• الكنيسة والسُلطة: عندما سقطت روما الثالثة - القس عازر عجاج

يعود الفضل في إدخال الديانة المسيحيّة إلى روسيا للأخوين الراهبين كيرلس وميثوديوس، الذين نشآ في مكدونيا، وامتازا بقدراتهما اللّغويّة وإتقانهما لغات عديدة، منها إحدى لهجات اللغة السلافيّة المستعملة من قِبَل سلافيّين في مكدونيا. وعندما طلب روستيسلاف أمير مورافيا (تشيكيا وسلوفاكيا حالياً) عام 862 من بطريرك القسطنطينيّة إرسال مبشرين ليعلّموا الايمان المسيحيّ في بلاده، تمّ إرسال الأخوين كيرلس وميثوديوس. أسّسَ الأخوان في مورافيا مجموعات مسيحيّة أرثوذكسيّة، كما وترجما الكتاب المقدس الى تلك اللهجة السلافيّة التي كانا قد تعلماها في صغرهما، واستخدما اللغة نفسها في الليتورجيّة الكنسيّة. ومن الجدير بالذكر أن اللغة السلافيّة هذه، مازالت اللغة المستخدمة في الكنيسة الروسيّة حتى يومنا هذا، وتُعرف باسم "اللغة السلافيّة الكنسيّة القديمة".

إلا أنّه بعد موتهما طُرد أتباعهما من مورافيا، وبدا ظاهريّاً أنّ خدمة الأخوين قد فشلت. لكن الأمور سارت بغير المتوقّع ولاقى تلاميذهما نجاحاً كبيراً في المناطق التي لجأوا إليها، خاصةً في صربيا وبلغاريا وروسيا. وحمل تلاميذ الأخوين التعليم الذي نادى بأهميّة استعمال لغة الشعب في الصلاة والليتورجيّة، الأمر الذي ساهم ليس في فهم لغة العبادة بل بتوطيد العلاقة بين الثقافة والحضارة بالإنجيل على نحو كبير أيضًا. وفي سنة 988 أعلن الإمبراطور الروسي فالدمير بتبنّي الديانة المسيحيّة كدين الدولة، وخضعت الكنيسة الروسيّة لبطركيّة القسطنطينيّة.

ومع أنّ روسيا رضخت لحكم المغول منذ سنة 1237 ولغاية 1476، إلا أنّ الروس استطاعوا الاستمرار بممارسة تقاليدهم الدينيّة والتمتّع بمستوى معيّن من الاستقلاليّة، وذلك بناء على معاهدة بينهم وبين المغول. ورأت الكنيسة أن دورها ومسؤوليتها في تلك الحقبة، ليس الحفاظ على الثقافة الدينيّة فحسب، بل على هويّة روسيا القوميّة أيضًا، وبذلك ارتبطت القوميّة الروسية بالهويّة الدينيّة. كما وقامت الكنيسة بنشاطات تبشيريّة ووصلت لاطراف روسيا النائية، وانتشرت في تلك الفترة حياة الرهبنة، وشُيّدت أديرة عديدة، الأمر الذي ساهم في اتّساع نفوذ الكنيسة وقوتها في موسكو.

روما الثالثة

فقدت روما سلطتها على الكنيسة الشرقيّة في القرن الحادي عشر، فاعتُبرت القسطنطينيّة على أثر ذلك مركز الكنيسة الأرثوذكسيّة، وأُطلق عليها إسم "روما الثانية". لكن "روما الثانية" سقطت بيد الأتراك المسلمين سنة 1453، وتزامن هذا مع  ازدهار موسكو ونموها السريع، بعد الانتصار على المغول عام 1476، فتحوّلت موسكو تدريجيّاً لتصبح المركز المسيحيّ الجديد للأرثوذكسيّة، وأُطلق عليها اسم "روما الثالثة والأخيرة".

لكن، على ما يبدو أن الكنيسة الروسيّة لم تتبنَّ اسم روما فحسب، بل نهج كنيسة روما أيضاً، خاصة ذلك النهج الذي اتّبعه الباباوات في أواخر القرون الوسطى في محاولتهم لتعزيز نفوذ الكنيسة السياسيّ والماديّ. ونتيجة لهذا أخذت العلاقة بين الدولة والكنيسة في روسيا تتعقّد تعقيدًا شديدًا، وتركّز الصراع على أمرين:

أولاً، محاولة تسلّط الكنيسة على السلطة المدنيّة. فقد حاول البطريرك نيكون، في القرن السابع عشر، أن يجعل من منصبه منصباً أعلى من القيصر. وكنتيجة لمحاولات الكنيسة هذه، امتنع القيصر بطرس الكبير، بعد موت البطريرك نيكون، من تعيّين بطريرك جديد (وقد كان تعيّين البطاركة من صلاحيات القيصر)، وبالمقابل عَيّن مجلساً (المجمع المُقدّس) ليهتمّ بشؤون الكنيسة. كما وقلّص كلَّ الخدمات الاجتماعيّة التي كانت تقوم بها الأديرة، وذلك بهدف إضعاف نفوذها وتأثيرها. اتّبع هذه السياسة القياصرة الذين خلفوه، وذلك ليمنعوا ويتفادوا الصراع الذي كان قائماً بين الكنيسة والدولة. ولم يُعاد هذا المنصب إلا عند سقوط النظام الروسيّ واستيلاء الشيوعيّين على الحكم سنة 1917.

