• القيامة والجليل: وصية القيامة الأخيرة في إنجيل متى - القس حنا كتناشو
القيامة والجليل:  وصية القيامة الأخيرة في إنجيل متى - القس حنا كتناشو

قالَ السّيدُ المسيح لتلاميذه: "ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل" (متى 26: 32). وقال ملاكُ الرب لمريمَ المجدلية ومريم الأخرى: "َاذْهَبَا سَرِيعًا قُولاَ لِتَلاَمِيذِهِ: إِنَّهُ قَدْ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ. هَا هُوَ يَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ. هُنَاكَ تَرَوْنَهُ. هَا أَنَا قَدْ قُلْتُ لَكُمَا" (متى 28: 7). وقال لهما يسوع: "لاَ تَخَافَا. اِذْهَبَا قُولاَ لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي" (متى 28: 10). ويقول الكتاب المقدس عن التلاميذ أنهم انطلقوا إلى الجليل ليلتقوا بالمسيح الحي المُقام من بين الأموات (متى 28: 16). وربما عَلِمَ باللقاء آخرون إذ يقول الرسول بولس أنَّ المسيحَ ظهر لأكثر من خمسمئة شخص (1 كورنثوس 15: 6).

يشدّد القديس متى على أهمية اللقاء مع السيد المسيح في الجليل. فماذا حصل في الجليل؟ يسرد لنا متى الأحداث فيقول:

 

وَأَمَّا الأَحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذًا فَانْطَلَقُوا إِلَى الْجَلِيلِ إِلَى الْجَبَلِ، حَيْثُ أَمَرَهُمْ يَسُوعُ. وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ، وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا. فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: "دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ." آمِينَ. (متى 28: 16 – 20).

 

يختم متى إنجيله بهذه الفقرة التي يوجز فيها الكثير من الأمور. أولا، يتحدث عن السجود للمسيح بالرغم من أن السجود لله وحده. ثانيا، يتحدث عن تتويج المسيح ملكا على كل الكون إذ دُفع إليه كل سلطان الأرض والسماء وما بينهما. ثالثا، يتحدث عن مهمة "إسرائيل المسيح" أو إسرائيل التي تتبع المسيح وتعبده. فالمهمة الأساسية هي تلمذة الشعوب. ويشرح الدارسون أن فعل الأمر الوحيد في النص الأصلي هو "تلمذوا" وتأتي الأفعال الباقية (اذهبوا، عمدوا، علموا) في صيغ مختلفة. وعلينا أن نميز بين تجديد الشعوب وتلمذتهم إذ لا يتحدث النص عن الكرازة والنهضات التي يؤمن بها الملايين بلحظات بل عن قضاء الكثير من الوقت الذي يتطلب رحلة نمو نحو النضوج. فليست مهمة الكنيسة هي إخبار الناس عن القيامة فحسب بل تلمذة الشعوب في ضوء كل ما أوصى به السيد المسيح المُقام من بين الأموات.

 

      لا شك أن قول المسيح لتلاميذه يحوي الكثير من الأمور الأخرى التي لن أخوض فيها في هذا المقال إلا أنني أود لفت نظر القارئ إلى بعض التطبيقات العملية من وجهة نظري.

 

لقد اختلفت الأوقات وعلينا أن ننظر إلى حكمة الوصية وروحها قبل أن نتمسك بحرفيتها. فكيف نعيش هذه الوصية في القرن الواحد والعشرين وفي الشرق الأوسط الآن وهنا؟ وهل يكفي سلطان المسيح لأقلية مسيحية وسط أغلبية إسلامية ويهودية؟ وعندما ننظر إلى وصية القيامة الأخيرة في ضوء الواقع المعاصر ربما نجد ما يلي:

 

أولا، اذهبوا إلى المسلمين واليهود. الذهاب هنا لا يعني السفر إلى بلد أخرى. ولكنه يشمل الرغبة والانفتاح للتعامل مع الآخر. الذهاب هنا يعني المبادرة في صنع السلام وبناء الجسور مع الجار والجامع والكُنس. الذهاب هنا يعني الخروج من عالمي والدخول إلى عالم المسلم واليهودي. وقد يحصل الذهاب دون أن أتحرك من مكاني جغرافيا ولكنه لن يحصل دون أن ينفتح قلبي لمحبة الآخر. فربما يأتي اللاجئون والزائرون من مناطق جغرافية مختلفة ويقرعون أبوابي وربما يصرخ الفقراء والأرامل والمسجونون والمظلومون وأنا قابع في مكاني. وربما يعاني أهل النقب والخليل وغزة وقرى المثلث واليهود الإثيوبيين وآخرون وأنا غير مبالٍ. ما أحوجنا إلى أن نصغي إلى وصية المسيح: اذهبوا.

