• ما بين الميلاد والصليب - عصام نسيب عودة
ما بين الميلاد والصليب - عصام نسيب عودة

نحن الآن في الفترة ما بين الميلاد والفصح. فما أن ننتهي من الاحتفالات بالميلاد يقترب موسم آخر هو صلب المسيح أو عيد الفصح. قد يبدو هناك بعد بين الاثنين، فمشهد فرح الميلاد والمغارة وبيت لحم والهدايا والشجرة وكل القصص الجميلة التي نألفها من مشاهد الميلاد كالرعاة والمجوس والنجم تكاد تذوب أمام مشهد آخر، يبدو صعبا للغاية، نكاد لا نرغب بذكراه: الصليب.

 

إذا تمعنا في المشهدين: الميلاد والصليب، سوف نلاحظ اتحادا لا يمكن فصله بين هذا وذاك، والخيط القرمزي المثلوث الذي يربط بينهما يتجلى في ثلاثة أعمدة: البساطة، التواضع والمحبة.

 

نقرأ في رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي 2: 5-11:

 

"5 فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع ايضا6 الذي اذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة ان يكون معادلا لله7 لكنه اخلى نفسه، اخذا صورة عبد، صائرا في شبه الناس8 واذ وجد في الهيئة كانسان، وضع نفسه واطاع حتى الموت موت الصليب9 لذلك رفعه الله ايضا، واعطاه اسما فوق كل اسم 10 لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الارض ومن تحت الارض، 11 ويعترف كل لسان ان يسوع المسيح هو رب لمجد الله الاب."

 

في هذه القطعة تتجلى الأعمدة المذكورة واضحا: "آخذا صورة عبد" – البساطة في ولادته، "وضع نفسه" – التواضع، "موت الصليب" – محبة الله للبشر. في هذه القطعة نرى صورة الميلاد متحدة مع صليب المسيح دون الفصل بين الصورتين، فقد ولد يسوع ليُصلب، وصُلب ليموت ومات ليقوم وليعطينا حياة وخلاص.

 

هذا الاتحاد بين الاثنين نراه جليا في كل القصص الميلادية التي نكررها في كل عيد ميلاد، ربما دون أن نلاحظ اتحاد الاثنين معا، فما أقرب الميلاد للصليب، لا بل هما وجهين لذات العملة غير قابلين للانفصال.

 

لقد أُعلن الميلاد لأناس بسطاء، والبساطة التي في المسيح جعلتهم أتقياء ومصلين وأبرار وحكماء ومملوئين بالروح، وبالتالي استطاعوا أن يدركوا ويلاحظوا مجيء المسيح بميلاده المجيد، وليس صُدفة أن الله اختارهم ليعلن لهم ذاته. هؤلاء الشخصيات والشرائح من المجتمع هم: مريم، يوسف، أليصابات، زكريا، رعاة، مجوس، سمعان الشيخ وحنة بنت فنوئيل.

 

في كل إعلان ميلادي لهؤلاء اتحد إعلان الصليب والألم والموت، والمشترك في كل هذي التجليات والظهورات هو "البساطة التي في المسيح":

 

