• أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيّين – أسبوع مقدّس بقلم القس نائل أبو رحمون
أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيّين – أسبوع مقدّس  بقلم القس نائل أبو رحمون

تحتفل الكنيسة حول العالم بأسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيّين، وذلك في الفترة الموافقة لـــ 18-25 كانون الثاني - يناير من كلّ عام.

"ليكونوا واحداً" كان عنوان وموضوع حلقة الأسبوع الماضي من برنامج "أمسية أسقفيّة" التي يقدّمها سيادة المطران حسام نعّوم. يُبثّ البرنامج بثًّا مباشرًا يوم الخميس من كلّ أسبوع على مواقع التواصل الاجتماعيّ.

شاركتُ ومجموعة من رعاة الكنائس المختلفة بتأمل قصير عن أسبوع الصلاة. وفي هذه المقالة القصيرة أودّ أن أتوسّع ببعض الأفكار والخطوات العمليّة لعلّها تساهم في تحقيق الوحدة.

من المبادرات إلى أسبوع الصّلاة

منذ العام 1740 كانت هناك مبادرات عديدة في مناطق مختلفة في العالم تدعو وتشجّع الكنائس على الصّوم والصّلاة من أجل وحدة المسيحيّين، وبعدها صدرت بيانات رسميّة من الكنائس تدعم تلك المبادرات: في عام 1867 أكّد مؤتمر لامبث الأوّل للأساقفة الأنجليكان على الصلاة من أجل الوحدة ضمن قراراته، وفي عام 1894 شجّع البابا لاون الثالث عشر على ممارسة الصّلاة من أجل الوحدة في إطار عيد العنصرة، وفي عام 1902 كتب بطريرك القسطنطينيّة المسكونيّ يواكيم الثالث رسالة عامّة للبطريركيّة والمجمع، دعا فيها للصّلاة من أجل اتّحاد المؤمنين بالمسيح. والقس بول واتسون من الكنيسة الأسقفيّة (الأنجليكانيّة) في شمال أمريكا، والذي انضمّ لاحقًا للكنيسة الكاثوليكية، كان قد أسّس واحتفل عام 1908، ولأوّل مرّة، بأسبوع الصلاة في كنيسة صغيرة في نيويورك، مختارًا الفترة الواقعة في 18 حتى 25 كانون الثاني، على أمل أن تصبح هذه الممارسة شائعة. لاقت هذه المبادرات دعمًا كبيرًا وتعاونًا عبر السنوات من قبل الكثير من المؤسّسات الكنسيّة، والتي أدّت إلى تأسيس حركات ومنظّمات مسكونيّة ساهمت في رفع الوعي لدى الكنائس بالاهتمام في أسبوع الصلاة، فحصل اتّفاق بين مؤسّسات مسكونيّة عديدة، على رأسها مجلس الكنائس العالميّ والمجلس الحبريّ لتعزيز وحدة المسيحيّين، ينصّ على العمل المشترك وإصدار نصوص وصلوات مشتركة لأسبوع الصلاة كلّ عام.

 

هل الكنيسة واحدة؟

إنّ الكنيسة هي جسد المسيح السّرّيّ المُكوّن من جميع الأعضاء دون استثناء. علينا أن نصلّي من أجل وحدة جميع الأعضاء، لأنّه ليس هنالك كنيسة كاملة بدون وحدتها مع الآخرين. نشبّه الكنيسة بلوحة فسيفساء، كلّ حجر فيها مهمّ، وبدونه لا تكتمل اللوحة؛ هكذا هي الكنيسة، لتكون كاملة يجب توحيد كلّ أعضائها.

نعم نؤمن بكنيسة واحدة، هكذا نتلو في قانون الإيمان النيقاويّ: نؤمن بكنيسة واحدة جامعة مقدّسة رسوليّة. الكنيسة واحدة، وبالرغم من الانقسامات تبقى واحدة، لأنّ مؤسّسها ورأسها واحدٌ ألا وهو الرّب يسوع المسيح؛ لذا فأعضاء الكنيسة هم أولئك المحتاجون إلى أن يكونوا واحدًا، كما صلّى الرّب يسوع ليكون تلاميذه واحدًا  ليلة إقباله على الموت من أجل خلاصنا (يوحنا 22:17). لذلك علينا أن نرفع صلواتنا من أجل وحدة المسيحيّين. ونحن في الحقيقة، عندما نتكلم عن وحدة المسيحيين، لا نقصد أن يصبح أحدنا نسخة عن الآخر، فهنالك ليتورجيات وطقوس ولغات وتقاليد مقدّسة عديدة في كلّ عائلة كنسيّة، وهي إن دلّت على شيء فإنّها تدلّ على غنى وإرث الكنيسة الجامعة والمنتشرة في أنحاء العالم؛ لذا، يجب الحفاظ على الكنز والإرث الموجود في كلّ كنيسة.

