• أهل القيامة: قراءةُ إنجيل يُوحَنَّا بعيونٍ مسيحيةٍ فلسطينيةٍ 21 – الجزء الثاني - بقلم القس البروفيسور حنا كتناشو
أهل القيامة: قراءةُ إنجيل يُوحَنَّا بعيونٍ مسيحيةٍ فلسطينيةٍ 21 – الجزء الثاني - بقلم القس البروفيسور حنا كتناشو

بعد أنْ ظهرَ المسيحُ لمريمَ المجدلية ظهرَ للتَّلاميذ بدون توما. كان ذلك عشية يوم القيامة في أوَّل الأسبوعِ (يُوحَنَّا 20: 19). ثمَّ ظهر لتوما وأراه يديَه وجنبَه ليؤكدَ له وللتلاميذ الآخرين أنَّه ليسَ شبحاً بل هو إنسانٌ قامَ من الأموات بجسدٍ ممجدٍ. قام بالحقيقة. إنَّه الإنسان نفسه الَّذي مات، وهم يُشاهدون الجسدَ الَّذي زُرع في ضعفٍ والآن يُقام في قوةٍ. فلا بيلاطس ولا قيافا ولا قيصر ولا حتَّى الموت يستطيع أنْ يَحُدَّ المسيحَ أو مملكته. وتساءَل البعضُ: كيف ستحصل القيامة وكيف سيبني اللهُ جسداً بعد فساده؟ قالت مدرسةُ شماي أنَّ اللهَ يبدأ بالعظام ثُمَّ يكسوها لحماً ثم يبسط عليها جلداً وعندئذٍ ينفخ فيها روحاً.[1] ويتوافق تعليم مدرسة شماي مع قول الله في حزقيال: قال السَّيِّدُ الرَّبُّ لهذه العظام. هأنذا أُدخل فيكم روحاً فتحيون. وأضع عليكم عصباً وأكسيكم لحماً وأبسط عليكم جلداً وأجعل فيكم روحاً فتحيون وتعلمون أني أنا الرَّبُّ." (حزقيال 37: 6). وأَصَّرَّت مدرسةُ شماي أَنَّ جسدَ القيامة مرتبطٌ بجسد الموت.[2] أما مدرسةُ هيلل فكانت أقرب إلى تعليم أيوب الَّذي قالَ: كسوتني جلداً ولحماً، فنسجتني بعظامٍ وعصبٍ (أيوب 10: 10). ورأوا أنَّ العظامَ تأتي بعد الجلد واللحم.[3] وأضافوا أن الله يخلق جسدَ قيامة من العدم وليس بتواصل مع جسد الموت.[4] وهكذا وافق الفريقان أنَّ الإنسانَ يقوم بجسدٍ وليس بروح فقط.

على أي حالٍ، لقد كان جسدُ التأنُّس هو جسد الموت والآن تحوّل إلى جسد الحياة الَّتـي لن تموت. فهنالك إنسانيةُ آدم قبل السُّقوط وإنسانيته السَّاقطة وهنالك أيضاً إنسانيةُ التأنُّس الَّتي تموت ثمَّ إنسانية القيامة الَّتـي تفوق إنسانية آدم قبل السُّقوط. ولقد بزغ فجرُ إنسانيةِ الدَّهر الآتي. فقيامة المسيح دليلٌ على صدق قوله وعلى بزوغ عصرٍ جديدٍ لبشريةٍ جديدةٍ. البشريةُ الأولى هي بشريةُ آدم الَّتـي سقطت في الخطيئة. إنَّها بشريةُ الموت. ستتحوَّل هذه البشرية بواسطة القيامة إلى بشرية الحياة الَّتي انتصرت على كلِّ أشكال الموت والَّتي ستنشرُ كلَّ أشكال الحياة سواءً أكان على المستوى الفردي أو المجتمعي أو البيئـي. فنحنُ لا نتحدث هنا عن خلود النَّفسِ ودمار الجسد وعودته إلى التُّـراب. فلقد صارت البشريةُ الآدمية بقيامة المسيح بذرةَ البشرية الجديدة، إنها بشريةُ أهل القيامة.

