرانيون تماما كبني إسرائيل.[4] بإيجاز، ليس ربط النص مع العرب من بنات أفكاري أو من عالم الخيال بل من تعاريج كتب أئمة المفسرين الببليين. ورَبَطَ هؤلاءُ المفسرين العرب بعابر الذي عاش قبل إبراهيم مما يجعل العرب من الشعوب ذات التاريخ القديم جداً. 

 

وليس مستغربا أن يربط بعض المفسرين العرب مع عابر. فعندما نقرأ الكتب الإسلامية نكتشف أن عابر هو "النبي هود" في الفكرالإسلامي. ويؤمن المسلمون أن الله أرسله إلى قوم "عاد" الذين كانوا يعيشون في الجزيرة العربية. ويكتب القرآن قصة هود في أكثـر من موقع: أنظر على سبيل المثال سورة الشعراء (123 – 127)، وسورة هود لاسيَّما الآيات 50 – 60، وسورة الأعراف 65 – 72. وتتحدث القصة القرآنية عن هود الذي طالب عاد بعبادة الله الواحد بدلا من عبادة الأصنام ولكن معظمهم لم يتوبوا فأهلكهم الله بريح عاتية.

 

وهكذا نرى أن نص سفر التكوين يربط العرب بيقطان أو قحطان ويربطه أيضا بعابر. إضافة إلى ذلك، يذكر النص يوباب. وثمة تقليد قديم نجده في التفسير اليوناني لسفر أيوب وهو مدوّن في آخر مخطوطة سفر أيوب اليونانية. يقول التقليد أن أيوب عاش في أرض عوص عند حدود العربية وكان اسمه يوباب.[5] وهو الاسم نفسه المذكور في النص أعلاه.

 

بالرغم من تعدد المفاهيم المتعلقة بالكلمة "عرب"، وهذا أمر سنشرحه لاحقا، إلا أننا نستطيع أن نقول أن علاقة الله مع العرب بدأت منذ فتـرة طويلة. وظهر العرب بعد نوح وقبل إبراهيم في فتـرة قُسمت فيها الأرض وتعددت فيها الممالك والألسنة وتفرقت فيها الشعوب في الأرض. كان المشهد الأول لظهور العرب مشهدا يربطهم بيقطان وعابر الذي سيأتي إبراهيم من نسله. وهكذا وُلد إبراهيم والعرب من نفس الجد أي من عابر وهو من نسل سام. وكما يبدو من سفر التكوين سيرتبط مصير العرب وكل الأرض بما سيعمله الله من خلال عبده إبراهيم.

 

[1] Gordon Wenham, Genesis 1 – 15; Word Biblical Commentary (Dallas: Word Books, 1987), 231.

[2] Kenneth Mathews, Genesis 1 – 11: 26, The New American Commentary (Nashville: Broadman and Holman, 1996), 464.

[3] Spence-Jones, Genesis, Pulpit Commentary (London: Funk and Wagnalis, 1909), 161.

[4] Eugene Merrill, “The Peoples of the Old Testament According to Genesis 10,” Bibliotheca sacra 154 (1997): 3 – 22, especially p. 19.

[5] Sir Lancelot C. L. Brenton, The Septuagint Version: Greek and English (Grand Rapids: Zondervan, 1970), p. 698.