• الكنائس الإنجيليّة بين فصل الدين عن الدولة وفرض الدين على الدولة - القس عازر عجاج

الكنيسة والسُلطة: الكنائس الإنجيليّة بين فصل الدين عن الدولة وفرض الدين على الدولة

انقسم الإنجيليون عبر التاريخ بين من ينادي بفصل الدين عن الدولة وبين من يسعى لفرض الدين على الدولة، بين الابتعاد عن السياسة وبين السيطرة عليها. وكمحاولة لفهم هذا الصراع، سأقوم بتقديم سرد تاريخيّ سريع لنشوء الحركة وتطوّرها، وتقديم أهم العقائد التي تجمع هذه الكنائس معاً، وسأتطرّق في النهاية الى الطريقة التي تعاملت بها مع السُلطة المدنيّة والسياسيّة.

عرض تاريخيّ

يرجع استخدام هذا الاسم، الكنائس الإنجيليّة، الى فترة الإصلاح حيث استُخدم للتمييز بين اتباع جون كالفين الذين عرفوا بالكنيسة المُصلحة، وبين أتباع لوثر الذين سمّوا كنيستهم "الكنيسة اللوثريّة الإنجيليّة" (وما زال هذا الاسم مستعملاً إلى يومنا هذا). لكننا عندما نتكلّم عن الكنائس الإنجيليّة الحرّة، نحن لا نقصد التكلّم عن الكنيسة اللوثريّة، بل عن تلك الكنائس التي نشأت في القرن الثامن عشر كحركة تمحورت حول رسالة الانجيل البسيطة، كما قال جون ويسلي "الحقيقة البسيطة للنّاس البسطاء"، وأخذت تنتشر بين كنائس، وطبقات، ودول، ولغّات وثقافات مختلفة. وارتبطت هذه الحركة وكنائسها طبعاً بأشخاص خرجوا من رحم حركة الإصلاح البروتستانتيّة، أمثال جون وتشارلز ويسلي، مؤسّسي الكنائس المنهجيّة، وجونثان ادورادز وجورج ويتفيلد وغيرهم، الذين أخذوا يشدّدون على أهميّة الخلاص الشخصيّ، من خلال التوبة وتسليم الحياة للمسيح.

تخطّت هذه الحركة الحدود بين الطوائف البروتستانتيّة المختلفة، وأصبحت تدعو الناس الى ما عُرف في وقته بـِ"الديانة الحقيقيّة". ساهم في انتشار هذه الحركة الخدمات المتنقّلة والوعظ في الاماكن العامة، والفعاليات التي عُرفت بـِ "النهضات الروحيّة" أو "الاجتماعات الانتعاشيّة"، التي دعى الوعاظ المختلفون من خلالها الى الحياة المكرّسة حول عمل المسيح الكفاريّ، وضرورة الخلاص الشخصيّ، وتشجيع الناس على قراءة كلمة الله (الكتاب المقدّس)، والالتزام باجتماعات دراسة الكتاب المقدّس، وحياة الصلاة، والشهادة الشخصيّة للمسيح. تلك الأمور بقيت مركزيّة للكنائس الإنجيليّة الحرّة على مرِّ تاريخها.

نمت هذه الكنائس بسرعة إبّان الحرب العالميّة الثانية، خاصّةً في الولايات المتّحدة. ساهم في هذا النموّ شخصيات مختلفة أهمها الواعظ المعمداني بيلي غراهم، الذي كان له الأثر الكبير من خلال وعظه في جذب الناس وتشجيعهم على اتّباع المسيح كرب ومخلص. وقد ساهم تصميم غراهام على التمسّك فقط بتقديم انجيل المسيح وعدم الخوض بالنقاشات اللاهوتيّة بخلق قبول جماهيري واسع، ودعم رسالته من مختلف فئات الإنجيليين. وواكب هذا الحماس الانجيليّ تأسيس كلّيات لاهوت، وجامعات مسيحيّة، التي ساهمت في نشر الفكر الإنجيليّ. وفي الفترة نفسها تخطّت الحركة الإنجيليّة حدود القارة الأمريكيّة وأوروبا الغربيّة، لتصل لدول أفريقيا وامريكا اللاتينيّة وآسيا، وأصبحت قوّة مهمّة في العالم المسيحيّ. ومع هذا الانتشار، وكخطوة لخلق أرضيّة شركة ووحدة بين الكنائس الإنجيليّة المختلفة تمّ سنة 1951 تأسيس الاتّحاد الانجيليّ العالميّ، الذي ضمّ تحت كنفه أكثر من 110 مجموعةٍ كنسيّة وخدمات انجيليّة تمثّل نحو 110 مليون شخص (يصل عددهم اليوم الى نحو 600 مليون شخص).