                أراد المسيحُ أنْ ينشرَ بشريةَ القيامة فقال: "سلامٌ لكم! كما أرسلني الآب أُرسلكم أنا. ولما قال هذا نفخ وقال لهم: اقبلوا الرُّوح القدس. من غفرتم خطاياه تُغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أمسكت" (يُوحَنَّا 20: 21 – 23). لا شكَّ أنَّ القيامةَ ارتبطت بزمنِ الخروج إذ كان يسوعُ حملَ الفصح. والخروجُ حدثٌ سياسي وديني يتذكَّر فيه الشَّعبُ الحريةَ والتَّحررَ من عبودية فرعون ومن الظُّلمِ السِّياسي والاقتصادي. وارتبطت القيامةُ أيضا بنهضة الشَّعب وانتهاء السَّبي إذ يستخدم حزقيال (الفصل 37) لغةَ القيامة ليشرح لنا انتهاء السَّبي ونهضةَ الأمة وولادةَ الدَّهر الدَّاودي. فلغةُ القيامةِ هي العودةُ من حالة الموت إلى حالة الحياة الأفضل كما رأينا في قصة الابن الضَّال الَّذي كان ميتاً فعاش (لوقا 15: 24). وفَهِمَ التَّلاميذ أنَّ قيامةَ المسيح ليست حدثاً فردياً بل بزوغ عصر تتغيَّـر فيه الأحوالُ وتمتدُّ فيه مملكةُ الله. ويشرح يُوحَنَّا أنَّ تغيَّـرَ الأحوال سيكون بانتشار رسالة القيامة عن طريق أهل القيامة وبشرية الحياة الأفضل. ولهذا نَفَخَ يسوعُ وقال اقبلوا الرُّوح القدس. وهكذا أعلن لهم بزوغَ الخليقة الجديدة. فكما نَفَخَ اللهُ في آدم فصار آدم نفساً حيةً، نَفَخَ المسيحُ ليعلن انطلاقة الخليقة الجديدة. إنَّها خليقة لا تعرف الركودَ أو الاستقرارَ في موضعٍ واحدٍ لأنَّها مرسلةٌ إلى كل الأرض. قال السَّيِّدُ المسيح لتلاميذه: "كما أرسلني الآب أرسلكم أنا . . . من غفرتم خطاياه تُغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت" (يُوحَنَّا 20: 21 – 23). وهكذا حدد المسيح مشكلة الخليقة الأولى بكلمة "الخطية" ووصف الحل بكلمة الغفران. وربط الغفران بموته على الصَّليب وقيامته ونفخه للروح، إنَّها طريق الخليقة الجديدة. فما هو الغفران؟

يُميّـزُ فُقهاءُ الكتابِ المُقَدَّسِ واللاهوت بين غفران الله وغفران البشر. الأوَّلُ عموديٌ والثَّاني أفقيٌ. الغفرانُ العموديُ يَغفرُ فيه اللهُ خطايا الإنسان. والغفرانُ الأفقيُ يغفرُ فيه الإنسانُ خطايا المُذنِبين إليه. كما يميّـزون بين الغفران الخلاصي الَّذي تمَّ بفضل عمل الله الابن على الصَّليب ونلناه بالنَّعمة بالإيمان وغفران الله التَّقديسي الَّذي نحتاج أنَّ نحصل عليه كلَّ يوم في حياتنا.[5] وعندما يُخطئ الإنسانُ يُصبح مديوناً لمن أخطأ في حقه. فإما أن يُسدِّد الدِّين أو أنْ يمنحه المُذنَب إليه غُفراناً مجانياً.

وعادة نتقابل مع فريقين عندما نسعى إلى تحديد موقف المسيحي من الغفران الأفقي. يؤكد فريقُ الغفران المشروطِ أنَّ المسيحيَّ لا يُقدم الغفرانَ لغيـر التائبين.[6] ويجادلون أنَّ الغفران الأفقي يجب أن يتمثَّل بغفران الله العمودي. فإنْ لمْ يتب الإنسانُ لن يخلص وسيُعاني نتائجَ خطيئته. ويؤيِّدون إِسناد الغفران الأفقي إلى العمودي بقول بولس الرَّسول: "متسامحين كما سامحكم الله أيضاً في المسيح" (أفسس 4: 32). ثمَّ يضيفون قول المسيح: "إن أخطأ إليك أخوك فوبِّخه، وإن تاب فاغفر له" (لوقا 17: 3). أما فريق الغفران غيـر المشروط فيجادلون أنَّ المسيح غفر دون شرطٍ.[7] فعندما كان على الصَّليب قال: "يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لوقا 23: 34). وهكذا فعل استفانوس بعد أنْ رجموه (أعمال الرسل 7: 60).