  1. مريم: اختار الله مريم لتحمل في أحشائها المسيا لأنها مباركة ومتواضعة، فنالت نعمة عند الله، ولذلك أعلنت بصلاتها في زيارتها لأليصابات: "لأنه نظر إلى اتضاع أمته"، ثم أكّدت: "شتت المستكبرين بفكر قلوبهم، أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين" (لو 1: 48، 51). علامة الصليب في إعلان البشارة لمريم كانت عندما بشرها الملاك بأن هذا الطفل سيكون عظيما وابن العلي يدعي، ويجلس على كرسي داود ويملك إلى الأبد، وكل هذا يتم فقط بعدما يذهب الرب للصليب، كما قرأنا في فيلبي. إعلان الصليب لمريم تجلى كذلك في نبوة سمعان الشيخ، عندما صلى مخاطبا إياها: "وأنت أيضا يجوز في نفسك سيف"، هو سيف الصليب.
  2. يوسف: البساطة التي في المسيح تجلت في طاعته الفورية للرب، فارتدع أن يُخلي مريم سرا بعد إعلام ملاك الرب له بحملها من الروح القدس، كذلك تجلت في كونه "بارا"، وبالتالي، فبجانب إعلان ميلاد يسوع ليوسف في الحلم أعلن الملاك أيضا: "تدعو إسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم" (متى 1: 21)، هو خلاص الله للبشر بصليب المسيح.
  3. أليصابات: زوجة زكريا، قال عنهما الكتاب إنهما كانا بارين وسالكين في أحكام الرب، كانت أليصابات عاقرا، والعقر كان يعتبر عارا للمرأة في ذلك الوقت، فهي لا بد عاشت حياة تهميش من المجتمع، فتهتف أليصابات بصلاتها، بعد حملها، أن الله "نظر إليها لينزع عارها بين الناس". تأتي مريم لزيارة أليصابات، فيرتكض الجنين فرحا في بطن أليصابات، فتتنبأ على مريم أنها "أم ربها"، فالروح القدس يعلن لها أن يسوع هو الرب المخلص، وذلك بالصليب.
  4. زكريا: شيخ تقي متقدم في الأيام، يتنبأ بالروح القدس بأن الرب افتقد وصنع فداء وقرن خلاص لشعبه، نعم – زكريا، وفي وسط إعلان الميلاد، يتنبأ بالفداء والخلاص.
  5. رعاة: أولئك البسطاء السهرانين على رعيتهم، فهم أمناء في القليل والبسيط، فأقامهم الله على الكثير وأعلن لهم ذاته ليس فقط بميلاده، والتي هي أعظم بشارة سارة عرفها التاريخ، إنما أيضا بخلاصه وفدائه: "ولد لكم مخلّص"، فامتزجت صفة البساطة بالسهر على الرعية والأمانة، ثم إعلان الميلاد والخلاص لكل البشر. ليس ذلك فقط، بل منحهم الرب علامة: طفلا مقمطا مضجعا في مذود، من هنا فالميلاد ما هو إلا علامة الخلاص وإشارة حتمية للصليب والفداء.
  6. مجوس: حكماء تركوا أرضهم ليقطعوا أميالا طويلة، تابعين قيادة النجم والروح القدس، كيف لا وهم علموا أن يسوع سيكون "ملك اليهود"، أي ليس ملكا على شعبهم وأرضهم، ومع ذلك تواضعوا وتركوا بلادهم سائرين مسافة سنتين، ثم رجوعا مرة أخرى. هم الذين ظهر لهم الملاك في حلم ألا يرجعوا إلى هيرودس، وأطاعوا دون جدال أو شرط. مع بشارة الميلاد يقدم المجوس الهدايا، الذهب واللبان والمر، منبئين بذلك، أيضا بقيادة الروح القدس، أن هذا الطفل هو الملك والكاهن وهو الذي سيتألم بمرار الصليب ليمنح الخلاص لكل الأرض.
  7. سمعان الشيخ: البار التقي المملوء بالروح القدس، الذي انتظر ميلاد المسيح بفارغ الصبر، فحمل يسوع بين ذراعيه قائلا إن عينيه قد رأتا خلاص الله وفداءه للبشر. هو الذي خاطب مريم متنبأ بمرور السيف في نفسها وكون المسيح "علامة تقاوم"، هو هو الصليب.
  8. حنة بنت فنوئيل: التي لم تفارق الهيكل عابدة الله بأصوام وصلوات، هي التي كانت مسحة الله على حياتها، هي التي سبحت الله بميلاد يسوع وتكلمت عنه مع جميع المنتظرين فداء في أورشليم، هو صليب الفداء.   

 

لقد أُعلن الميلاد للبسطاء والمهمشين والأتقياء والمتضعين والحكماء والأبرار والعابدين والمصلين والسهرانين والمطيعين والمملوئين بالروح القدس والمنتظرين مجيئه.

 

من هنا، فالمجيء الأول أُعلن لأناس بهذه الصفات، أولئك الذين لم "تفسد أذهانهم عن البساطة التي في المسيح"، تلك البساطة الممتزجة بالحكمة، واللاتي لا يمكن أن تجتمعا معا إلا بالمسيح، كقول الرب: "كونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام".

 

هذا الخيط القرمزي ما بين الميلاد والصليب هو الذي جمع بين الإثنين دون فصل بينهما، هو الخيط المثلوث المركب من البساطة، التواضع والمحبة، تلك الصفات التي تمتع بها أولئك الذين أُعلن لهم الميلاد مقرونا بالصليب، هو المجي الأول للمسيح، وهي هي الصفات للأناس التي سيعلن لها الله ذاته في مجيئه الثاني.

 

فهل نحن على هذه الحالة من الاستعداد للمجيء الثاني للمسيح.