• الخلاص الفردي ومفهوم العدل الاجتماعي - بقلم: شكري حبيبي
الخلاص الفردي ومفهوم العدل الاجتماعي - بقلم: شكري حبيبي

يركز الانجيليون بشكل عام على أهمية الخلاص الفردي، وهذا أمر كتابي ومتفق عليه. لكن الذي حصل أن هذا الخلاص الفردي أصبح مجرد تأكيد للفرد المخلّص على غفران خطاياه، وضمان حصوله على الحياة الأبدية. ويصبح هم الفرد المخلّص أن يعيش حياة الطهارة والقداسة ويبتعد عن كل شر وإثم. لا بل ذهب البعض إلى أبعد من ذلك إذ عزلوا أنفسهم عن المجتمع وقضاياه وكونوا مجتمعاً خاصا بهم له قيمه ومبادؤه. فالمجتمع برأيهم شرير ويجب الابتعاد عنه وعدم الانغماس بمشاكله. وكأنهم في كثير من الأحيان قد أصبحوا مشابهين لفرقة الفريسيين في أيام المسيح. فهل هذا يتفق مع مبادئ ملكوت الله؟ وهل يتلاءم مع مبدأ المحبة المسيحية؟ وهل هذا ما قصده الله بالخلاص للبشر عن طريق المخلّص يسوع المسيح؟  

لقد بدأ المذهب الانجيلي عام 1517 عن طريق المصلح الانجيلي مارتن لوثر، وركّز على موضوع الإيمان الشخصي والخلاص الفردي. وهنا أخذت تتبلور فكرة الحرية الفردية التي امتدت لتشمل الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، وتمّ التأكيد على حرية الفرد والمبادرة الفردية. ومع بدء الثورة الصناعية أخذت المصانع تنتشر في معظم مدن الغرب لا سيما في أمريكا الشمالية وبريطانيا وألمانيا وفرنسا. وبدأت تظهر ملامح المجتمع البورجوازي الرأسمالي، وظهرت بالتالي طبقة رأسمالية غنية قليلة، تسعى لجمع أكبر ثروة من المال على حساب جهد العاملين وعرقهم، تقابلها طبقة عمالية كبيرة. والذي حصل أن الكثير من الكنائس الانجيلية لا سيما في الولايات المتحدة الامريكية قد ارتبطت بمفاهيم وقيم المجتمع الرأسمالي، وأخذت تدافع عنها. لا بل دمجت هذه القيم مع المفاهيم المسيحية الانجيلية، وغدت هذه القيم وكأنها تعبر عن المسيحية، والمسيحية منها براء. وهذا ما أدّى إلى تعميم هذه القيم الرأسمالية على الكنائس الانجيلية في بلدان كثيرة.

ولعلّ السبب يعود في الأساس برأيي إلى تبنّي هذه الكنائس مبدأ الخلاص الفردي وهو مبدأ كتابي صحيح، لكنهم في نفس الوقت تجاهلوا القيم الاجتماعية التي تتحلّى بها المسيحية. فإذا كان الخلاص فردياً، وعلاقة الإنسان مع الله فردية، فقد انعكس هذا الأمر مع الأسف على نظرتهم إلى المجتمع ككل. أي شجعوا المبادرة الفردية والربح الكثير وقيم المجتمع الرأسمالي، بمعزل عن أية قيم ومبادئ اجتماعية تضع حداً للجشع وتسعى للعدل. لا بل إن البعض ذهب إلى حد محاربة أية قوانين تُسن لصالح الطبقات الفقيرة.

لقد أهملت هذه الكنائس عدة مبادئ هامة في المسيحية وعلى رأسها مبدأ العدل ومبدأ المحبة العملية. إن الكتاب المقدس في عهديه القديم(1) والجديد مليء بالآيات التي تحث على المحبة للآخر والعدل في المجتمع. أليس أمرأ ملفتاً للانتباه أن يكون أول عمل قامت به الكنيسة المسيحية في نشأتها، أن تسعى لكي يكون كل شيء مشتركاً؟ وعبّرت بذلك عن المبادئ والقيم المسيحية الحقيقية، مبادئ العدل والتضحية والتخلّي عن الأنانية ومحبة الآخرين، واحقاق العدل في المجتمع المسيحي الناشئ. حيث نقرأ في سفر أعمال الرسل: «وجميع الذين آمنوا كانوا معاً وكان عندهم كل شيء مشتركاً. والأملاك والمقتنيات كانوا يبيعونها ويقسمونها بين الجميع كما يكون لكل واحد احتياج»(2). صحيح أن هذا الأمر لم يستمر طويلاً بسبب الاضطهاد، لكنه كشف عن حقيقة هامة تؤكد على ضرورة التحلّي بمبدأ العدل والسعي لإحقاقه.