                مهما كان موقفنا من الغفران الأفقي، سواءً أكان مشروطا بالتوبة أم لا، علينا أن نتنبه للأمور الآتية.[8] أولاً، يختلف الغفرانُ عن المصالحة. فعندما تنكسر العلاقات يجب ألا نكتفي بالغفران بل يجب أن نسعى نحو المصالحة كسفراء عن المسيح. وتحتاج المصالحة إلى بناء الثِّقة والعلاقة بحسب المحبة المسيحية الطَّاهرة والحق الإلهي الذي لا يقبل المساومة. ويجب أن نتعامل مع الشَّر بكلِّ أنواعه كما فعل المسيحُ فلا نكتفي بالغفران ونتجاهل مسؤوليتنا المسيحية تجاه المظلومين والظالمين. ثانياً، لا يعنـي الغفران إعلان براءة المذنب أو الاستخفاف بذنبه أو التَّغاضي عن مقاييس العدالة الَّتـي وضعها الله في الدَّولة (رومية 13: 1 – 7) والكنيسة (كورنثوس الأولى 6: 1 – 11) والأُسرة (أفسس 6: 1 – 4) والكلمة المُقَدَّسة. ولهذا يُعاقب الحاكم الأشرارَ  حتـى لو تابوا وتُقيم الكنيسة قضاةً وتُؤدِّب الأُسرةُ أولادَها وبناتها. وبالرّغم من أنَّ المسيح أو استفانوس غفرَ للقاتلين إلا أنَّهم مسؤولون أمام القضاء الإلهـي. ثالثاً، دعانا اللهُ أنْ نحب جميعَ النَّاسِ سواءً أكانوا من التائبين أم لا. فيجب أن نتكلم بمحبة وتكتسي مشاعرُنا ودوافعُنا بالمحبة ونصبر ونرحم ونرجو في كل حين. فلا مكان للّامبالاة وللحقد والمرارة والنَّميمة والانتقام.

وعندما يغفر الإنسان فإنه يُدرك أنَّ الشَّر قد وقع وأنَّ الإجحافَ قد حصل. فيفحص الإجحافَ والظُّلمَ ثُمَّ يُقدَّم الغفرانَ بسبب دم المسيح المسفوك على الصَّليب. فأساسُ الغفران الأفقي هو الغفرانُ العمودي. فلا غفران دون ذنبٍ. فنحن نغفرُ للمذنبين وليس للأبرياء. ونغفرُ للخطاة وليس للأبرار.[9] ولا تحدث المصالحةُ بإهمال العدالة أو التَّوبة أو الذنب. فيجب أنْ يعتـرفَ المذنبُ بخطيئته ويتوب عنها لتتم المصالحةُ. والغفرانُ هو الخطوةُ الأولى لعلاج الشَّر من منظور المحبة. إنه ليس الخطوةَ الأخيـرة. فالتَّوقف عند الخطوة الأولى لا يعارض حكمة الله فحسب بل إنه مسبب لتكاثر الشُّرور والتخلي عن السلوك في درب العدالة. فيجب ألا نعطي الأعذار للخطاة فالغفرانُ لا يحتاج إلى التَّخفيف من ظلم الظالم وشر الخاطئ أو التقليل من الضرر وألم الخطيئة الَّتي ارتكبوها أو تناسي مع فعلوه. إنما الغفران هو عدم التَّعامل مع المذنب بحسب الشَّر الذي قام به بالرّغم من إدانتي للشر الَّذي فعله. ويفتـرضُ الغفرانُ المسيحي الإرساليةَ. فنحن مرسلون إلى العالم لنشر الغفران العمودي والأفقي. فيجب أن يذهب الغافرُ إلى المغفور له أو من سيُغفر له. مسؤوليةُ الغافر أن يكشفَ شرَ المذنب والحلول الَّتي يقدِّمُها اللهُ لهذا الشَّر. يجب أن يكون الغافرُ رسولاً للعدالة والمحبة الإلهية وإلا سيكون غفرانُه جهلاً بمشيئة الله. فإن سمع المذنبُ وتاب يسير الطرفان في درب المصالحة، ولكن إن لم يسمع فعندئذ يجب أن نواجه الشَّرَ بطرقٍ أخرى كما يعملنا إنجيل متـى (متى 18). يقولُ الرَّسولُ متـى: "إن أخطأ أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. إن سمع منك فقد ربحت أخاك". (متـى 18: 15). ولكن ماذا نفعل إن لم يسمع؟ يرشدنا متى بقوله: "وإن لم يسمع، فخذ معك أيضا واحدا أو إثنين . . . وإن لم يسمع فقُل للكنيسة . . . وإن لم يسمع فليكن عندك كالوثني والعشار" (متى 18: 16 – 17). بكلمات أخرى، يجب أن نسعى إلى المصالحة الكاملة ولا نكتفي بالغفران. وطريق المصالحة هي ليست طريق المحبة فحسب ولكنَّها أيضاً طريق العدالة والتوبة والتراجع عن الشَّر.

