• حذاري من تغلغل روح سفر القضاة! بقلم: بطرس منصور
حذاري من تغلغل روح سفر القضاة! بقلم: بطرس منصور

ان رُكن النظام الاقتصادي الغربي هو المبادرة الاقتصادية الشخصية والحريات الفردية المتطرفة وقامت الكنائس الانجيلية بتأسيس كنائس بنمط مشابه. انها كنائس عديدة منتشرة دون هرمية او مرجعية محلية واضحة. لقد تأسست بحسب فهم واجتهاد مؤسِّسيها من حيث الفهم الكتابي لرسالتها ولطريقة تكوينها وعملها. من الجهة الاخرى ثقافتنا في البلاد هي خليط من ثقافة فلسطينية تاريخية، اسلامية محافظة، مسيحية تقليدية شرقية واسرائيلية غربية علمانية بالأساس. 

لا بد ان هذه الفجوة بين الفكر الغربي الذي يجد له موطئ قدم في الكنيسة وبين الثقافة الشرقية في بلادنا (المختلطة التأثير هي الاخرى) تخلق تماساً، ان لم يكن صِداماً. 

لن ألِج في التحديات المتعددة التي قد تنبع من هذه الفجوة، ولكن سأتطرق هنا الى أحداها فقط.
ان الكنائس الانجيلية عامة تحمل صفات جميلة تتمثل بالتمسك بكلمة الرب من جهة وحرية ومرونة في تفعيل الخدمة من الجهة الاخرى. كما انه فسح المجال للمؤمنين من خلفيات وعقليات ومستويات اقتصادية واجتماعية وقناعات مختلفة ان يجدوا لهم بيوتًا روحية مناسبة. 

لكن التحدي يتمثل في خطر ان يتسلل ما اسميته "روح سفر القضاة" وهي: "وفي تلك الايام لم يكن ملك في اسرائيل. كان كل واحد يعمل ما يحسن في عينيه" (قضاة 17: 6).

ينظر البعض الى هذه الروح السائدة كحرية كتابية خالصة، لكن هذا الفهم منقوص حسب رأيي، إذا لم ترافق هذه الحرية ضوابط داخلية وخارجية. لقد شهدنا، وللأسف الشديد، نتائج تسلل هذه الروح في عدة كنائس انجيلية محلية. وكانت النتيجة مؤخراً خراب وخلافات وعثرات ذكرها قبيح ووصلت للصحافة والمحاكم. ويأتي مقالي هذا في محاولة صريحة (وربما مؤلمة) للاجتهاد في أحد الأسباب البنيوية التي ربما افضت الى النتائج الوخيمة التي رأيناها هنا وهناك مؤخراً. 

على الصعيد الداخلي، تكونت كنائس انجيلية في قرى ومدن بلادنا لا يتعدى متوسط اعداد اعضائها بضعة عشرات ويقودها اجمالا راعٍ او شيوخ او مسؤولين وأحيانا كثيرة لا تعمل بحسب دستور او على الاقل لا تلتزم بالعمل بحسبه. العمل دون دستور ينظم آلية العمل يخلق فراغاً يقود الى إساءة استعمال السلطة وقيادة عشوائية وللأسف الى اشكاليات لا حصر لها.

اما على الصعيد الخارجي، فان اغلب كنائسنا الانجيلية، ومع قلة عددها وضعف بنيتها التحتية، غير مرتبطة بمرجعية روحية أعلى. ينبع ذلك من فهم لاهوتي تأثر بروح الحرية الغربية من جهة والابويّة المتسلطة في المجتمع الشرقي من جهة اخرى. وهكذا ننظر لطبيعة عمل كنيسة العهد الجديد ككنيسة محلية مستقلة لا يقيّدها أحد - لا من الداخل ولا الخارج. 

مع احترامي لهذا الفهم لكني اظنه منقوص، فكنيسة اعمال الرسل سارت بإرشاد الرسل مباشرة. على هدى هذا المبدأ يتوجب على كل كنيسة محلية تحت مظلة وارشاد وتوجيه واحتكام مرجعية اعلى من مجموعة مكرّسة وحكيمة.  

اين نقف من ذلك؟

تسعى بعض كنائسنا للارتباط الواحدة مع الاخرى في مجمع او رابطة او شركة طوعية غير ملزمة لبعض البرامج والفعاليات المشتركة. لكن اجمالا ليس لمثل هذه الهيئات الطوعية اي سلطة روحية او تنفيذية على الكنيسة المحلية. فهي ليست مصدر تعيين الراعي او رسامته ولا صاحبة مباني الكنيسة ولا الممولة ولا حتى حلقة الوصل مع السلطات. بالمقابل فان المصادر المموِلة الخارجية الاجنبية، التي تعتمد كثير من الكنائس عليها لقسط معتبر من ميزانيتها، تصبح هي بمثابة القوة العليا وبمثابة رقيب وصاحب شأن وكلمة. 

هكذا، لا يكون احيانا عند الفرد او الجسم المحلي في الكنيسة اي دافع ليرتبط بهيئات شمولية مثل مجمع ورابطة او اتحاد. فبطبيعة الحال هو "لا يحتاج" رابطة او مجمع او هيئة روحية لتتدخل بشؤونه وتملي عليه. هو يرفض المرجعية ولا يعنيه ان يشترك بالعمل مع غيره. يهمه الحفاظ على كنيسته ومن بعدي الطوفان، ان جاز التعبير.
ويستتر وراء "روح سفر القضاة" شيء أعمق في مكنونات الانسان وهو الانفرادية ونزع المرجعية. انها تنعكس ايضاً في رفض مشاركة السلطة مع آخرين. واحياناً تستتر هذه النزعة بعباءة اللباس الروحي او بالتفسير الكتابي او بادعاء بأن الحق الكتابي بات موجود بشكل حصريّ عند القائد ولا يمكن التعاون او المشاركة مع آخرين لئلا نساوم عليه. 

غير انه بهذه المنهجية ننسى ان الرب نفسه اقام فريق من التلاميذ ودرّبهم للعمل وأطلقهم. كما اننا نرى اليوم كيف يقود التقوقع او الانفراد لانحرافات تعليمية وبأحسن الاحوال لمجرد هزال في الكنيسة.

كما انه وبانعدام الشركة نفقد بركة العمل المشترك. فاتحاد وتعاون الكنيسة بالأخرى والهيئة بأختها تثري العمل وتزيده زخماً، اذ يتم استغلال الموارد في كل جهة مشتركة بحسب نواحي القوة عند كل واحدة. 

وفوق كل هذا، فان العمل بوحدة هو شهادة للعالم الذي يرى كنائسنا الانجيلية مبعثرة ومتشرذمة. ان الاتحاد والتعاون يمثلان قوة وشهادة طيبة للرب الذي طلب " ليكون الجميع واحدا.... ليؤمن العالم أنك ارسلتني". (يوحنا 17: 21)

هل نرتقي فوق ثقافة روح سفر القضاة التي تُشَرعِن فلسفة خدمة التي يعمل فيها كلٌ كما يحلو في عينيه، لنتعاون وندعم بعض لمجد الرب؟