• الكنيسة والسُلطة: عندما دعت الكنيسة واستجاب الأمراء - القس عازر عجاج
الكنيسة والسُلطة: عندما دعت الكنيسة واستجاب الأمراء - القس عازر عجاج

سأتطرّق في مقالي هذا لفترة حساسة من تاريخ الكنيسة، التي ما زال مسيحيو الشرق يعانون من نتائجها وانعكاساتها حتى يومنا هذا، ألا وهي فترة حروب الفرنجة، أو كما عُرفت لاحقاً بالحروب الصليبية أو الحملات الصليبية. لا أنوي تقديم تغطية تاريخيّة لهذه الحروب بهذه الاسطر القليلة. ولن أتطرّق لوجهات النظر والجدل الكبير الذي دار حولها، فهناك مراجع لا حصر لها تتعرّض لهذه المواضيع. لكن ما أسعى له هو تحفيز القارئ العربي المسيحي على التفكير بصورة أعمق بدور الكنيسة ومواقفها، خاصةً بما يتعلق بتورطها في السياسة الدولية. ففي هذه الفترة أخذت الكنيسة مَنحىً جديداً حيث نجدها تأخذ مكان الامبراطور وتتدخّل في شؤون الدولة الخارجية، وتدعو الناس لحمل السيف والخروج للحرب، لا بل شجّعت تكوين رهبنات عسكريّة انشغل رُهبانها لا في الصلاة والصوم، بل بحمل السيف والقتال.

ترتبط بداية هذه الحروب بخطابٍ ألقاه البابا أوربان الثاني خلال مجمع عُقِد في كليرمونت في فرنسا في تشرين الثاني 1095م، إثر استلامه، كما قال، "أنباء محزنة جاءت من تخوم فلسطين" تتحدّث عن سوء معاملة السلاجقة المسلمين لمسيحيي القدس والحجّاج الذين يزورون المدينة. وتزامنت هذه الانباء مع الطلب الذي وجّهه الملك البيزنطي أليكسوس من القسطنطينية، يلتمس فيه مساعدة الغرب لمواجهة السلاجقة الذين كانوا يهدّدونهم. وقد أنهى البابا خطابه بدعوة الجموع ليهبّوا لمساعدة أخوتهم في الشرق وتحرير القبر المقدس من يد المسلمين، واعداً كل من يشارك بهذه الحملة غفراناً لخطاياه، وبالحياة الأبدية لكل من يموت حتى وهو في طريقه الى هناك.

تجاوبت الجماهير بحماسة مع هذا الخطاب وعَلَت الهتافات "هذه مشيئة الله"..."هذه مشيئة الله"... وقد أصبحت هذه الصرخة شعار الصليبيين وهتافهم في الحرب. وعلّق الحاضرون صليباً من القماش الأحمر على أكتافهم اليمنى، رمزاً للفكرة التي خرجوا ليحاربوا من أجلها. يسجّل لنا التاريخ تسع حملات صليبية،  قاد أغلب هذه الحملات ملوك وأمراء اوروربيين، وحقّقت الحملة الاولى أهدافها واحتلّت عدداً من مدن سوريا وفلسطين واستولت على مدينة القدس سنة 1099م وبقيت المدينة تحت الحكم الصليبي لغاية سنة 1187م عندما استولى عليها جيش صلاح الدين الايوبي. وانتهت الحقبة الصليبية بسقوط آخر حصن لها وهو مدينة عكا سنة 1291م.

ومن الجدير بالذكر أن الحملة الصليبية الرابعة قد خرجت عن الهدف الاصلي المُعلن لهذه الحملات، فبدلاً من التوجه لاسترداد القدس من أيدي المسلمين، تحوّلت الى محاربة المسيحيين، وقامت جيوش الصليبيين باحتلال مدينة القسطنطينية عم 1203م، وأقاموا مملكة مسيحيّة على أنقاض إمبراطورية مسيحيّة أخرى. لقد كان هدف الحروب الصليبية تحرير الاراضي المقدسة ثم تحرير المسيحيين الشرقيين من الحكم الاسلامي. لكن باحتلال القسطنطينية لم يتم لا هذا ولا ذاك.

