• ظهورات المسيح – بقلم القس حنا كتناشو
ظهورات المسيح – بقلم القس حنا كتناشو

لا أريد أنْ أتحدَّثَ عن ظهورات القديسين أو الملائكة أو الشَّياطين. ولا أريد أنْ أتحدَّث عن ظهورات السَّيد المسيح في تاريخ الكنيسة بعد الصُّعود أو في العهد القديم. لكنَّني سأتحدَّث عن ظهورات السَّيد المسيح بعد القيامة وقبل الصُّعود إذ نعيش في نفس هذا الموسم المُقدَّس. ظهر المسيحُ للتلاميذ أربعينَ يوماً وتكلَّم عن الأمور المُختصة بملكوت الله (أعمال الرسل 1: 3). وسأذكر أولاً حقيقة الظهورات ثمَّ رسالة الظهورات.

لم يؤمن معظمُ التلاميذ بسبب القبر الفارغ وأحد القيامة بل آمنو لأنَّهم رأوا الرَّب. ظهورات المسيح للتلاميذ بين القيامة والصُّعود مهمة جدا للمسيحية. فهـي أساسٌ متين وبرهانٌ أكيد على قيامة السّيد المسيح. وهي أحداثٌ تؤكد على استمرارية التـزام المسيح بقيمه وتعاليمه ورسالته. وتُبـرز الظهورات نفس المسيح الّذي تعرّفنا عليه خلال حياته وقبل موته.

لقد ظهر للمريمتين (مـتى 28: 1 – 11) فأزال الخوف، ظهر لمريم المجدلة عند القبـر وهي تبكي فأزال الحزن (يوحنا 20: 1 – 18)، ظهر لتلميذي عمواس (لوقا 24: 1 – 34) فأزال اليأس، ظهر للتلاميذ بدون توما (يوحنا 20: 19 – 23) فزرع الفرح ونفخ الروح، ظهر للتلاميذ مع توما فردَّ الخروفَ الضَّالَ ووحَّد الكنيسة، ظهر لهم في بحيـرة طبريا (يوحنا 21: 1-14) فنشر الغفران وطالب بالمحبة، ظهر ليعقوب (1 كورنثوس 15: 1 – 58) ليشدده، ظهر لأكثر من خمسمئة شخص (1 كورنثوس 15: 6)، وظهر على جبل الإرسالية (متى 28: 16 – 20) ليجعل تلاميذه سفراء الملكوت في كل العالم، وظهر لهم في بيت عنيا ومنحهم البركة. ثم صعد إلى السّماء (لوقا 24: 50 – 51).

عندما نتأمَّل في فتـرة الظهورات تبـرُزُ عدةُ أولويات عند ربنا يسوع المسيح. أولاً، تهدف الظهوراتُ إلى تعزيز الكنيسة داخليا وتقويتها. فيريد الرَّبُ أن يمنح كنيستَه السَّلام في عالمٍ مليء بالخوف والعنف والعداء. جاء يسوعُ ووقف في وسط التلاميذ بدون توما (يوحنا 20: 19 – 23) وقال لهم "سلامٌ لكم" ثمَّ كرَّر القول "سلام لكم". وبعد ثمانية أيام ظهر للتلاميذ مع توما (يوحنا 20: 26 – 29). وقال "سلام لكم". عالج السَّلامُ الأولُ خوفَهم وعالج بظهوره لتوما وحدتَهم فحلَّ السَّلامُ في علاقاتهم. ويعتمد سلامُ المسيح على حقيقة القيامة. أكَّدَ للتلاميذ أنَّ حياة الأرض ليست النهاية. وعندما ظهر لبطرس أصلح العلاقةَ المكسورة مع إنسان أنكره. وشدَّد المسيحُ على خدمة الكنيسة ورعاية غنمها. وعندما ظهر لتلميذي عمواس تحدّى يأسَ الكنيسة وتشرذمها ليجمع أولادها كما تجمع الدجاجة فراخها.

التزامُنا بنشر السَّلام داخل الكنيسة يُكرم ظهورات المسيح ورؤيته. لا يريد المسيح أن ينشر الأفرادَ رسالته بل أن تتكون جماعة إيمان تؤمن بالقيامة وتعمل معا في سبيل نشر رسالته. سلامُ الكنيسة عطية إلهية. سلامُ الكنيسة بالرَّغم من اضطرابات العالم. وسلام الكنيسة مبنيٌّ على وحدة خدامها. وسلام الكنيسة معتمد على الرجاء المؤسس على المسيح. لنعلن سلامَ الكنيسة كما أعلنه المسيح ولندافع عن هذا السلام وننشره.

ثانيا، الظهوراتُ تهدف إلى نشر رسالة القيامة. أرسل المسيحُ مريمَ المجدلية لتُخبـر التلاميذَ أنَّها رأت الرَّب. وأرسل التلاميذَ لكل العالم قائلا: اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به.  وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (مـتى 28: 19 – 20). وعندما ظهر المسيحُ للتلاميذ أكّد أن رسالة القيامة تشمل الغفران. فقال "من غفرتم خطاياه تُغفر له" (يوحنا 20: 23). من لا يَغفر لا يُغفر له. ومن لا يَغفر يفتقر إلى دليل مسيحيته.

ثالثاً، الظهوراتُ تُعدنا لاستقبال ملكوت الله. فندرك أن الموت خسر المعركة. وأنَّ الجسد الممجد الذي يأكل ويشرب والذي له عظم ولحم هو مستقبل البشرية. تأكدت طبيعةُ ملكوت الله بناسوت المسيح. الظهوراتُ تشجعنا على انتظار الروح بالصلاة الحارة. أظهرت الظهوراتُ الحقَ الرَّباني ولكن القدرة الربانية على تحقيق الإرسالية لا تعتمد على الادراك البشري فحسب بل على عصر الروح القدس. وتشجعنا الظهوراتُ أن نطلب سيادة روح الله وقدومه. وتعلمنا أن ننتظر الله ونفهم توقيته.

لا أهدف اليوم إلى تحفيـزك أن تطلب ظهوراً إضافيا للمسيح، لكنَّنـي أريد أن تتواصل مع كنيسة الرب والرسل وخدام المسيح عبـر التاريخ. فتساهم في سلامها وتنشر رسالتها وتنتظر تحقق وعود الله لها. وسيكون هذا موضوعنا في يوم الخمسين إن إذن الرب وعشنا.