إضافة إلى ما سبق، ظهرَ المسيح لتوما. ورفضَ توما أنْ يقبلَ قيامةَ المسيح كما وصفها التَّلاميذ (يُوحَنَّا 20: 25). لم يستوعب توما جميع ما هو مكتوب عن المسيح في ناموس موسى والأنبياء تماما مثل التلميذين اللذين انطلقا من أورشليم نحو عمواس (لوقا 24: 13 – 49). ولم يفهم تعاليمَ المسيح الكثيـرة الَّتـي تحدَّثت عن قيامته. ولم يقبل شهادةَ مريم المجدلية. ولم يرضى بتفسير يُوحَنَّا الذي آمن حين رأى القبـرَ الفارغَ. ولم يؤمن أيضاً بموقف رسل الكنيسة الأولى حين قالوا له: رأينا الرَّبَّ. رفضَ توما كلَّ هذه المقاييس والشَّهادات والدَّلائل واضعاً معاييره الخاصة للبت في الحق ونقيضه. ولم يعلم توما أنَّ المسيح سمع كلَّ ما قاله واختار أن يلتقي فيه في أوَّل الأسبوع ووسط التَّلاميذ. وظهر المسيحُ لتوما وطلبَ منه أنْ يفحص يديه المثقوبتين وجنبَه المطعون لكي يسير في درب الإيمان. فأهلُ القيامة مؤمنون بالمسيح الحي. قال توما: ربي وإلهي. والترجمة الحرفية هي: أنت الرَّبُّ لي وأنت اللهُ لي. وبعكس توقعات شهود يهوه يستخدم توما ال التَّعريف عندما يصف ألوهية المسيح. يدَّعي شهود يهوه أنَّ المسيحَ إلهٌ وأنه ليس الله مستندين إلى عدة مقولات من ضمنها غياب ال التعريف من أمام كلمة ثيوس (إله) لاسيَّما في يُوحَنَّا 1: 1. يتجاهل هذا التفسير القواعدَ اليونانية والسِّياق اليُوحَنَّاوي أو حتى سياق العهد الجديد الذي كتبه يهود لا يؤمنون إلا بإله واحد. وتظهر الكلمةُ ثيوس بدون ال التعريف نحو 282 مرة في العهد الجديد لتدل على الله الواحد مما يتحدى فكر شهود يهوه. فعلى سبيل المثال لا الحصر يستخدم يُوحَنَّا كلمة الله بدون ال التعريف في يُوحَنَّا 1: 12، 13، و18. ولا شكَّ أن يُوحَنَّا يؤمن بألوهية المسيح الكاملة إذ عرضها في بداية إنجيله وعبـر صفحاته. وها هو الآن يخط لنا ما قاله توما: أنت الرب لي وأنت الله لي. وعندما سمع المسيح عبادته لم ينهره أو يوبخه بل قَبِلَ عبادتَه. وصَرَّحَ عن أهمية درب الإيمان الذي يتَّسِم بالبصيرة قبل البصر.