إن ملكوت الله الذي دعا إليه الرب يسوع المسيح هو ملكوت يشمل حياة الإنسان بأكملها، وليس ملكوتاً يقتصر على الناحية الروحية فقط. ولعلّ حياة الرب يسوع نفسه هي أكبر مثال لنا، إذ كان يهتم بحاجات الجموع المادية أيضا، حتى أنه قيل عنه: «محب للعشارين والخطاة»(3). وهناك قاعدة هامة أكّد عليها الرب يسوع المسيح  في مثل السامري الصالح(4)، عندما شدّد على أهمية أن أحب قريبي كنفسي. وتبيّن لنا أن القريب هو كل إنسان آخر حتى لو كان عدوّاً لنا. ولقد أدان الرب يسوع المسيح الفريسيين المرائين عندما قال لهم: «ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تعشرون النعنع والشّبث والكمون وتركتم أثقل الناموس: الحق(العدل) والرحمة والإيمان. كان ينبغي أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك»(5). أي تحدّث عن أهمية أن يشمل الإيمان حياة الانسان بأكملها، وليس الجانب الروحي فقط في علاقته مع الله.

صحيح أن الكنيسة الأولى أكّدت على الخلاص الفردي، لكنها لم تهمل أبداً الناحية الاجتماعية من رسالة الانجيل. كتب الرسول يعقوب قائلاً: «الديانة الطاهرة النقيّة عند الله الآب هي هذه: افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم وحفظ الانسان نفسه بلا دنس من العالم»(6). واعتبر الرسول بولس «أن محبة المال أصل لكل الشرور الذي إذا ابتغاه قوم ضلّوا عن الإيمان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة»(7). ونلاحظ أنه في كل رسائل العهد الجديد كان هناك حث على ضرورة الاهتمام بالفقراء، واعتباره جزءاً من الإيمان المسيحي. والجدير بالذكر في هذا المجال أن المسيحية في كل تاريخها الطويل كانت تبشّر المجتمعات وتربحها للمسيح، ولم يكن هدفها ربح أفراد قلائل فقط. وهذا ما نلاحظه في كل تاريخ الحركات التبشيرية والنهضات الروحية.

فما هو موقفنا كمؤمنين؟ وكيف ننظر إلى المجتمع ككل؟ أما علينا أن نتحلّى بالقيم الاجتماعية التي تساهم في وضع حد للظلم وإرساء نوع من العدالة في المجتمع؟ صحيح أن العلاقة مع الله يجب أن تكون عامودية، لكن عليها أن تنعكس أفقياً أيضاً في نظرة الإنسان المؤمن إلى المجتمع. فهل ترانا نتبنّى قيم ملكوت الله التي هي على عكس قيم المجتمع الرأسمالي ومفاهيمه التي تركّز على الفردية والأنانية؟ وأنه علينا كمؤمنين لا أن ندافع عن القوانين التي تهدف لنشر العدالة في المجتمع فحسب، بل أن ندعو لها ونتبناها.

1- أقتبس بعض الآيات من العهد القديم على سبيل المثال لا الحصر. كتب النبي ميخا8:6 قائلاً: «قد أخبرك أيها الإنسان ما هو صالح. وماذا يطلبه منك الرب: ألا أن تصنع الحق(العدل) وتحب الرّحمة، وتسلك متواضعاً مع إلهك». وعلّمت والدة ملك مسّا لموئيل ابنها قائلة: «افتح فمك لأجل الأخرس في دعوى كل

 يتيم. افتح فمك. اقضِ بالعدل وحام عن الفقير والمسكين» (أمثال8:31-9).   

2- سفر أعمل الرسل44:2-45. وأيضاً أعمال الرسل32:4-35:«وكان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة. ولم يكن أحد يقول إن شيئاً من أمواله له، بل كان عندهم كل شيء مشتركاً... إذ لم يكن فيهم أحد محتاجاً، لأن كل الذين كانوا أصحاب حقول أو بيوت كانوا يبيعونها ويأتون بأثمان المبيعات ويطرحونها عند أرجل الرسل، فكان يوزّع على كل واحد كما يكون له احتياج».

3- بشارة متّى19:11.

4- بشارة لوقا25:10-37.

5- بشارة متّى23:23.

6- رسالة يعقوب27:1.

7- رسالة الرسول بولس الأولى إلى تيموثاوس10:6.