• عظمة على عظمة... بقلم: سمر منصور سماوي
عظمة على عظمة...  بقلم: سمر منصور سماوي

خلال مشاهدتي لصفحات الفيس بوك،  رأيت تعليقًا على صورة شاب، قرّر أن يأخذ صحته محمل الجدّ، فقام بحميّة خاصة ورياضة يوميّة، ليفقد الكثير من وزنه، فوضع صورتين على الفيسبوك، "قبل وبعد".. فكتب له أحد المعلقين، لربما مازحًا، أنّ صورتك القديمة " أكثر هيبة".. فتذكرت موقفًا مشابهًا، قبل سنوات لمحامي شاب،  أهتم بتنزيل وزنه، ليحافظ على صحته، فقال له أحد الزبائن: "ما هذا يا أستاذ، ستفقد هيبتك في المحكمة!!".

للشابين أعلاه أقول ولكل من يهتم بصحته: أنت فقدت من وزنك بهدف المحافظة على صحتك، فهذا يزيد من هيبتك.. فحين تهتم بصحتك وتحافظ عليها، فأنت بهذا تقوّي مقدرتك على المساهمة الفعّالة في المجتمع، دعم عائلتك وأمانها فتصبح قدوة تحتذى بها... هذه هيبة، هذه عظمة.

في سياق آخر،  شاهدتُ مقطعًا من مشاركة للدكتور ماهر صموئيل، يتكلم بها في مؤتمر للشباب، عن ماهية العظمة في مفاهيم المجتمع والتي تنعكس على اختيار شريك/ة الحياة. فمفهوم المجتمع للعظمة يتمركز حول المال والجاه والعلم والشكل الخارجي..أمًا المفهوم الذي يطرحه الدكتور صموئيل، هو مفهوم الرفعة بالأخلاق والمحبة والتضحيّة والعطاء والمساهمة المجتمعيّة ولا يسعني إلّا أن أوافق هذا المفهوم، فكم من قائد فقد هيبته أمام الناس، رغم الجاه او المنصب، بسبب فضيحة أخلاقيّة أو ماليّة..

توفيّت الأميرة ديانا عام 1997 ، زوجة الأمير البريطاني تشارلز. وقد كان وقع الخبر صاعقة على كثيرين أحبّوها لأناقتها وشعبّيتها، اذكر جنازتها المهيبة التي شاهدتها عبر التلفاز مثلي مثل الملايين. وأذكر الحزن الذي ساد في كلّ مكان، وأذكر قريبي الطفل الذي بدأ يتصرّف تصرفات اقلقتنا لما رأى من أجواء حزينة عندما كنّا نشاهد جنازتها التي غطّتها كلّ وسائل الاعلام لمدة ساعات وهلّل الجميع وعبّرعن حبّه لها وغمرت الورود كل مكان. بعد موت الأميرة ديانا بخمسة أيام، وصلنا خبر وفاة الأم تريزا،التي خدمت الفقراء، المحتاجين، الأيتام والمرضى لمدة 45 عامًا. وعند وفاتها كانت قد تأسست 610 ارساليّة في 123 دولة حملت أسمها ورسالتها التي نبعت من محبتها لله.

تأسفت يومها أن "العظمة"  الذي حصلت عليها الأميرة ديانا من العالم كانت أضعاف التي حصلت عليه الأم تريزا يوم وفاتها، التي تشهد لها  حياتها على محبتها وتضحيتها غير المشروطة لكلّ الناس. اليست هذه هي العظمة..؟ محبتها تواضعها وتفانيها، الذي اختارت أن تحياها، اليست هذه هي العظمة؟ مساهمتها الانسانيّة التي أمست رمزًا للعطاء حيث أن ارساليتها التي اسستها قائمة حتى يومنا هذا.  فالعظمة، ليس الجاه والمال والشهرة أو شكلك الخارجي.. فالعظمة بصفاتك الساميّة، التي تدفعك لتعطي وتساهم بما اوتيت من مقدرات او حتى مال وعلم لدائرتك المصغّرة والموسّعة عل حد سواء.  فليس ضعفًا أن تحب، ليس ضعفًا أن تسامح، ليس ضعفًا أن تضحي.. بل هذه هي القوة، بأن تقوم بما هو ليس متوقع منك كردّة فعل، فتدعم ما هو أسمى من العظمة بمفهوم الجاه، بل العظمة بمفهوم التضحيّة والحب. وكهذه العظمة نذكر اليوم ماما ماغي التي قالت عن أنّ الله دعاها "لتترك الأفضل والأذكى وتذهب لأفقر الفقراء".  فأنا أذكر أنه قبل بضع سنوات بأن شخصيّة ماما ماغي كانت قد لفتت نظري حيث كانت فترتها مرشحة لجائزة نوبل للسلام، لم تحصل يومها ماما ماغي على  جائزة نوبل للسلام لكنها بنظري حصلت على الجائزة  من ربّ السلام لقد كان من السهل ن أن تبقى مع الأذكى وفلا تخطو أي خطوة فيها تتنازل عن التدريس في أحسن الجامعات التكنولوجية في مصر وتترك العزّ والجاه – العظمة في مفهوم المجتمع.. لكنها باعت كل شيء واستغلت الفرصة بأن تصنع فرقًا في حياة ناس.. في حياة الأضعف.. اليست هذه هي العظمة؟

قد تكون هناك الكثير من الأمور في  حياتنا نعتبرها "الأذكى"، ففي مهنتي كمدرس أو موظف أو طبيب أو مهندس أو عامل، أفضّل التعامل مع الناس التي لها مكانتها المجتمعيّة او الماليّة او العلميّة ... ولربما أكون مديرًا  لكنّ اهدافي بسيطة وأنوي أن أقدم الأقلّ لأنني أشعر أنني أهمّ من أن أعطي. وممكن أن تكون "الأذكى" هي منطقة راحتنا، بأن أعمل الأبسط وابقى في مكاني واقدم أقل الجهد لأنه اسهل .. غير أبه لحاجة غيري. لكنّ، العظمة أن تترك "الأذكى" وتقدم الأسمى..

في إحدى الخدمات التي نقوم بها، للأحباء الذين اضطروا اللجوء  الى بلاد غريبة، انضم لنا يومًا طبيب اسنان شاب ناجح، لا ينقصه العلم ولا الجاه أوالاحترام من الناس... لكنه قرّر أن يشاركنا الخدمة على حسابه الخاص، ويغلق عيادته الخاصة لبضعة أيام، ليدعم من جار عليهم بطش اليشر ويقدم لهم حاجتهم من علاج ويظهر محبته لهم... اليست هذه هي العظمة بذاتها؟

ألا نريد أن نرتقي لنصنع فرقًا في حياة الناس.. فنعيش العظمة التي تليق بنا.. ونبقى عبرة لأجيال قادمة؟