• الكنيسة بين الماضي والمستقبل - عيد الميلاد في تاريخ الكنيسة - القس عازر عجاج
الكنيسة بين الماضي والمستقبل - عيد الميلاد في تاريخ الكنيسة - القس عازر عجاج

تحتفل اليوم الطوائف المسيحيّة التي تسير بحسب التقويم الغربي، بعيد الميلاد. لكن من الجدير بالذكر أن الكينسة لم تبدأ بالاحتفال بهذا العيد ولا بأي من الأعياد المتعارف عليها اليوم إلا في فترة متأخرة نسبياً. بدأ التغيير أولاً في يوم العبادة والراحة، حيث تم نقله من يوم السبت إلى يوم الأحد، وذلك في أواخر القرن الأول نتيجة لإنفصال المسيحيين عن المجتمع اليهودي. فعندما طرد اليهود المسيحيين من الهيكل والمجامع، أخذ المسيحيون يمارسون عشاء الرب مساء يوم السبت، لكن لما أعلن الإمبراطور تراجان أن اجتماعات المساء غير مسموح بها، تحولت العبادة إلى يوم الأحد صباحاً. وقد وجد هذا التقليد مع مرور الأيّام في قيامة المسيح يوم الأحد، أساساً لاهوتياً له، لأنها حدثت أول أيام الأسبوع. وسُمي يوم الأحد في كتاب الديداكية بيوم الرب. كما ويرجع ظهور الأعياد الأخرى، خاصةً عيد القيامة وعيد العنصرة  وعيد البشارة، إلى منتصف القرن الثاني. أما عيد الميلاد فلم يبدأوا الإحتفال به الا  في القرن الرابع.

 

وعندما نلقي نظرة على كتابات أباء الكنيسة في نهاية القرن الأول والقرن الثاني، لا نجد أي ذكر لاحتفالات الميلاد. حتى أننا نجد آباء مثل إريناوس (130م-200م)، وترتليانوس (160م-225م)، وأوريجانوس الاسكندري (185م-254م)، يستهزئون بإحتفالات أعياد الميلاد التي مارسها الرومان ويرفضونها كممارسات وثنية. لكن هذا التوجه تغيّر مع بداية القرن الرابع، ومع أنه يمكن أن نقترح بعض الأسباب لهذا التغيير، إلا أنه لا يوجد ليدنا أي وثائق من تلك الفترة تقدم لنا الاسباب التي قادت الكنيسة الأولى للإعلان عن الميلاد كعيد رسمي ضمن أعياد الكنيسة، ولا لماذا أختارت 25 كانون الاول للإحتفال بهذا العيد.

 

لا نعلم في أي تاريخ ولد المسيح في بيت لحم، ولا يقدم لنا الكتاب المقدس أية معلومات بخصوص هذا التاريخ. وقد أعطيت في تلك الفترة عدة تواريخ مقترحة، مثل منتصف تشرين الثاني أو أواخر آذار، لكنها على ما يبدو لم تُقبل. وبالمقابل نجد أول تاريخ مُوثّق لاحتفال الكنيسة بهذا العيد يعود لسنة 336م. حيث نجد في أحد المخطوطات القديمة الجملة التالية:

 natus Christus in Betleem Judeae ولد المسيح في بيت لحم اليهودية، وترتبط هذه الجملة بتعيين 25 كانون الاول كتاريخ لهذا الحدث. وقد قام اسقف روما يوليوس الأول بعد عدة سنين من هذا التاريخ بالإعلان بصورة رسمية بتبني هذا التاريخ.

لكن يبقى السؤال، لماذا تَحدّد تاريخ الميلاد بـ 25 كانون أول؟ لا يوجد لدينا جواب تاريخي واضح، وتقليدياً لدينا عدة أجوبة، وسأُلخصها بجوابين:

أولاً، يرتبط هذا التاريخ بعيد البشارة الذي كانت قد سبقت الكنيسة وحددته بتاريخ 25 آذار، وبالتالي تصبح ولادة المسيح بعد هذا التاريخ بتسعة أشهر، أي بتاريخ 25 كانون الاول. ومن الجدير بالملاحظة هنا أن الإعتقاد السائد في القرون الخمسة الأولى في الكنيسة أن صلب المسيح قد تم بنفس تاريخ البشارة.

ثانياً، يعتقد آخرون أن الاحتفال بعيد الميلاد بهذا التاريخ جاء ليستبدل العيد الوثني Saturnalia والذي يُسمى أيضاً عيد "منتصف الشتاء" أو عيد "إله الشمس". حيث كان الرومان يحتفلون "بموت الظلمة" إذ أن الشمس في هذه الفترة تبدأ تأخذ حيزاً اطول من ساعات النهار. وبهذا يظهر الأمل بانتصار النور على الظلمة.

 

ويشير أصحاب الرأي الثاني، أنه مع تحوّل الامبراطور قسطنطين للمسيحية، ابتدأت الكنيسة من منتصف القرن الرابع وبصورة مقصودة بـ "مَسحنة" الاعياد الوثنية، وذلك لسببين، أولاً، ليشجعوا انتشار المسيحية من خلال قصة الميلاد في العالم الروماني آنذاك. ثانياً، لتمنع بصورة إيجابية الناس من الاحتفال بالعيد الوثني. وبالتالي استبدلت قصة الميلاد القصص الوثنية.

 

أما أغلب مظاهر العيد فقد تتطورت مع الوقت. فمثلا، تم زيادة الترانيم الميلادية لمراسيم واحتفالات عيد الميلاد في القرن الثالث عشر. ولا نعلم بالتدقيق متى أُدخلت الشجرة ضمن احتفالات عيد الميلاد، لكن أغلب الظن أن مصدرها في ألمانيا، واصبح لها استخدام واسع هناك في نهاية القرن السادس عشر. ومع نهاية الربع الاول من القرن العشرين أصبحت هذه الامور، وأخرى غيرها مثل تبادل الهدايا وكرتات المعايدة، جزء لا يتجزء من هذا العيد، خاصة في الغرب، حتى أن الناس يظنون أن هذه التقاليد كانت مُتّبعة كل تلك القرون.

 

لكن مهما كانت الامور التي ارتبطت بالميلاد تاريخيًا، ومع كل التحديات التجارية الربحية التي نواجهها في يومنا الحاضر، والتي اصبحت وكأنها جزء من العيد ورسالته. إلا أننا كمسيحيين علينا أن نحتفل بهذا العيد باكتشاف عطية الله من خلال إبنه يسوع المسيح ونفرح بما تقدمه هذه العطية من خلاص، فرح وسلام.