• خدمة الحكمة للرجال والنساء – بقلم القس حنَّا كتناشو
خدمة الحكمة للرجال والنساء – بقلم القس حنَّا كتناشو

يتحدَّث دارسو الكتاب المقدَّس عن أنواع الخدمات الموجودة في العهد القديم. فيذكرون الكاهن الَّذي يتعامل مع الشَّريعة والتعليمات الإلهية ويقدم الذبائح ويعتني بحاجات الشَّعب. ويذكرون الملك الذي ينظم المملكة ويوحدها ويدافع عنها أمام الأعداء وينظّم أمورها الداخلية ويقود الحروب وغير ذلك. ونجد أيضاً القاضي/القاضية الَّذي يمثل البطولة العسكرية والشَّجاعة. وخدم القضاةُ في إسرائيل البيبلي في فترة لم يوجد فيها ملوكٌ. ويتحدثون أيضاً عن الأنبياء سواءً أكانو الأنبياء الذين تخصصوا في خدمة الملوك أو الأنبياء الذين كلموا كلَّ الشعب. وأشكر الله من أجل هذه الدراسات وهذه الأنواع المختلفة من القيادة، إلا أن الدارسيين همشوا دراسة الحكماء في العهد القديم. ويهدف هذا المقال القصير إلى إبراز هذه الخدمة المتميزة.  

               لقد انتشرت الحكمةُ ودراسات الحكمة في الشَّرق القديم. ويتحدَّث الكتابُ المقدَّسُ عن حكمة المصريين إذ يقول "فتهذّب موسى بكلِّ حكمة المصريين، وكان مقتدراً في الأقوال والأعمال" (أع 7: 22). ويذكر النبي إرميا حكمة أدوم والعرب في تيمان ويتساءل "ألا حكمة بعد في تيمان؟ هل بادت المشورة من الفهماء؟ هل فرغت حكمتهم؟" (إر 49: 7). ولا شكَّ أنَّ حكمةَ العرب ظهرت في أيوب وأصحابه الذين من بني المشرق. ويجادلُ عددٌ من دارسي العهد القديم أنَّ أيوب البار كان عربياً وتدعم المخطوطات السَّبعينية اليونانية هذا التَّفسير. ويتحدث سفرُ دانيال عن حكمة البابليين (دا 1: 4) وعن المجوس والسَّحرة في مملكة نبوخذنصر (دا 1: 20). ويضيف النَّبي حزقيال إلى معرفتنا إذ يتحدَّث عن حكمة الفينيقين. ويقول أنَّ رئيسَ صور أحكمُ من دانيال لا يخفى عليه سرٌ وهو قدير في تحصيل النجاح (حز 28: 3 – 5). وأيَّدت الاكتشافات الأثرية انتشار الحكمة عند حضارات شعوب العالم القديم. ونحن جميعاً سمعنا عن حكمة اليونانيين، مثل حكمة ارسطو وأفلاطون وغيرهم. وعرفنا أيضا عن حكمة الرومانيين والصينيين القدامى وغيرهم. لقد انتشر أدب الحكمة في العالم. ومن الواضح أنَّ الحكمة تحتاج إلى حكماء. والحكماء والحكيمات هم نوع من القادة في إسرائيل البيبلي. فلننظر إلى بعض الأمثلة التي تتحدَّث عن خدمة ومكانة الحكماء في العهد القديم.

               بعد الحديث عن انتشار الحكمة في الشَّرق القديم لننظر بشكل محدد إلى شعب العهد القديم. يقتبس النَّبي إرميا كلمات أعدائه القائلة: "هلمَّ فنفكر على إرميا أفكارا، لأن الشريعة لا تبيد عن الكاهن، ولا المشورة عن الحكيم، ولا الكلمة عن النبي" (إر 18: 18). نستنبط من هذه الكلمات أن هذه الآية تعرض ثلاثة أنواع من القيادة: الكاهن والنبي والحكيم. ويبدو أن خدمة الحكيم هي المشورة. فما نوع هذه الخدمة وكيف تتم هذه المشورة؟

