كثيرًا ما نتحدث عن الإعاقة وكأنها تكشف لنا شيئًا عن الشخص ذي الإعاقة: قدراته، احتياجاته، حدوده، وما يستطيع أو لا يستطيع أن يفعله. لكن ربما يكون السؤال الأكثر إزعاجًا وصدقًا هو السؤال المعاكس:
ماذا تكشف الإعاقة عنّا نحن؟
الإعاقة لا تكشف فقط شيئًا عن الأشخاص ذوي الإعاقة؛ بل تكشف شيئًا عن غير المعاقين أيضًا. تكشف خوفنا من المحدودية، ومن فقدان السيطرة، ومن الاختلاف. وتكشف مدى تعلقنا بصورة معيّنة للإنسان: الإنسان القوي، المستقل، القادر، المنتج، والذي يستطيع أن يرسم حياته كما يشاء. وحين نقابل شخصًا لا تنطبق عليه هذه الصورة، قد نشعر بالقلق، ليس بالضرورة لأن حياته بلا معنى، بل لأن وجوده يهز بعض الأفكار التي اعتدنا أن نبني عليها مفهومنا عن "الحياة الجيدة".
توقفت طويلًا أمام كلمات Brian Brock في كتابه Wondrously Wounded، حيث يكتب انطلاقًا من حياته مع ابنه آدم، الذي لديه إعاقة ذهنية. يتحدث بروك بحب عميق عن آدم، لكنه يعترف أيضًا بخطر يمكن أن يختبئ داخل الحب نفسه: أن يبقى الشخص ذو الإعاقة في نظرنا طفلًا إلى الأبد (Brock, 2019).
هذه الفكرة لمستني، لأنها ذكرتني بمواقف أراها أحيانًا في العمل العلاجي. قد أسأل متعالجًا شابًا سؤالًا، فيلتفت مباشرة نحو أمه. تنتظر الأم لحظة، ثم تجيب عنه. لا تفعل ذلك لأنها تريد أن تسلبه صوته، بل لأنها اعتادت طوال سنوات أن تتكلم عنه، وأن تحميه، وأن تساعد الآخرين على فهمه. وربما قامت بهذا الدور في أوقات كان ابنها فيها بحاجة حقيقية إليها.
لكن ماذا يحدث إذا انتظرنا؟ أحيانًا، بعد صمت قصير، يجيب هو. ربما بجملة بسيطة، وربما يحتاج إلى وقت، لكنها جملته هو. وفي تلك اللحظة يصبح الأمر أكثر من تدريب لغوي. يصبح سؤالًا عن الكرامة: هل أسمح له بأن يكون صاحب صوته، حتى عندما يكون صوته أبطأ من صوتي؟
وفي مواقف أخرى، قد نجد شابًا أو شابة يتصرفان أحيانًا بطريقة طفولية رغم أنهما قادران على أكثر مما يظهر. ينتظران من الآخرين أن يختاروا عنهما، أو أن يقوموا بالمهام بدلًا منهما، أو أن يحمياهما من أي محاولة يمكن أن تكون صعبة.
من السهل جدًا أن نقول: "هو يتصرف كطفل." لكن ربما يكون السؤال الأصدق: هل تعلّم، عبر السنوات، أن الآخرين يتوقعون منه أن يبقى طفلًا؟
وهنا يجب أن نكون حذرين جدًا. فالوالدان لا يفعلان ذلك عادة من قلة المحبة، بل من كثرتها. إن الخوف على الابن أو الابنة، والخوف من الفشل، ومن جرح الآخرين، ومن الاستغلال، ومن مستقبل غير مضمون، قد يجعل الحماية شديدة إلى درجة أنها تصبح، دون قصد، حاجزًا أمام النمو.
وهذا يجعلني أسأل نفسي أيضًا كمعالجة: أين تنتهي المساندة ويبدأ القيام بالأمر بدلًا من الشخص؟ متى أحمي، ومتى أمنع إنسانًا من اكتشاف قدراته؟ متى أسانده، ومتى أرسّخ داخله فكرة أنه لا يستطيع بدوننا؟
هذه ليست أسئلة للأهل وحدهم، بل للمعالج، وللمعلم، وللكنيسة أيضًا. فالكنيسة قد تعامل الشخص ذا الإعاقة أحيانًا كمن يحتاج دائمًا أن يُخدَم، لكنها لا تسأل بالقدر نفسه: ما هي موهبته؟ ماذا يستطيع أن يعطي؟ ماذا يمكن أن نتعلم منه؟
وهنا يصبح كلام الرسول بولس شديد القوة: "بَلْ بِالأَوْلَى أَعْضَاءُ الْجَسَدِ الَّتِي تَظْهَرُ أَضْعَفَ هِيَ ضَرُورِيَّةٌ" (1 كورنثوس 12: 22).