الأسس العقائديّة الرئيسيّة للإنجيلييّن

يمكننا القول بأنّ الإنجيلييّن نيقاويّين في إيمانهم، أي أنّهم يتبنّون قانون الإيمان النيقاوي، إلّا انّ هناك عدّة عقائد تميّزهم عن غيرهم من المسيحيّين، وتجمعهم بعضهم مع بعض من الناحية الاخرى. يشدّد الانجيليّون على قضيّة الإيمان الشخصيّ، الأمر الذي يتعلّق بالولادة الثانية أو الجديدة أو الخلاص، وهي قبول الشخص الواعي الايمان بيسوع كمخلّص وربّ كفعل ناتج عن التوبة. أمّا الأمر الثاني فهو أهميّة نشر رسالة الإنجيل، إن كان ذلك من خلال الشهادة الشخصيّة لكلّ مؤمن، أو من خلال العمل الارساليّ المنظّم. والأمر الثالث هو الايمان أنّ الكتاب المقدس هو كلمة الله وهو السلطة الأولى والأخيرة بالنسبة للمؤمنين. وباختصار يمكننا القول أنّ الانجيليّين عامّة هم مسيحيّون يركّزون على موضوع الولادة الثانية كخيار شخصيّ والالتزام بنشر الاخبار السارة للجميع.

الإنجيليّون والسياسة

شدّد الإنجيليون منذ نشأتهم على أهمية فصل الدين عن الدولة وحريّة المعتقد والضمير، خاصّة عند وصولهم الى أمريكا في القرن السابع عشر والثامن عشر، معتمدين على قول المسيح "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله".. وقد جاء هذا التشديد على خلفيّة التميّيز والاضطهاد الذي واجهوه من الكناس الرسميّة في أوروبّا ومن الدول نفسها. وليضمنوا حريّة العبادة كانوا من المبادرين والداعين للقوانين التي تؤكّد على فصل الدين عن الدولة. وأصبح هذا الأمر تدريجيّاً علامة تميّز الإنجيليّين في العالم. وفي الحقيقة لم يلتزم الإنجيليّون دائمًا بهذا الموقف عبر السنين، فيمكننا الإشارة مثلاً الى تدخّل بعض الإنجيليّين البيض في تشريع سياسة استعباد السود واختلاق لاهوتٍ يبرّر مواقفهم السياسيّة والاجتماعيّة، للحفاظ على مدخولهم ومصالحهم. ونجد في المقابل اشخاصًا إنجيليّين مثل ويليام ويلبرفورس ومارتن لوثر كينج وآخرين من الذين تصدّوا لهذه التعاليم الخاطئة عن طريق العمل السياسيّ مؤكّدين أنّ الكتاب المقدّس يهتمّ بالمساواة ومحاربة الظلم، ونصرة المظلوم.