               عندما نفحص الكتاب المقدس بتدقيق سنجد عدة مراجع كتابية تتحدث عن الحكماء وعن خدماتهم. أولاً، يقول سفر أخبار الأيام: "ويهوناثان عم داود كان مشيرا ورجلا مختبرا وفقيها . . . وكان أخيتوفل مشيرا للملك وحوشاي الأركي صاحب الملك" (1 أخ 27: 32 – 33). يذكر النص ثلاثة حكماء زمن النَّبي داود. ويصف النصُ الأنسان الحكيمَ بالكلمات יועץ أي الشخص الذي يقدم النصائح والعظات البنّاءة. ويقول أيضا أن الحكيم هو מבין أي فهيم يستطيع أن يميز الأمور المتخالفة ويضعها في فكر واضح. وهو أيضاً סופר أي كاتب وباحث في الكتب وقضايا الحكمة. ولهذا يترجم فاندايك-بستاني الكلمة العبرية סופר بكلمة "فقيه". ثانياً، لم تكن خدمة الحكيم محصورة بالرجال مثل خدمة الكهنة عند بني إسرائيل. فهذه الخدمة تتشابه مع النبوة والقضاة إذ نجد فيها نموذجاً يتجاوز الجندرية. ويحدثنا النص المقدس عن بعض النساء اللواتي تميزن بخدمة المشورة والحكمة الإلهية. واُعتبرن مرجعاً فكرياً واجتماعياً ولاهوتياً من منظور الحكمة.

               يحدثنا سفر صموئيل الثاني عن المرأة الحكيمة من تقوع. لقد تعاونت هذه المرأة مع القائد يوآب لتنهي النزاع بين داود وابنه أبشالوم. تميزت هذه المرأة التقوعية بالجرأة والبلاغة اللغوية والفطنة. وكانت صانعة سلام إذ قالت للملك داود: "اذكر أيها الملك الرب إلهك حتى لا يُكثّر ولي الدم القتل" (2 صم 14: 11). واستخدمت كلّ ما في جعبتها من حكمة وبلاغة لتغيير موقف الملك وقراراته القضائية وسياسته نحو ابنه وشعبه. وكان رجاؤها أن يقبل الملك نصيحتَها (2 صم 14: 15) ويفهم الخير والشر (2 صم 14: 17). وهكذا نجحت المرأةُ في مسعاها وعاد أبشالوم إلى أورشليم. أضف إلى ما سبق، نجد قصة امرأة حكيمة أخرى في آبل بيت معكة. لقد جاء يوآب بجيشه ليُهلك المدينة. فكلمته هذه المرأة الحكيمة كسفيرةٍ عن كل البلد. وكلمته بسلطانٍ سياسي وروحي. وقالت له أنا مسالمة وأمينة وأنت طالب أنت تميت مدينة بأكملها. ففاوضته واتفقت معه أن تسلمه المذنب ليعفي عن المدينة. وخضع جميعُ الشعب لحكمتها. يقول الكتاب المقدس: "فأتت المرأة إلى جميع الشعب بحكمتها فقطعوا رأس شبع بن بكري وألقوه إلى يوآب، فضرب بالبوق فانصرفوا عن المدينة" (2 صم 20: 22). لقد نجَّت هذه المرأة المدينة من الدماء وجلبت بحكمتها السلام.

               إن الحكيم/الحكيمة في بني إسرائيل هو شخص يهتم بنشر السَّلام والحفاظ على تعليمات الله وتطبيقها. ويهتم الحكيم/الحكيمة بالإدارة وشؤون الممالك. ومن المواقف التي نرى فيها أدب الحكمة موقف أم لموئيل ملك مسا. فهذه الأم العربية تُعلّم ابنها الملك كيف يتصرف بحكمة وتتحدث أيضا عن صفات المرأة الفاضلة التي تجسد المرأة الحكيمة في إسرائيل البيبلي. ولا ينحصر وصف المرأة الفاضلة أو الحكيمة في إطار الزواج بل يظهر دورها أيضا في المجتمع إذ تمدحها أعمالها في الأبواب وتظهر علاقتها مع الله. فهي تتميز بالتقوى. وتفتح هذه المرأة فمها بالحكمة وفي لسانها سنة المعروف.

               في الختام، لا نستطيع أن نختزل القيادة في العهد القديم فنهمش أو نهمل الحكمة كأحد أنواع القيادة. فكما اعتبرنا الكاهن والنبي والقاضي والملك، يجب أن نعتبر أيضا الحكيم سواء أكان ذكرا أم أنثى. ويجب أن نطور روحانية الحكمة في بناء شعب الرب. ونشتاق أن تمتلئ كنائسنا وبلادنا من الحكماء والحكيمات الذين تتميز حياتهم بالتقوى والفهم والعلم والفضائل الأخلاقية والذهنية وصنع العدل والسلام. ونشتاق أن ينتشر هؤلاء الفقهاء والفقيهات في انتشار ملكوت الله ودحر ملكوت الشيطان. لله المجد.