• السُبل إلى النهضة الروحية في فلسطين (1) - يوسف كمال الخوري
السُبل إلى النهضة الروحية في فلسطين (1) - يوسف كمال الخوري

إن النهضة الروحية أمر أساسي ومسعى رئيس في حياة جماعة المؤمنين.  في واقع الحال، إنها صلاة الكثيرين من المؤمنين في كنائسنا اليوم على اختلاف أطيافها وطوائفها. فكيف للكنيسة والمؤمنين اختبار العمل الإلهي بدون حياة روحية صحية وناضجة. إن حياة النهضة هي من علامات النصرة التي جسدها الرب يسوع في قيامته من الموت، وفي صعوده للسماء ليرسل لنا قوة الروح القدس (يوحنا 16: 7-15)، فنختبر ما حدث في اختبار الكنيسة الأولى عند حلول الروح (أعمال الرسل 2). إن النهضة هي عمل إلهي رداً على تضرعات جيوش المصليين الجائعين لرؤية واختبار تلك القوة. لسنوات عديدة جلست في اجتماعات كنسية، ومؤتمرات انتعاشيه دافعها الأول هي الرغبة في رؤية نهضة روحية حقيقة في فلسطين. لكن السؤال الذي يساور البعض -وربما يتنكر له البعض الأخر- لماذا لا نرى نهضة روحية في فلسطين؟

عادة ما أستمع لإجابة واحدة وحيدة لهذا السؤال وهي، الخطية. في أغلب الأحيان، إن المقصود في تعبير "الخطية" هو الخطية الشخصية أو الجماعية. تتمثل تلك الخطية في ابتعاد أفراد وجماعة المؤمنين عن حياة العبادة والقداسة. لا مجال للجدال في مصداقية هذه الإجابة. كيف لا وأن الكتاب المقدس يعلمنا وبصراحة بأن مراعاة الخطية في حياة الإنسان تؤدي إلى خلق عازل بينه وبين الله (مزمور 66:18 وأشعياء 59: 1-3). إذن، فالتوبة الشخصية والجماعية ضرورية ويجب أن تكون مدفوعة بتواضع صادق (2 أخبار 7: 14)، فلا نغفل عن تلك الوصية المتبوعة بوعد الله بأن الله يدعونا للعودة إليه حتى يعود هو إلينا. إن شخص الله المحب لا يفرض نفسه علينا كبشر، بل يدعونا للرجوع إليه بكامل حريتنا حتى يعود هو لنا "ارجعوا إلي، أرجع إليكم" (ملاخي 3: 7).

أود أن أقترح سبباً أخر لعدم حدوث نهضة، وأدعوك عزيزي القارئ والقارئة للتأمل به، وهو الواقع السياسي والاقتصادي التي تعيشه الحبيبة فلسطين ويعاني بسببه الكثيرين. قد يتساءل البعض ما علاقة ذلك بالنهضة الروحية؟ في محاولتي للإجابة على هذا السؤال أقترح أربع شموليات، إلا أنني سأكتفي بعرض اثنتين منها في هذا الجزء من المقال.

أولاً: النظرة الشمولية للنهضة الروحية. إن النهضة الروحية مفهوم شمولي له بعدين لا يمكن فصلهما، الله والإنسان، فهي تهتم بما لله وللإنسان معاً. فكما أن النهضة تتطلب إعلان المحبة لله، فكذلك تأمر بمحبة الإنسان للإنسان. يستوقفني رد يسوع على سؤال أحد الفريسيين عن الوصية العظمي في الناموس، فكان رده "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. " (متى 22: 37، 38) إلا أن يسوع لم يتوقف بعد، فأكمل " وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ." (عدد 38) حرف العطف الواو الذي يربط الأعداد هنا له أهمية قصوى، فهو يؤكد على كلمات يسوع بأن الثانية لها ذات أهمية الأولى. لم يفصل يسوع بين محبة الله والقريب، كأن كلاهما يعملان معنا، فلا يمكننا القول بمحبة الله دون محبة القريب. يشهد الكتاب المقدس أن الادعاء بمحبة الله دون الإنسان هي عبادة باطلة، فيقول يوحنا الرسول في 1 يوحنا 4: 21: "إِنْ قَالَ أَحَدٌ: «إِنِّي أُحِبُّ اللهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟ وَلَنَا هذِهِ الْوَصِيَّةُ مِنْهُ: أَنَّ مَنْ يُحِبُّ اللهَ يُحِبُّ أَخَاهُ أَيْضًا." إن محبة القريب أمراً عملياً، وليس نظرياً. إن كنت لأحب قريبي كنفسي، إذن سوف اهتم بشؤونه وأعمل لأجل الدفاع عنه. إن العمل الدؤوب في مراعاة حياة الأخرين، وإحقاق الحق هم انعكاساً لمحبة القريب التي يوصينا بها الله. [1]إن النهضة الروحية في فلسطين تتطلب اهتماما بالإنسان الفلسطيني وظروفه الحياتية. كيف لي أن أدعي محبة قريبي بينما أقف صامتاً أمام ألمه والظلم الواقع عليه؟

