• أثناسيوس هو الحل - الكنيسة بين الماضي والمستقبل - - القس عازر عجاج
أثناسيوس هو الحل - الكنيسة بين الماضي والمستقبل - - القس عازر عجاج

يعتقد الكثيرون أن الكنيسة في الشرق عاشت منذ القرن الرابع فترة استقرار وهدوء، حيث كانت تنعم بسلام خارجي وداخلي. فالاضطهاد من قِبَل الامبراطورية الرومانية قد توقّف بإصدار ما يُعرف بمرسوم ميلانو سنة 313م، والذي نصَّ على منح المسيحيين وجميع المواطنين حرّية العبادة، والحرّية التامة في اعتناق الديانة التي يرغبون فيها. ومع أن هذا المرسوم شقَّ الطريق للاعتراف بالمسيحية، لاحقًا، كدين الدولة، إلا أنه لم يمنع تعرُّض الكنيسة، لقرون عدة، من هجومات بين الحين والآخر على قادتها وعلى عقيدتها. وما زالت هذه التحديات والهجومات مستمرّة حتى يومنا هذا. فما ميّز الكنيسة إذن في تلك الفترة، لم يكن الرخاء وغياب التحدّيات، بل وجود أبطال إيمان كانوا مستعدّين لا أن يدافعوا عن حق الانجيل فحسب، بل أن يدفعوا ثمن مواقفهم.

كان أثناسيوس أحد هؤلاء الابطال الذي كان أول ظهور له في مجمع نيقية المنعقد سنة 325م. وقد بحث هذا المجمع تعاليم آريوس الذي كان يرى أن المسيح غير أزلي وانه كان وقت لم يكن المسيح فيه موجودًاً. وبناءً على ذلك فالمسيح هو كائن مخلوق أوجده الله ولذلك له بداية. لذلك كان للابن جوهرًا آخرَ غير جوهر الله، وهو مستمد ألوهيته من الله وبذلك يصبح خليقة متألّهة. فهو إلهٌ لكن ليس في نفسه ومن نفسه، وهو غير مساوٍ لله لا في الجوهر ولا في الوجود ولا في السلطان

بالرغم من صغر سن أثناسيوس في ذلك لوقت (يزيد عن الثلاثين بقليل)، وكونه فقط شماسًاً مرافقًاً لأسقف الإسكندرية ألكسندر، إلا أنه كان البطل الحقيقي لهذا المجمع، إذ صار المدافع الأساسي عن الرأي السليم، والشخص الذي قام بتفنيد تعليم آريوس ودحض بدعته. وقد أظهر اثناسيوس أن كلمة الله تؤكّد أن المسيح موجود قبل كل الدهور (من الأزل) مع الآب، وهو من نفس الجوهر؛ وبالرغم مساواته للآب في الجوهر إلا أنه أيضًاً أقنوم متميّز عنه. وقد أصّر أثناسيوس على هذه الأشياء لأنه كان يؤمن أنه لو كان المسيح أقل من كونه الله ذاته، لما استطاع أن يكون مخلصًا للبشر. 

كان لتعليم اثناسيوس في هذا المجمع المساهمة الاساسية في وضع قانون الايمان النيقاوي، هذا الأساس الذي ما زلنا نقف عليه، وما برحت الكنيسة تعتمده حتى يومنا هذا [1] وبذلك تكون الكنيسة قد حقّقت انتصارًا لعقيدتها السليمة وإيمانها القويم، وذلك بتحديد التعليم المختص بألوهية الابن ومساواته للآب في الجوهر.

لم تنتهِ تحدّيات الكنيسة في نيقية، ولن تنتهي إلا بمجيء المسيح. فالهجومات العقائدية ما زالت تنهال عليها من كل حدبٍ وصوبٍ، فها هو الإلحاد، الذي ينادي بعدم وجود الله، ينهش غصننا الرطب من شباب وصبايا. وها هي اللاأدرية، التي تُعلّم بأنّه لا يمكننا تأكيد وجود الله أو عدم وجوده، فهذه الامور "لا دراية" لنا بها، وجدت طريقها لأذهان الكثيرين من الناس معطية لهم حجّة وسلامًا كاذبًا. ناهيك طبعًاً عن ديانات من حولنا تتحدّى إيمان الكنيسة بألوهية المسيح، وتهاجمه في كل ديوانٍ ونادٍ، وبدع وفلسفات أخرى تجعلنا نشعر عاجزين ضعفاء لا نملك في جعبتنا ردًاً عليها، سوى أن نقول بأنها تعاليم شيطانية.

ما هو الحل إذن؟ أيكمُن الحل في أن نُحكِم إغلاق أبواب كنائسنا لنمنع تسرب أية تعاليم تعارض إيماننا؟ أم يكمن الحل في أن نمنع أعضاء كنائسنا من الاختلاط بالمجتمع والانفصال عن الناس من حولهم؟ بالطبع لا، فحاشا للكنيسة أن تُطأطئَ رأسها أمام أي تحدٍ، وتختبئ خلف أبواب وجدران. إن دعوة الكنيسة هي أن تقف مرفوعة الرأس، لا تتلعثم لا في أيمانها، ولا في مواقفها، ولا في رسالتها، "مستعدّة أن تجيب كل من يسألها عن سبب الرجاء الذي فيها". (بطرس الرسول الاولى 15:3)

ولكي تقوم الكنيسة بذلك، نحن بحاجة لقادة  كأثناسيوس. قادة لهم شغف للتعلّم، وشوق للنمو في فهم كلمة الله. هذا الامر يتطلب الجهد، والوقت، والدراسة، والاجتهاد، والتضحية، والتواضع. نحن كذلك بأمس الحاجة لقادة يمسكون الكتاب المقدس بيدهم الواحدة والجريدة بيدهم الاخرى [2] فبدون ذلك لا يمكنهم أن يدركوا التحديات العصرية التي تواجهنا، وكنتيجة، تفقد الكنيسة صلتها وتأثيرها في المجتمع. نحن بحاجة لقادة لهم وعي وإدراك وقناعة أنهم لا يستطيعون أن يواجهوا كل التحديات بأنفسهم، ولذلك عليهم تشجيع، وتدريب، وإشراك آخرين في العمل معهم. نحن بحاجة لقادة لا يستهينون بشبابنا وشاباتنا، بل يستثمرون فيهم الوقت، والجهد، والتعليم، ويقدمون لهم الفرص للخدمة. نحن بحاجة لقادة يجعلون من عِلمِهم، ومحبتِهم لله، وغيرتِهم على النفوس، الرياح التي تملأ شراع سفنهم ليبحروا بها بثبات فوق أمواج المقاومة العاتية. 

لن تكف الآريوسيّة (مجازيًا) عن محاربة الكنيسة، لكن بالمقابل على الكنيسة أن تأتي بألف أثناسيوس، ليُظهروا الحق الموجود في المسيح.

 

[1] يجب أن ننتبه أن قانون الإيمان النيقوي في صيغته الحالية هو الذي تم إقراره في مجمع خلقدونية سنة 451م. لكنه مُعتمد في جوهره على ما جاء في مجمع نيقية.

[2] هذا القول مقتبس عن اللاهوتي السويسري كارل بارت.