 

ثانيا، يطلب المسيح منا أن نعلّم الآخرين. فكيف نفعل ذلك في عالم سادت فيه العنصرية والكبرياء. ربما يجدر بنا أن نبدأ بالتعلم قبل أن نعلم. من الأفضل للكنيسة أن تفهم القرآن والحديث والتوراة والتلمود. من الأفضل لنا أن ندرك القناعات الإسلامية والقناعات اليهودية فلا نتحدث كجهلاء. وعندما نريد أن نعلّم يجب أن نفعل ذلك كالمعلم الأعظم الذي علّم المحبة والتواضع والتسامح. لقد غسل أرجل التلاميذ مقدما أهم الدروس. صرخ من الصليب يا ابتاه اغفر لهم. إن العِلم المسيحي والتعليم الصحيح لا ينفصل عن كل ما أوصى به السيد المسيح: كونوا واحدا . . . احبوا أعداءكم . . . احبوا بعضكم بعضا كما أحببتكم . . . اغسلوا أرجل بعضكم بعضا كما غسلت أرجلكم . . . وربما نقول حاربوا الطائفية والعنصرية والنرجسية والأنانية واعلنوا ملكوت المسيح وطرقه الإلهية. دافعوا عن المرأة وحقوق الطفل والمسن والمعاقين والمهمشين في المجتمع.

 

ثالثا، يطلب منا إله الحياة أن نتملذ الشعوب. فكيف نفعل ذلك؟ التلمذة أكثر من التعليم إذ تشمل تشكيل مجتمع جديد متجذر في ثقافة المحبة. ولا نستطيع أن نبني المجتمعات الجديدة دون مواجهة الأسئلة الكبيرة في المجتمع. فيجب أن نتحدث عن التطرف الديني وعن الحرب وعن الحرية وعن استقلال الشعوب وعن الاحتلال والمساواة والجندرية والمشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية. ونعلن أن المسيح هو رب الكل وأن كل سلطان قد دُفع إليه. فبدون مواجهة هذه الأسئلة وغيرها سنكتفي بعقلية النهضة في لحظة فنضل عن وصية المسيح التي تأمرنا بالتلمذة التي تتطلب وقتا وجهدا وتضحية.

 

رابعا، وعد مالك كل السلطان أن يكون معنا كل الأيام. فيجب أن نتعلم أن نكتشف حضور المسيح. قد يكون حضور المسيح ملموسا في شفاء المرضى وإحياء الموتى واليقظة الروحية. ولكن المسيح غائب من مجتمعنا. فأكثرنا لا يؤمن به ولا تسود تعاليمه على اليهود والمسلمين. وما تزال القيامة مرفوضة من المسلم واليهودي. فأين حضور الله الحي المُقام من بين الأموات؟ أيكون حضوره منحصرا بسبب ضعف إيماننا؟ أم أنه قرر أن يكون حضوره مخفيا لينمو إيماننا؟ وربما حضوره الخفي ليس أقل أهمية إذ يُلهب القلب ويغيّر الإنسان كما حصل مع تلميذي عمواس. وربما يجب أن نرى المسيح في كل فقير ومحتاج ومسجون وعريان. ونرى المسيح مصلوبا ومتألما وعطشانا. كأس الماء في يدنا فهل نسقيه؟ ثوب إضافي معنا فهل نعطيه؟ هو سجين ينتظر زيارة وهو مكروب ينتظر تعزية. هو معنا فهل نشعر به؟

 

أخيرا، يسأل الكثيرون حولنا: أحقا قام المسيح؟ وربما يكون الجواب في طاعتنا لوصيته الأخيرة في إنجيل متى.

 

يا رب علمني لا أن أقول أن المسيح قام فحسب بل أن أحيا طائعا لوصية الذي مات وقام من بين الأموات. فأطيع آخر وصية أمر بها السيد المسيح بعد قيامته. تاريخيا، قام المسيح ولكن اختباريا ما زال السؤال ينتظر جوابك: أحقا قام المسيح؟! إذا لنذهب إلى الجليل ثم نذهب إلى جميع الشعوب كما أمرنا إله الحياة. المسيح قام.