ثانياً: النظرة الشمولية للخطية. في الكثير من الأحيان إن قراءتنا للخطية والخلاص تأخذ منحى ضيق ومرتبط بخلاص فردي فقط. أي أرفع يدك وصلي معي صلاة الخلاص وهكذا كل شيء يُصلح. ماذا عن واقع الإنسان الاجتماعي؟ ماذا عن الخطية المرتكبة في حق الإنسان؟

لم يفصل الكتاب المقدس بين الخطية الروحية والاجتماعية/السياسية. إن الظلم الأرضي، الاجتماعي و/أو السياسي هما خطية ضد الإنسان الذي على صورة الله، وخطية ضد الله ذاته. [2] لم يتقاعس الله عن دينونة الشعب القديم بسبب توانيه عن حماية وإنصاف المظلوم. أليس من المُلفت أن ثلثي الوصايا العشر موجه لخطية الإنسان ضد أخيه الإنسان! كما نقرأ في توصيات الله المفصلة لشعبه قبل دخول الأرض تحذير حاد من الظلم وتبيعته في خروج 22: 21-23 "وَلاَ تَضْطَهِدِ الْغَرِيبَ وَلاَ تُضَايِقْهُ، لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِي أَرْضِ مِصْر. لاَ تُسِيءْ إِلَى أَرْمَلَةٍ مَا وَلاَ يَتِيمٍ. إِنْ أَسَأْتَ إِلَيْهِ فَإِنِّي إِنْ صَرَخَ إِلَيَّ أَسْمَعُ صُرَاخَهُ،" وفي سفر التثنية يؤكد الله على وقوفه بجانب المظلومين، ويلعن من يحرم حق الغريب أو اليتيم أو الأرملة (تثنية 27:19). نشهد بأن الله في أسفار الأنبياء قد دان شعبه بسبب تجاهلهم للعدل الاجتماعي، فيكتب النبي أشعياء على لسان الله: "وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَقْضُونَ أَقْضِيَةَ الْبُطْلِ، وَلِلْكَتَبَةِ الَّذِينَ يُسَجِّلُونَ جَوْرًا. لِيَصُدُّوا الضُّعَفَاءَ عَنِ الْحُكْمِ، وَيَسْلُبُوا حَقَّ بَائِسِي شَعْبِي، لِتَكُونَ الأَرَامِلُ غَنِيمَتَهُمْ وَيَنْهَبُوا الأَيْتَامَ." (إشعياء 12: 1-2). لقد كانت الخطية الاجتماعية والسياسية عائقاً أمام أي نهضة روحية للشعب القديم، حتى أن الله رفض عباداته وتقدماته نتيجة لفساد الاجتماعي والاقتصادي السائد. تكلم الله صراحةً على لسان النبي عاموس بأنه يرفض أعياد، عبادات، وتقدمات الشعب لأنهم لم يجروا عدلاً أو صدقاً (عاموس 5: 21-24).  فهل تقاعس الكنيسة عن دورها السياسي والاجتماعي والاقتصادي في إحقاق الحق، والدفاع عن العدالة يقف عائقاً أمام نهضة روحية؟

 

يوسف كمال الخوري: محاضر في دراسات الكتاب المقدس وعلم الإرساليات في كلية بيت لحم للكتاب المقدس

 

1) Recommended reading: Mark Labberton, The Dangerous Act of Worship: Living God's Call to Justice (IVP Books, Downers Grove, 2012).

2) أنظر وثيقة كايروس، وقفة حق: https://www.kairospalestine.ps/sites/default/files/Arabic.pdf