 

لماذا أسبوع مقدّس؟

أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيّين هو أسبوع مقدّس. نعم، وفيه أيضًا الآلام، آلام الانقسام والانشقاق، فكما تألّم السيّد المسيح في الأسبوع الذي سبق فصح القيامة، كذلك يتألّم السيد المسيح وجسده السّرّيّ، أي الكنيسة، في أسبوع الصلاة. ولكنّ أسبوع الصّلاة يبقى مقدّسًا، يقدّم لنا فرصة حتّى نتقدّس من بعضنا البعض بالصلاة والتواضع والمحبة. في هذا العام تقتصر الصلوات من أجل الوحدة على خدمات مسكونيّة قليلة وأخرى افتراضيّة بسبب جائحة كورونا حفاظًا على صحّة المؤمنين. وتقع المسؤوليّة على كلّ كنيسة وعلى كلّ مؤمن في العمل من أجل الوحدة بالمبادرة و/أو المشاركة في صلوات وندوات مسكونيّة في أيّ وقت في السنة، ولا سيّما خلال هذا الأسبوع المقدّس - أسبوع الوحدة المسيحيّة. إن نظرنا إلى الماضي وقارنّاه مع الوضع الحاليّ في العلاقات بين الكنائس، لا يسعنا إلّا أن نشكر الله على ما وصلنا إليه، ونصبو إلى مستقبل أفضل ننعم فيه بالوحدة الحقيقيّة. لا شك أنّ لأسبوع الصلاة من أجل الوحدة وللحركات المسكونيّة دورًا فعّالًا في هذا التقدّم بالعلاقات بين الرعايا والكنائس. وهنا، يطلّ علينا أسبوع الصلاة من أجل الوحدة من جديد ليذكّرنا أنّ الكنائس تتّفق على أمور وعقائد إيمانيّة أكثر من تلك التي قد تختلف عليها، ليذكّرنا أنّ الكنيسة واحدة لأنّ الرّب واحد والكتاب المقدس واحد والإيمان واحد والمعموديّة واحدة، ليذكّرنا بالإرث والكنز الموجودَينِ في كلّ كنيسة ولاهوت وخدمة، ليذكّرنا ويدعونا حتّى نوحّد الخدمة والشهادة في الكنيسة والمجتمع، لنوحّد العمل الرعويّ والعمل من أجل تحقيق العدالة والحقّ والسلام.

 