الدين وقود الحرب

لم يكن أمراء أوروبا وفرسانهم قادرين على القيام بهذه الحملات لولا وجود سلطة قويّة توّحِد صفوفهم وتحلّ نزاعاتهم. وقد كانت هذه السلطة هي السلطة البابوية التي كانت في أوج عزّها في تلك الفترة. فقد تجرّأ البابوات خلال فترة الحملات أن يأخذوا دور الامبراطور ويقرّروا في شؤون الدولة وسياستها الخارجية، ويعلنوا الحروب على القاصي والداني. وبالرّغم من وجود دوافع اقتصادية وسياسية واجتماعية لهذه الحروب، إلا أن الدافع الديني كان المحرك الرئيسي الذي استغله البابوات لتحريك الجيوش الصليبية. فقد تزايد في تلك الفترة الشعور والحماس الدينيين في أوروبا الغربيّة، مما جعل الناس على استعداد للقيام بأي عمل في سبيل الدين. وظنّوا أن انضمامهم لجيش يحمل لواء الصليب، هو الطريقة المُثلى لخلاص نفوسهم. أضف الى ذلك ازدياد القناعة عند الكثيرين أن الايّام الاخيرة قد اقتربت ومجيء المسيح أصبح على الابواب، فكيف سيأتي لمدينة تقع تحت حكم الكفّار؟!

كان تأجيج عواطف الشعب الدينية الشغل الشاغل للباباوات والوعّاظ، وذلك لادراكهم أن هذا الأمر هو الوقود الذي يمكنه دفع عجلة هذه الحملات. لذلك أبدعوا في أختيار الأسباب والجمل والتعابير التي تحرّك المشاعر، وتفتح الجيوب، وتشجّع النفوس للانضمام للجيوش. وبسبب تكرّر الحملات، توجّب عليهم أن يكونوا خلّاقين في تقديم المحفّزات، فعلى سبيل المثال صوروا المسيح، في بداية الحملات، وكأنه والدٌ فقد ميراثه ويدعو أولاده لاسترجاعه، لكن هذه الصورة لم تعُد كافية مع توالي الحملات، فتطّورت مع الوقت وحلّت محلها صورة المسيح الملك أو السيد الذي يطلب الخدمة من رعاياه لتحرير ما تم سلبه. وقد نجحت هذه المحاولات في تحريك جميع الاوساط من الجهلة والمثقّفين، والشرفاء والأدنياء، ليُشهروا سيوفهم ويذهبوا للقتال.ٍ

 

بطرس... رُد سيفك الى غِمده

إن التعصب الديني هو نار آكلة لا تتردّد في أكل الاخضر واليابس. لقد بدأت هذه الحروب بتأجيج الكراهيّة ضد المسلمين، لكن سرعان ما امتدّت ألسنة نار الكراهيّة لتشمل كل من هو ليس كاثوليكي. ففي رسالة وُجِّهت للبابا في الحملة الصليبية الاولى كتب أحد القادة: "لقد انتصرنا على الاتراك والوثنيين ولم ننتصر على الهراطقة". لقد كان هؤلاء "الهراطقة" الذين تكلّمت عنهم هذه الرسالة هم الارثوذكس اليونانيين، والسريان، والاقباط، والأرمن، أي بكلمات أخرى كل مسيحيي الشرق. لذلك لم يتردّد الامراء بعزل البطاركة والاساقفة الارثوذكس وتعيين بطاركة وأساقفة كاثوليك. وبذلك انتقل بعض المسيحيون من ذِميّين في المناطق الاسلامية الى "هراطقة" في الامارات الصليبية.

لم تترك هذه الحملات أي شهادة مسيحية نستطيع أن نفتخر بها، وذلك على عدة أصعدة: أولاً، لم يكن لهذه الحملات أي دور على الإطلاق بحمل أو نقل رسالة الإنجيل. فالرسالة المسيحية، هي رسالة محبة وسلام وأخبار سارة. ثانياً، لا يوجد أي مبرّر كتابي يطلب من المؤمن أن يشنّ حرباً ضد غير المؤمن بسبب كونه غير مؤمن. ثالثاً، ساهمت الحملة الرابعة التي تمّ فيها احتلال القسطنطينية، في تعميق الكراهيّة والعداء بين الكنيسة الغربيّة والشرقيّة. بل وربما دقّت المسمار الأخير في نعش العلاقات بين الكنيستين لقرون عدّة. وأخيراً، أثّرت حتى يومنا هذا على العلاقات المسيحيّة – الإسلاميّة، وأوجدت بين الفريقين حساسيّة بالغة، بالرغم من أن المسيحيين الشرقيين لم يكن لهم أي دور في هذه الحروب. ولم تنجح في تقوية المسيحية الشرقيّة، لا بل قد ساهمت في إضعافها.