• الكنيسة والسُلطة عبر العصور - القس عازر عجاج
الكنيسة والسُلطة عبر العصور - القس عازر عجاج

مقدمة

لم تولد كنيسة العهد الجديد بدون تحضير، فكما يخبرنا الرسول بولس أن ظهور المسيح كان "في ملء الزمان"(غلاطية 4:4)، أي أن الله بسيادته حتى على التاريخ البشري، مهد الطريق وحضّر العالم لرسالة فدائه وخلاصه التي ظهرت في المسيح. لم يكن هذا التحضير روحياً فقط، بل سياسياً وفكرياً (ثقافياً)، إقتصادياً ودينياً أيضاً، وذلك من خلال الامبراطورية الرومانية. فبالرغم من انه للوهلة الاولى تبدو الامبراطورية الرومانية أعظم عدو للمسيحية، إلا أنه في نواحي كثيرة كانت أعظم معين لانتشار المسيحية. ويمكن تلخيص هذا المساهمة في الأمور الآتية:

سياسياً: كانت كل مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط تخضع للإمبراطورية الرومانية في الفترة التي بدأت فيها المسيحية بالانتشار. وقد أدى هذا الأمر إلى خلق وحدة سياسية وهدوء سياسي وأمني لمدة طويلة. إمبراطور واحد وجيش واحد وقانون واحد. وقد أطلق على السلام في تلك الفترة "السلام الرومانيROMANA PAX. وبالطبع ساعد هذا الامان على انتشار المسيحية وتعاليمها في أرجاء الامبراطورية.

ثقافياً: جعلت الإمبراطورية الرومانية من اللغة اليونانية اللغة الرسمية في الدولة، مما أدى إلى انتشار الثقافة الهيلينية، وخلق وحدة فكرية. فقد ربطت اللغة اليونانية الشعوب المختلفة بعضها ببعض، فصاروا وكأنهم شعب واحد، يستخدمون لغة أساسية واحدة. حتى أن البعض قال: "ربما يكون الرومان قد غزوا الإغريق سياسياً، لكن الإغريق غزوا روما ثقافياً". لقد احتاجت بشارة الإنجيل أن يكون في العالم المعروف في تلك الفترة لغة عالمية موحدة تؤدي إلى إحداث أثر كبير وقد كانت اللغة اليونانية السائدة في تلك الفترة والتي سُميت بالـ "كويْني" هي الإجابة على هذه الحاجة.

ومن ناحية أخرى، تميّزت الامبراطورية بالتعددية الثقافية النابعة من تعدد الثقافات والحضارات فيها، الأمر الذي ساهم بصورة كبيرة لخلق جو من انفتاح معين، فتبادل الناس ليس السلع التجارية فحسب، بل الامور الثقافية والفكرية والروحية أيضاً. وبالطبع كان لهذا الواقع الاثر الايجابي على استعداد الناس لسماع تعاليم وفلسفات جديدة، من ضمنها رسالة الانجيل.

إقتصادياً: ساعد الاستقرار السياسي الموجود على خلق جو من الأمن، فقد كان البحر آمناً للرحلات التجارية، وقد كان السفر في البر أيضاً سهلاً نظراً للطرق التي عبّدها الرومان (التي لا تزال آثارها باقية إلى يومنا هذا). فقد قامت الامبراطورية في تلك الفترة في شق وتعبيد طرقٍ بمسافة ما يقارب 50 ألف ميل، لتُسهّل في الأساس على تنقل جيوشها من مكان لآخر. ساهمت هذه الطرق الآمنة في تنقل الناس، والمنتوجات، والأفكار. وبالطبع كان لهذا الاثر الكبير على انتشار المسيحية في تلك الفترة وقدمت الخدمات المريحة نسبياً لتنقل الرسل والمبشرين الاوائل.

دينياً: اعتبر الكثيرون المسيحية في بداية عصرها كأحد تيارات أو كجزء من الديانة اليهودية، ولم يعطوا اهتمامًا للاختلافات بينهما. وأدى هذا الأمر لعدم محاربتها (في البداية) بإعتبارها جزء من ديانة رسمية في الامبراطورية، الامر الذي ساهم في خلق مناخ آمن للكنيسة لتنمو داخل الديانة اليهودية وتمتد من هناك لباقي الشعوب. ومن ناحية أخرى كان الكثير من الناس متعطش إلى اعتناق دين أسمى من الأديان الوثنية الموجودة، التي كانت لا تخلو من الفساد والسحر والشعوذة وأمور لا أخلاقية أخرى.

ومن خلال هذه المقدمة القصيرة، يمكننا القول باختصار أن هذه الأسباب مجتمعة أدت إلى نشر التعاليم والأفكار المسيحية الجديدة بسرعة، وساعدت في قبول الكثيرين للإيمان الجديد. لكن سرعان ما أدركت الكنيسة أن هذه العوامل (السياسية، الدينية، الثقافية والاقتصادية) الواقع الذي تعيش فيه، وتدريجياً وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع كل النواحي المذكورة أعلاه وتحديد موقفها منها بصورة مسيحية كتابية، فطوّرت مع الوقت ما نسميه اليوم بـِ "علم الأخلاق المسيحية" Christian Ethics. لن أتطرق في سلسلة مقالاتي هذه لعلم الاخلاق المسيحية مباشرةً، بل سأقدم مقالات تأخذنا برحلة عبر تاريخ الكنيسة نستكشف من خلالها معالم رئيسية لتعامل الكنيسة مع السلطة (السياسية والدينية) وتأثير هذا الامر على الكنيسة في الماضي، مصلياً أن نجد فيها عبر ودروس للمستقبل.