خطوات عمليّة ضروريّة

هنالك أمور تحتاج إلى قرارات كبيرة وشجاعة من رؤساء الكنائس بعد الاتّفاق على القليل الذي قد يختلفون عليه، وهنالك مجالس ولجان مسكونيّة لاهوتيّة فعّالة تجتمع وتناقش وتُصدر بيانات وتوصيات. مثلًا تشارك الكنيسة الأنجليكانيّة، بواسطة أساقفة ولاهوتيّين، بحوارات لاهوتيّة مسكونيّة مع الكنيسة الكاثوليكيّة والكنائس الأرثوذكسيّة والكنائس العديدة من العائلة الإنجيليّة، كالاتّحاد المعمدانيّ العالميّ وغيره. كذلك الكنيسة الكاثوليكيّة، بواسطة المجلس البابويّ لتعزيز الوحدة بين المسيحيّين، تبادر بلقاءات حواريّة لاهوتيّة مع جميع الكنائس والجماعات المسيحيّة الشرقيّة والغربيّة التقليديّة والإصلاحيّة. نترك هذه الأمور لأصحاب الشأن ونصلّي من أجل نتائج تمجّد الله وتخدم الوحدة. أمّا نحن رعاة الكنائس والشعب المؤمن، فماذا علينا أن نفعل؟ في لقاء قبل أربع سنوات هنا في الناصرة قال غبطة البطريرك الفخريّ ميشيل صبّاح، أطال الله في عمره: "علينا أن نتعامل مع بعضنا البعض كأنّنا موحّدين". من هذا المنطلق أرى أنّه لا يجوز أن نجلس مكتوفي الأيدي ننتظر قرارات كبيرة. علينا أن نصلّي باستمرار، وأن نكون، في الوقت نفسه، منفتحين على التعامل مع الكنائس الشقيقة ضمن "المسموح" بالإضافة إلى جرعة من الجرأة والتواضع تجعلنا نعطي الوحدة أولويّة في حياتنا الكنسيّة. هنالك خدمات وأنشطة ومشاريع كثيرة يمكن أن تكون مشتركة بروح مسكونيّة وحيويّة للمؤمنين جميعًا: ما أجمل وأروع أن نوحّد، ولو بشكل جزئيّ، خدمة الأطفال والشبيبة وخدمة السّيّدات والعائلات والأزواج الشّابّة، فهل من مانع؟ لنتبادل نحن رعاة الكنائس منابرنا حتّى نشارك بوعظ كلمة الله الواحدة، فهل من مانع؟ هذه وأمور عديدة نستطيع أن نشارك بعضنا البعض فيها، وأثق أنّها ستلقى قبولًا كبيرًا من المؤمنين في الكنائس. كذلك هناك إمكانيّة لإقامة دروس ومحاضرات مشتركة لتعليم اللاهوت والدراسات الكتابيّة، إذ تجمعنا عقائد عديدة متّفق عليها، مثل عقيدة الثالوث الأقدس، كذلك يمكننا تدريس أسفار الكتاب المقدّس مع استخدام مدارس التفسير المتعدّدة. أرى أنّ هذه الفكرة غنيّة ومفيدة وقابلة للتنفيذ. فهل من مانع؟

على الكنيسة أن تهتمّ بقضايا المجتمع الذي ترعاه وأن تقف بجانب الفقير والمحتاج والمظلوم، وأن تبادر بأعمال خيريّة، وتساهم في تحقيق العدالة والحقّ والسلام. هذا، إضافة إلى دور الكنيسة في المحافظة على البيئة... بكلمات أخرى على الكنيسة أن تحافظ على الصوت النّبويّ، فلترفع الكنائس هذا الصوت عاليًا معًا ليكون له صدى أعلى وأقوى. فهل من مانع؟

 

ماذا ينقصنا؟

أرى أنّ الوحدة ليست بعيدة كما كانت في الماضي، وعلينا أن نساهم بتحقيقها كلٌّ في موقعه ونشاطه واجتهاده. هنالك أمران ينقصاننا، الأوّل: المحبّة؛ فنحن بحاجة إلى المحبة الحقيقيّة بين كلّ الكنائس وبين المؤمنين، محبّة بدون شروط وأحكام مسبقة كمحبة المسيح. يحثّنا موضوع أسبوع الصلاة من أجل الوحدة لهذا العام على الثبات في محبّة المسيح (يوحنا 15: 5-9)، فكلّ كنيسة هي كالغصن الذي عليه أن يثبت في الكرمة، أي في المسيح، وكلّما ثَبتتِ الكنيسة في محبّة المسيح كالغصن، انتجت ثمارًا جيّدةً واهتمّت بالكنيسة الشقيقة، أي بالغصن الآخر، حتّى يثبتا معًا في نفس الكرمة الحقيقيّة. والأمر الثاني: التعارف؛ فقد حان الوقت كي يتعرّف بعضنا على البعض الآخر أكثر. نحن مدعوّون لنكتشف الكنز والإرث العظيم الموجود في كلّ كنيسة بإيمانها وطقوسها وتقاليدها. فكلّما تعرّفنا على بعضنا البعض أكثر، سنعرف كيف نحبّ بعضنا ونحبّ كنائسنا بمحبّة المسيح، وهكذا سنستطيع أن نساهم بتحقيق الوحدة الحقيقيّة.

 

دعاء: أيها الرّب يســـوع، الذي صلّيت من أجل أن يكون تلاميذك واحدًا، اجعلنا نشعر أنّك صلّيت أيضًا من أجل المسيحيّين جميعًا، امنحنا المحبّة والتواضع حتى نستطيع أن نجدك حاضرًا في كلّ الكنائس، اغفر لنا عدم اهتمامنا الكافي بتحقيق الوحدة. باركنا واجعلنا- بإرشاد الروح القدس- نساهم ونصلّي باستمرار من أجل وحدة المسيحيّين الحقيقيّة. آمين

 

القس نائل أبو رحمون هو كاهن الرعيّة الأنجليكانيّة في الناصرة