• عزرا اليهودي في الثقافة الإسلامية - بقلم القس حنا كتناشو

يعتقد الكثير من المسلمين أن عزرا هو عُزير المذكور في القرآن وهو بحسب تفسير الشعراوي واحد من أربعة رجال حفظوا التوراة: موسى، عيسى، عُزير، اليسع. ويقول القرآن في سورة التوبة "وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون" (9: 30). والكلمة يضاهئون تعني يشابهون والعبارة أنى يؤفكون تعني كيف يعدلون عن الحق وهو ظاهر. ويشرح الطبري في تفسير جامع البيان في تفسير القرآن اختلافات أهل التأويل فيقدم الاحتمالات التالية (تفسير الطبري وكل التفاسير الإسلامية المستخدمة في هذا الكتاب موجودة في www.altafsir.com). أولا، رواية ابن عباس الذي قال أن جماعة من اليهود جاءوا إلى رسول الإسلام وقالوا: "كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزيرا ابن الله؟" وبحسب رواية ابن عباس قال اليهود عن عزرا:

 

هو ابن الله من أجل أن عزيراً كان في أهل الكتاب وكانت التوراة عندهم يعملون بها ما شاء الله أن يعملوا، ثم أضاعوها وعملوا بغير الحقّ. وكان التابوت فيهم فلما رأى الله أنهم قد أضاعوا التوراة وعملوا بالأهواء، رفع الله عنهم التابوت، وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم، وأرسل الله عليهم مرضا، فاستطلقت بطونهم، حتى جعل الرجل يمشي كَبِدُه، حتى نسوا التوراة، ونسخت من صدورهم، وفيهم عزير. فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا بعد ما نسخت التوراة من صدورهم، وكان عزير قبل من علمائهم، فدعا عزير الله وابتهل إليه أن يردّ إليه الذي نسخ من صدره من التوراة. فبينما هو يصلي مبتهلاً إلى الله، نزل نور من الله فدخل جوفه، فعاد إليه الذي كان ذهب من جوفه من التوراة، فأذن في قومه فقال: يا قوم قد آتاني الله التوراة، وردّها إليّ فعلق يعلمهم، فمكثوا ما شاء الله وهو يعلمهم. ثم إن التابوت نزل بعد ذلك، وبعد ذهابه منهم فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان فيه على الذي كان عزير يعلمهم، فوجدوه مثله، فقالوا: والله ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن الله.

 

ثانيا، يذكر الطبري رواية السديّ الذي قال أن العمالقة حاربوا بني اسرائيل وقتلوهم. ودفن علماء اليهود كتب التوراة في الجبال. ويسرد الطبري رواية السدي قائلا أن عُزير قابل امرأة ذكّرته أن الله حي ثم قالت له:

 

 يا عزير إذا أصبحت غدا فأت نهر كذا وكذا فاغتسل فيه، ثم اخرج فصلّ ركعتين، فإنه يأتيك شيخ فما أعطاك فخذه فلما أصبح، انطلق عزير إلى ذلك النهر، فاغتسل فيه، ثم خرج فصلى ركعتين، فجاءه الشيخ فقال: افتح فمك ففتح فمه، فألقى فيه شيئاً كهيئة الجمرة العظيمة مجتمعاً كهيئة القوارير ثلاث مرار. فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة، فقال: يا بني إسرائيل، إني قد جئتكم بالتوراة. فقالوا يا عزير ما كنت كذّاباً. فعمد فربط على كلّ أصبع له قلماً، وكتب بأصابعه كلها، فكتب التوراة كلها. فلما رجع العلماء أخبروا بشأن عزير، فاستخرج أولئك العلماء كتبهم التي كانوا دفنوها من التوراة في الجبال، وكانت في خوابٍ مدفونة، فعارضوها بتوراة عزير فوجدوها مثلها، فقالوا: ما أعطاك الله هذا إلا أنك ابنه.

 

ثالثا، يذكر الزمخشري في تفسير الكشاف أن اليهود قتلوا موسى والأنبياء. فرفع الله عنهم التوراة ومحاها من قلوبهم عقابا لهم. ولكن جبريل، "جبرائيل"، ظهر لعُزير وساعده أن يحفظ التوراة غيبا. ويكتب الزمخشري الجملة التي أنفرته وانفرت باقي المسلمين وهي: "ما جمع الله التوراة في صدره وهو غلام إلا لأنه ابنه". ويضيف البيضاوي في تفسير أنوار التنزيل واسرار التأويل أن عزرا مات وأحياه الله بعد مائة عام ثم أملى على بني اسرائيل التوراة حفظا فتعجبوا وقالوا عنه أنه ابن الله ويرتبط هذا التفسير بسورة البقرة التي تقول: "أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنّى يُحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام ثم بعثه قال كم لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مئة عام فأنظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير" (2: 259). ويُعلق الطنطاوي في الوسيط في تفسير القرآن الكريم أن أغلب الأحاديث المتعلقة بعزرا "لا يؤيدها عقل أو نقل" ولكنه يؤكد أن اليهود أطلقوا لقب ابن الله على عزرا. ويضيف الشعراوي في تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي أن ليس كل اليهود يؤمنون بأن عُزير هو ابن الله بل جماعة منهم.

 

        في ضوء ما سبق، نشدد على النقاط التالية. أولا، تربط التفاسير الإسلامية عزرا بالتوراة. ويضيفون أن اختفاء التوراة عقابٌ لليهود الذين اخطأوا في حق الله ولكن الله سمع ابتهال عزرا وحصلت المعجزة في حياته. وصارت التوراة متوفرة للناس. ويؤكد المسلمون أن توراة عزرا صحيحة ودقيقة تماما مثل التوراة التي في تابوت العهد. لهذا من المهم التفاعل مع هذا المنطق الإسلامي الذي يرفع من شأن توراة عزرا وتعليمه وأمانته للنص المقدس. فمن منظور التفاسير الإسلامية، حافظ الله على كلمته المقدسة بالرغم من "فساد اليهود" وضمن الله أن تكون التوراة التي جاء بها عزرا مطابقة للتوراة التي جاء بها موسى بالرغم من أن الفارق الزمني بينهما هو نحو ألف عام. ثانيا، ترفض التفاسير الإسلامية موقف اليهودية المتعلق بعزرا لأنها تؤمن أن اليهود أو بعضهم ينادون بأن عزرا هو ابن لله. لا أعلم بأي مصدر يهودي ينادي بهذا الاعتقاد. ولا يؤمن اليهود اليوم بأن عزرا هو ابن الله. لهذا من الأفضل التأكيد أننا لا نستطيع تكفير اليهود ولا نستطيع أن نطلب من الله أن يقاتلهم استنادا إلى ظن خالي من الصحة وغير موجود لا في الماضي ولا في الحاضر.