• هل آدم شخصية حقيقية؟ - بقلم القس البروفيسور حنا كتناشو
هل آدم شخصية حقيقية؟ - بقلم القس البروفيسور حنا كتناشو

يتحدَّث الكتابُ المقدَّسُ عن آدمَ. أنجبَ آدمُ بنينَ وبنات وعاشَ 930 سنة ثمَّ مات (تك 5: 3-5). ويتـرأس آدمُ سلسلة النَّسل البشري في سفر أخبار الأيَّام الأوَّل (1 أخ 1: 1) ونجده أيضاً في لائحة نسل المسيح بحسب إنجيل لوقا (لو 3: 38). واستشهد السَّيِّدُ المسيح بزواج آدم وحواء جاعلاً منهما النموذج لكلّ زواجٍ (مت 19: 5-6). وأكَّدَّ الرَّسولُ بولسُ أنَّ الخطيئةَ دخلت إلى العالم بإنسانٍ واحدٍ وهكذا اجتاز الموتُ إلى جميع النَّاس (رو 5: 12) إذ مَلَكَ الموتُ مبتدءاً من آدم (رو 5: 14). فلقد دخل الموتُ بإنسانٍ وهو آدم الَّذي فيه يموت الجميعُ (1 كور 15: 21-22). ويؤكد الرَّسولُ بولس في وسط أريوس باغوس أنَّ اللهَ صنعَ من دمِ واحدٍ كلَّ أمةٍ من النَّاسِ يسكنون على كلِّ وجه الأرض (أع 17: 26).

بالرَّغم من ذلك، تعددت الآراء المتعلقة بتاريخية آدم وتنوعت التَّفاسير المنوطة به. ونجد أربعة مواقف رئيسية في الكنائس الإنجيلية. [1] 

أولاً، ظنَّ الموقف الأوَّل أنَّ آدمَ شخصيةٌ أسطوريةٌ لا يمكن أن تتوافق مع الاكتشافات العلمية المعاصرة. وأكَّد هذا الموقف أنَّ كُتَّابَ الأسفار المقدَّسة افترضوا نظرياتٍ علميةٍ عفى عنها الدَّهرُ. وهي نظرياتٌ مغلوطةٌ لا يمكن أن نقبلها في ضوء العلم الحديث. فلا نصدَّق وجود طبقة مائية في الهواء (الجلد؛ تك 1: 6) أو انقسام الكون إلى السَّماء والأرض وتحت الأرض أو أنَّ حبة الخردل هي أصغر جميع الحبوب كما اعتقد القدماءُ. ولهذا لا يمكن أن يكون آدمُ رأسَ الجنس البشري أو أوَّلَ مخلوقٍ. ولا يمكن تبرير التَّنوع في الجينات البشرية استنادا إلى نظرية ولادة الجنس البشري من آدم وحواء فقط، بل يجب أن نبحث عن الحقائق الرُّوحية بدلاً من اعتماد النظريات العلمية المفترضة في الأسفار المقدَّسة. ويقبل دعاةُ هذه المدرسة بنظرية التَّطور مع التَّأكيد أنَّ الله هو الخالق. ويشبّهون خلق الإنسان مثل تطور الجنين داخل الرَّحم.

ثانيا، جادل الموقفُ الثَّاني أنَّ آدمَ ليس بالضرورة شخصية تاريخية حقيقية إذ يجب أن نفهم سفرَ التَّكوين استناداً إلى دراسات حضارات بلاد ما بين النهرين القديمة. وفي ضوء هذه الدّراسات أصرَّ البعضُ أن آدمَ هو نموذجٌ للجنس البشري. فقصةُ الخلق لا تتحدث عن أصله البيولوجيِّ بل عن دورِه كممثّلٍ للجنس البشري. ويقتـرح أصحابُ هذا الفكر أنَّ الفصلَ الأوَّلَ من سفر التكوين يتحدَّث عن الخليقة البشرية الأولى، قبل آدم. أما الفصل الثَّاني لسفر التَّكوين فإنَّه يتحدَّث عن آدمَ كمندوبٍ عن البشر وككاهنٍ يخدم الله ويحفظ الوصايا الإلهية. ولهذا يجب ألا نعتمد على سفر التكوين لمعرفة عمر الأرض أو عمر الإنسان أو الأصل البيولوجي للبشر.

ثالثا، ينادي الموقفُ الثَّالثُ بتاريخية آدم كأوَّل مخلوق بشري. ويؤكد أنَّنا يجب أن نفهمَ الفصول 1-11 في سفر التكوين كجزءٍ من تاريخ الخلاص. فهو يقدّم تاريخاً بيبلياً قد يتنوع بطرائق تفسيره. فليس من الضرورة أن نتـبنى التَّفسيرَ الحرفيَّ لكلِ مقطعٍ. ولهذا ليس من الضروري مساواة كلمة "يوم" بأربع وعشرين ساعة. أضف إلى ذلك، يشدد هذا الموقف أنَّ عمر الأرض قد يصل إلى ملايين السِّنين. فلا حاجة إلى قبول نظرية الأرض المبكرة ولكنَّنا يجب التَّأكيد أنَّ آدمَ شخصيةٌ تاريخيةٌ حقيقيةٌ وإلّا سنشكك في مصداقية الكتاب المقدس وعقيدة الخطيئة الأصلية وخطة الله الخلاصية ومصداقية الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد.

رابعا، ينادي الموقف الرابع بتاريخية آدم كأوَّل مخلوق وكأب لكل الجنس البشري. ويرفض هذا الموقف أي مساومة مع نظرية التَّطور مؤكداً أنَّ عمرَ الأرض مبكرٌ. آدمُ هو أبو البشر جميعاً دون استثناءٍ ولقد خلقه اللهُ مباشرة وليس باستخدام التَّطور. يرفض الموقفُ الرابعُ وجود بشرٍ قبل آدم أو رؤية آدم كمندوب عن قبيلة عاشت في زمنه. وينادي الموقف الرابع بضرورة تفسير كلمة "يوم" حرفياً، هي أربع وعشرون ساعة.

بالرَّغم من تعدد المواقف، يبدو لي أنَّ سفرَ التَّكوين غيـرُ معنيٍّ باعطائنا نظرة علمية لخلق الكون بل بتعريفنا على الخالق ورعايته واهتماماته. ويعرفنا على قصة الإنسان. وبما أن سفر التكوين يسمح بقبول فكرة الأرض المبكرة أو الأرض العتيقة فمن الأفضل عدم التشديد على هذا الأمر. أما بالنسبة لتاريخية آدم فيبدو لي أن الأدلة الأفضل تدعونا أن نقبل آدم كشخصية تاريخية فعلية. فهو أبو كل الجنس البشري والمندوب الَّذي فيه فشلنا جميعاً.

 

[1]Matthew Barrett and Ardel Caneday, ed., Four Views on The Historical Adam. Grand Rapids: Zondervan, 2013.