وظهر المسيحُ أيضاً للتلاميذ على بحيـرة طبرية. ويهتم المسيحُ باستعادة العلاقة الصحيحة مع أتباعه. فهذا اللقاء مخصصٌ لبطرس بينما كان اللقاءُ السَّابق مخصص لتوما. لقد أنكر بطرسُ المسيحَ وأنكرَ هويتَه ودعوتَه ولكنَّه بكى بكاءً مراً. ورجع إلى الشركة مع التلاميذ. وأعدَّ المسيحُ جمراً ليُذكِّر بطرس بجمر آخر ذكره إنجيل يُوحَنَّا. فالجمرُ مذكورٌ في فصلين: فصل الإنكار وفصل المصالحة (يُوحَنَّا 18: 18، 21: 9). وبعد أن أكلوا وشبعوا كلَّم المسيحُ رسولَه. فقال له: يا سمعان بن يونا، أتحبني أكثـر من هؤلاء؟ (يُوحَنَّا 21: 15). وكرر المسيحُ سؤالَه ثلاث مرات بطرق متنوعة. ولا قيمة للتنوع في المترادفات إذ اعتاد يُوحَنَّا أن يستخدم المترادفات. على سبيل المثال، استخدامه لأكثر من كلمة للتعبير عن سؤال المحبة لا يتعلق بالمحبة الإلهية ومحبة الصداقة كما يظن البعضُ. فبحث صغيرٌ عن كلمة تحبني يُظهر أنَّ مترادفات الكلمة تُستخدم لله وللإنسان بدون تمييـز في إنجيل يُوحَنَّا. على أي حال، حزن بطرسُ لأنَّ المسيح سأله ثلاث مرات. فمن الواضح أنَّ المسيح يذكّره بإنكاره الثلاثي. ولم يغفر المسيحُ لبطرس فحسب بل سعى إلى المصالحة الكاملة وإلى إئتمان بطرس على رعاية الغنم. فقال له: ارع غنمي. وهكذا أكَّدَ المسيحُ أنَّ الغنمَ ليست لبطرس بل للمسيح وأنَّ دافعَ الرّعاية هو محبة المسيح وليس بالضرورة محبة الغنم. وعندما يطيع بطرسُ المسيحَ ويحبه سيتمكن من انجاز المهمة الإلهية. فالرعايةُ ليست منصباً بل هي مهمةٌ إلهيةٌ تعتمد على الدَّعوة. والمحبةُ هي الطريقُ لاكتشاف الهوية. اكتشف بطرسُ هويته كراعٍ عندما أحب المسيحَ وتصالح معه.

 

الخاتمة

                أَثبتُّ في سلسلة المقالات أَنَّ يُوحَنَّا في إنجيله يُقدِّمُ نظامَ عالمٍ جديدٍ يُفكِّك فيه العناصرَ الرئيسيةَ في اليهودية الفريّسيّة ويُعيد بناءها في علاقتها بالمسيح الشُّمولي. وثمةُ عدّة معانٍ متضمنة ومتصلة بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي. أولاً، يحتاجُ اليهودُ والفلسطينيون إِلى مقاومةِ إغراء تحقيق المكاسب السِّياسية بناءً على هوية المسيح. فالمسيحُ إِنسانٌ كاملٌ ويستطيع أَنْ يُمَثِّلَ كُلاً من الفلسطينيين واليهود، وإِنسانيةُ المسيحِ يتعذرُ تعريفها بطريقةٍ إقصائيةٍ. وهذا ما نراه في طريقة التَّعريف الخلقيدوني الَّذي يرى المسيحَ إِنساناً كاملاً يُمِثِّلُ كلَّ إنسانٍ. ومن المهم حقاً أَنْ نفهمَ طبيعةَ المسيح الَّذي نتبعه، فليس هو المسيح الَّذي يرفضَ الفلسطينيين واليهودَ أو أيَّ شخصٍ آخرَ وليس هو المسيح الَّذي يُقصي الآخرينَ عن الحوارِ لأنَّ اللهَ يُحبُ جميعَ النَّاسِ، إِذْ هُمْ مخلوقون على صورته ومثاله، ولهذا فنحن نحترمُ جميعَ النَّاسِ دونَ استثناءٍ. وكلُّ إنسانٍ هديةٌ من الله، فضلاً عن قيمته الإنسانية ليس لأنَّ اللهَ خلقها على صورته فحسب ولكنَّها أيضاً مرتبطة بتأنس الله. فارتقت الإنسانيةُ بتأنُس الله.[10] ثُمَّ رأينا الارتقاءَ بقيمة الإنسان وتحويل المخلوق السَّاقط إلى مُمجّدٍ بفضل ما قام به المسيحُ. ولا شكَّ في أَنَّ المسيحَ وُلدَ في ثقافةٍ يهوديةٍ، ولكنَّ هويتَهُ الإنسانية أَعادَتْ تعريفَ اليهوديةِ بطرائق شموليةٍ. وبكلماتٍ أخرى، من خلال المسيح، أضحت اليهوديةُ التَّاريخيةُ لا تنفصِل عن اليهوديةِ الأُخروية. فليس المسيحُ يهودياً تاريخياً فحسب بل هو يهوديٌ أُخرويٌّ أَعظم من أَنْ يُقارنَ بأحدٍ إِذْ يُعيدُ تعريفَ اليهوديةِ بطرائق شموليةٍ، ويُجَسِّدُ أَبعدَ آمالها. فهو إنسانٌ كاملٌ ويستطيع أَنْ يُمَثِّلَ البشرَ جميعهم.