لكنّ الأمور أخذت تتغيّر في العقود الأخيرة، خاصّة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة والدول التي شهدت ازديادًا ملحوظًا في عدد الإنجيليّين فيها مثل دول أمريكا اللاتينيّة. فمع هذا الازدياد ازداد أيضاً تدخّل قسم منهم في السياسات المحليّة والدوليّة، وانشغل الكثير من الوعّاظ في هذه الدول ليس في مشاركة رسالة الإنجيل وحسب بل في دعوة الناس لاتّخاذ مواقف سياسيّة ودعم أحزاب معّينة دون آخرى. فمن ناحية أدرك الإنجيليّون إمكانيّة فرض قيمهم الاجتماعيّة والأخلاقيّة على كلّ السكان بقوّة السلطة والقانون (مثل منع الإجهاض، وعدم تشريع زواج المثليّين...) وابتدأوا بالسّعيّ لفرضها من خلال اتّفاقيّات مع قادة سياسيّين لدعمهم انتخابيّاً، ضاربين بعرض الحائط المواقف الأخلاقيّة غير المُشرفّة للكثير من هؤلاء القادة ومتغاضّين عنها. ومن جهّة أخرى أدرك هؤلاء القادة الربح السياسيّ في التودّد للكنائس الإنجيليّة للوصول الى مراكز السُلطة والحكم. فاصبحت أعناق بعض الرؤساء مرهونة سياسيّاً بيد الإنجيليّين، فكلّما عملوا ما يرضيهم بقي الحاكم في منصبه وإن أغضبوهم لربّما تكون تلك نهايتهم. للاسف لم تقتصر هذه التدخّلات على السياسات الداخليّة لهذه الدول بل على سياساتها الخارجيّة ايضاً، وخاصّة بما يتعلّق بدولة إسرائيل، حيث تقدّم هذه الكنائس التبرير اللاهوتيّ لاهميّة دعم الدولة، كقناعة منهم أنّهم يساهمون في تحضير المسرح التاريخيّ لأحداث آخر الأيّام والمجيء الثاني للمسيح، متجاهلين دور المسيحيّ كصانع سلام وكناصر للعدل وكمحامٍ عن الفقير والمظلوم.

ماذا أقول بعد ...

إنّنا كأقليّة إنجيليّة في شرقنا عامّة وبلادنا خاصّة، ننادي بمبدأ فصل الدين عن الدولة، وندرك من خلال خبرتنا الشخصيّة، لقرون طويلة، أهمّيّته لنا. لكن مع مناداتنا بهذا المبدأ نحن بحاجة أن نؤكّد بعض الأمور: أوّلاً، إنّ دعمنا لفصل الدين عن الدولة نابع من قناعتنا أنّ لكلّ إنسان حريّة العبادة وحريّة الضمير، وأقصد بحريّة الضمير تلك الحريّة الكاملة التي تسمح لكلّ فرد بأن يؤمن أو لا يؤمن، بأن يمارس أو لا يمارس ديانته وان يؤمن او لا يؤمن أيضًا وحتى ان يغيّر دينه. ثانياً، إن كنّا في شرقنا نطلب من السلطات عدم فرض إيمان الأغلبيّة وشرائع أديانهم علينا، يجب بالمقابل أن نقف بوجه أي جهّة سياسيّة كانت ام دينيّة (حتى إنجيليّة) تسعى لفرض قناعاتها الدينيّة من خلال السياسة او من خلال اغراء ماديّ او مصلحة. يتوجّب ان يكون عرض القناعات الدينيّة وإقناع الغير بقبول فكرنا وعقيدتنا وايماننا، بالاقناع الحرّ فقط. ثالثاً، لا يمنع هذا المبدأ أيّ مسيحيّ ملتزم من العمل السياسيّ، فعالمنا بحاجة لسياسيّين ذوي أخلاق ومبادئ وقيم مسيحيّة، ليتركوا اثراً  في السلطة وعملها لكن دون اكراه دينيّ. وأخيراً، إنّ إنجيليتنا الشرقيّة يجب أن تُذكّر الغرب بما قد نسوه: أنّ تأثير الإيمان المسيحيّ لا يأتي من خلال السياسة، ولا من خلال التقوقع أيضاً، بل بكون الكنيسة صوت الله الذي يقف أمام الشرّ أيّاً كان مصدره حتى لو جاء من السُلطة والسياسيّين، وكونها قلب الله الذي يُقدّم الأمل والرجاء بالخلاص لكلّ البشر، ويد الله التي تسند الفقير والضعيف والمظلوم.  

سيأتي وقت ليقدّم فيه هؤلاء الذين اتّسخت ايديهم بالسياسة حساباً على نفاقهم واستغلالهم لمركزهم وقوّتهم، ويقدّم الآخرون حساباً على صمتهم. لا يمكن أن نلوم فقط هؤلاء الذين استغلوا السياسة والسياسيّين ليفرضوا أجندتهم المسيحيّة، بل اللوم يقع أيضاً علينا نحن الذين فقدنا الشجاعة لإظهار طريق أفضل وصورة أجمل عن الكنيسة، وصوت أوضح كان ممكن أن يكون صوتاً نبويّاً، يقدّم رسالة الله لكلّ إنسان، من "كلّ قبيلة ولسان وشعب وأمّة".