لم يقل بولس إنها تستحق الشفقة، بل قال: ضرورية. وهذا يغير كل شيء. الشخص ذو الإعاقة ليس فقط شخصًا نسمح له بأن يكون بيننا، بل عضو يحتاج إليه الجسد. ليس فقط متلقيًا للمحبة، بل يمكن أن يكون معلمًا للمحبة. وليس فقط موضوعًا للرعاية، بل صاحب موهبة وحضور وشهادة.
وهنا تضع الإعاقة المرآة أمامنا من جديد. لماذا نخاف منها؟ ربما لأنها تذكّرنا بأننا لسنا مسيطرين كما نتخيل، وأن أجسادنا يمكن أن تضعف، وأن قدراتنا يمكن أن تتغير، وأننا جميعًا، مهما بدونا مستقلين، نحتاج إلى الآخرين.
الإعاقة تزعزع وهم الاستقلال الكامل، وتكشف وهم الكمال أيضًا. فكم مرة ربطنا قيمة الإنسان بقدرته على الإنجاز؟ بالذكاء؟ بالكلام؟ بالعمل؟ بالاستقلال؟ وبأن يبدو مثلنا؟
لكن الكتاب المقدس لا يقول إن الإنسان على صورة الله لأنه قوي أو مستقل أو منتج، بل يقول: "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ" (تكوين 1: 27).
صورة الله لا تُقاس بمعدل الذكاء، ولا بعدد الكلمات، ولا بدرجة الاستقلال، ولا بالقدرة على العمل. إن كانت كرامة الإنسان مرتبطة بهذه الأشياء، فسنجد جميعًا أنفسنا يومًا ما في خطر فقدانها. أما إذا كانت كرامتنا تبدأ من كوننا مخلوقين ومحبوبين من الله، فالأمر مختلف تمامًا.
عندها لا يصبح السؤال: كيف نجعل الشخص ذا الإعاقة أقرب إلى الصورة التي نفضلها؟ بل: كيف نساعده ليكون أكثر حضورًا، وأكثر مشاركة، وأكثر قدرة على التعبير عن ذاته، وعلى أن يصبح الشخص الذي خلقه الله ليكونه؟
وهذا يتطلب أحيانًا شجاعة خاصة من الأهل ومنّا جميعًا: شجاعة الانتظار بدل الإجابة، وشجاعة السماح بالمحاولة، وشجاعة احتمال بعض الفشل، وشجاعة ترك مساحة للاختيار. فالحب الحقيقي لا يحمي دائمًا من كل خطر؛ أحيانًا يمنح أيضًا مساحة للنمو.
ليس سهلًا على أي والد أن يسمح لابنه بأن يكبر. وقد يكون الأمر أصعب بكثير عندما يكون الابن ذا إعاقة، وحين تكون المخاطر حقيقية.
ولهذا لا أكتب هذه الكلمات لألوم أهلًا يحاولون بكل ما لديهم أن يحموا أبناءهم، بل لأدعونا جميعًا إلى أن نفحص الخوف المختبئ أحيانًا داخل محبتنا: هل أخاف عليه، أم أخاف أنا من رؤيته يفشل؟ هل يحتاج إلى مساعدتي الآن، أم أنني اعتدت أن أساعده؟ هل أرى الشخص الذي أمامي اليوم، أم ما زلت أراه كما كان قبل عشر سنوات؟
ربما تكون إحدى أعمق رسائل لاهوت الإعاقة أنها لا تدعونا فقط إلى تغيير نظرتنا إلى الشخص ذي الإعاقة، بل إلى مراجعة نظرتنا إلى الإنسان نفسه.
فالإنسان ليس قيّمًا لأنه مستقل، وليس محبوبًا لأنه ناجح، وليس كاملًا لأنه لا يحتاج إلى أحد. نحن جميعًا مخلوقات محدودة، تعتمد بعضها على بعض، وتجد كرامتها في علاقتها بالله وفي انتمائها إلى جماعة لا تقول للعضو الأضعف: "لا حاجة لي إليك."
لذلك، ربما لا تكون دعوتنا الأولى أن نسأل كيف نجعل الشخص ذا الإعاقة أكثر شبهًا بنا، بل كيف نصبح نحن جماعة أكثر قدرة على أن تراه، وأن تسمعه، وأن تمنحه مكانًا حقيقيًا ليشارك ويختار وينمو ويعطي.
عندها لا تعود الإعاقة مجرد "موضوع" للرعاية أو الخدمة، بل تصبح دعوة إلى التوبة من مقاييس القوة والكمال التي صنعناها، ودعوة إلى شكل أعمق من المحبة: محبة لا تكتفي بالحماية، بل تفسح المجال؛ لا تتحدث بدل الآخر، بل تنتظر صوته؛ ولا ترى فيه شخصًا يحتاج إلينا فقط، بل عضوًا قد نكتشف أننا نحن أيضًا بحاجة إلى حضوره.
ربما تكمن قوة الإعاقة هنا بالذات: أنها لا تسألنا فقط كيف سنعامل المختلف، بل أي نوع من البشر، وأي نوع من الكنيسة، نريد أن نكون.
المراجع
Brock, B. (2019). Wondrously wounded: Theology, disability, and the body of Christ. Baylor University Press.


RSS