ثانياً، نشأ في بداية القرن السادس عشر، نتيجة للغنى الماديّ الفاحش الذي وصلت له الكنيسة، جدال عنيف بين من يؤيّدون ضرورة حياز الأديرة والكنيسة للمتلكاتPossessors ، وبين من شعر بعكس ذلك Non-Possessors، وقد انتصر رأي المجموعة الأولى في النهاية. لكن هذا النقاش بين الطرفين استمرّ عبر التاريخ الروسيّ وترك أثراً سلبيّاً على سمعة الكنيسة.

  الشيوعيّة

واجهت الكنيسة الروسية خلال القرن العشرين اضطهاداً كبيراً. فبعكس الأتراك والمغول الذين كانوا متديّنين (وبذلك سمحوا باستمرار الحياة الدينية في الدول التي احتلوها)، كان النظام الشيوعيّ نظاماً معادياً للدّين، وبسبب عدائه هذا، قامت الدولة الشيوعيّة الجديدة بمصادرة كلّ أملاك الكنيسة خلال سنة من تسلّمها زمام الحكم. لم يتوقّف الأمر عند هذا الحد، بل ابتدأت السُلطة بالحدّ من نشاط الكنيسة، فمُنعت الأخيرة من القيام بالتعليم (من خلال المدارس) أو تقديم أي خدمة اجتماعيّة أُخرى، فأوقفت الزيارات الراعوية وإقامة دروس الكتاب المقدّس. أمّا من الأشياء القليلة التي سُمِح للكنيسة القيام بها كانت خدمة الوعظ، وبذلك أصبح الوعظ الطريقة الوحيدة لتعليم الإيمان والعقيدة في الكنيسة، فكان أحياناُ تُلقى في الخدمة الواحدة 4-5 عظات.

لم تكتفِ الدولة بتقليص نشاطات الكنيسة وفرض قوانين تُحارب مُمارسة الإيمان، بل وضعت أيضاً برنامج عمل إلحاديّ هدفه تحويل الناس وإبعادها عن حياة الإيمان والكنيسة. فكان، على سبيل المثال،ً يجري تنظيم مسيرات أيّام أعياد الميلاد والفصح ليستهزؤوا بالإيمان المسيحيّ. كما وقامت الدولة بسجن رجال الدين وإرسال آخرين الى مخيّمات تعذيب. ويعتقد بعض الباحثين أن الاضطهاد الذي واجهته الكنيسة خلال فترة الحكم الشيوعيّ كان أشرس وأشد اضطهاد واجهته على مرِّ التاريخ إطلاقاً.

ولتفادي المواجهة بين الكنيسة والنظام الشيوعيّ، اتّخذ المطران سيرجيوس سنة 1926، توجّهاً مُساوِماً نحو الدولة، فعرّف الكنيسة والدولة بأنّهما أم وأب الشعب الروسيّ المسيحيّ. قسم هذا الموقف الكنيسة الروسيّة بين المقاومين لسياسة سيرجيوس، الذين رأوا بتصرّفاته وتصريحاته هذه وكأنّه يبيع الكنسية للملحدين، وقاموا على إثر ذلك بإنشاء كنيسة سرّيّة، والطرف الآخر الذي وجد أن هذا الموقف "شرٌّ لا بدّ منه"، وأنّ سيرجيوس أخذ على نفسه عقاباً (خطيّة الكذب) من أجل استمرار الكنيسة. ومن الجدير بالذّكر ان الكنيسة الروسيّة ما زالت منقسمة الى يومنا الحاضر على خلفيّة هذا النقاش.

 

كلمة لا بدّ منها

نجد في تاريخ الكنيسة الروسيّة عِبراً مهمّة يمكن لكلّ كنيسة الاستفادة منها. فبداية الكنيسة في روسيا تُذكّرنا من جديد بأهميّة التبشير، وقد تجسّد هذا الأمر من خلال الأخوين كيرلس وميثوديوس وتلاميذهما على نحو يُشبه خدمة الرسل والمؤمنين في القرون الأولى للمسيحيّة. أضف الى ذلك، ترجمة الكتاب المقدس للغة الشعب، الأمر الذي قرّب كلمة الله للناس وفتح المجال للتفاعل معها بوضوح. ويذكّرنا تاريخ الكنيسة الروسيّة أيضاً، انّ سعي الكنيسة للغنى وللسلطة، بغضِّ النظر إن كان في الشرق أو في الغرب، سيُسيء حتماً لسُمعتها وصورتها أمام الناس. وأخيراً، على الكنيسة أن تتذكّر أنها في كلّ مرّة تختار وتَرضَى أن تُصبح بوقاً لسُلطة فاسدة وظالمة، ستفقد هيبتها، وسُمعتها، وشهادتها، ورسالتها وتأثيرها لا محالة.