ثانياً ، إِنَّ إدراكَنا لمفهوم المكان المُقدَّس ووعود الأرض ينبغي أَلَّا ينفصل عن النَّظرة إِلى العالم من خلال مركزية المسيح، وأي تفسير جدير بالثِّقة للعهد القديم ينبغي أنْ يضعَ في الاعتبار إعادة قراءة العهد الجديد لليهودية الفَريّسيّة وعناصرها الرَّئيسية كما أَوضحها إنجيلُ يُوحَنَّا. إضافة إِلى ذلك، إِنَّ إدراكَنا للهيكل والسَّبت والخروج ولتقاليد البريِّة والانتماء إلى أولاد إبراهيم ذكوراً وإناثاً وللأرض المقدَّسة ينبغي أنْ يتأثَّرَ بالنَّظرة إلى العالم من خلال مركزية المسيح، وربما إلى إعادة تعريف مكونات الإيمان من خلال هذه المركزية. فالمسيحُ يجب أَنْ يُستعادُ إلى مركزية التَّفسير. وبما أنَّ المسيحَ إنسانٌ كاملٌ، فإنَّ الفلسطينيين واليهودَ يستطيعون أَنْ يروا فيه بَطَلَهُمْ ومُخلِّصَهم.

بكلمات أخرى، ناقشنا في المقالات هوية المسيح الشُّمولي الذي يعرضه يُوحَنَّا. وتحدثنا أولاً عن إعادة قراءة مكونات اليهودية الفريسية في ضوء مجيء السَّيِّد المسيح. وهكذا قَدَّمَ لنا يُوحَنَّا نظاماً عالمياً جديداً مبنياً حول مركزية وشمولية السَّيِّد المسيح. فالمسيحُ عريسُ العصرِ الدَّاودي وهيكلُه وسبتُه ومحورُ كُلِّ التَّاريخِ المُقدَّسِ والشَّعبِ المُختارِ والأرض المقدَّسة والحياة. وشرحنا أن القراءة الصحيحة للعهد القديم من منظور يوحنا ترتبط بالسيد المسيح. ثُمَّ عرضنا شرحا لكتاب الساعة مبينين سبع سمات لشعب المسيح. فهم أهل المحبة، والروح، والجماعة المضطهدة، وأهل الكرمة، وأهل الوحدة، وأهل الصليب، وأهل القيامة. وقدمنا شرحنا مفصلا عن كلّ واحدة من سمات شعب المسيح في السّياق الفلسطيني في إسرائيل جامعين بين الواقع المعاصر والواقع اليُوحَنَّاوي في سبيل فهم كلمة الله الآن وهنا. وفي الختام، نسأل الله أن يجعل هذه المقالات نافعةً لكل من يقرأها. والله وليُّ التوفيق.

 

[1] N. T. Wright, The Resurrection of the Son of God (London: Fortress Press, 2003 ), 195.

[2] Ibid., 196.

[3] Ibid., 195.

[4] Ibid., 196.

[5] يعتمد هذا الشرح على تحليل راندي نيلسون لوجهات النظر المتعددة.

Randy Nelson, “Exegeting Forgiveness,” American Theological Inquiry 5 (2012): 33 – 34. 

[6] Nicholas Wolterstorff, “What Makes Forgiveness Possible after Injustice,” The Christian Century 130 (2013): 26 – 29; Ardel Caneday, Must Christians Always Forgive? (Mount Hermon: Center for Cultural Leadership, 2011), 10.

[7] John MacArthur, The Freedom and Power of Forgiveness (Wheaton: Crossway Books, 1998), 122.

[8]  اعتقد أنَّ الغفران غيـر المشروط أقرب إلى النصوص الكتابية، لكنني لا أظنّ أن هذا هو الموقع المناسب لتقديم الجدل المتعلق بالغفران غيـر المشروط. إضافة إلى ذلك، يخطئ أصحابُ الغفران غيـر المشروط عندما يُهملون العدالةَ والمصالحة. ويجب أنْ نميّـز بين موقف الله الشخصي وموقفه القضائي. فغفران المسيح لصالبيه لا يُلغي مسؤوليتهم أمام القضاء الإلهي.

[9] Wolterstorff, 26 – 29.

[10] رفيق خوري، من أجل حدود مفتوحة بين الزمن والأبدية: الحضور المسيحي في المشرق العربي بين الماضي والحاضر والمستقبل (بيت لحم: مركز اللقاء، 2014)، 145.