• ليلة القدر بين المسيحية والاسلام - القس عازر عجاج
ليلة القدر بين المسيحية والاسلام - القس عازر عجاج

يظن البعض (مسيحيون ومسلمون ويهود) أننا عندما نتكلم عن الحوار بين الأديان، فنحن نتكلم على إطار مبني على حلول وسط لقناعاتنا الدينية المختلفة، يعتمد بالاساس على التشديد على الامور التي نتفق عليها وعلى تجاهُل أمور جوهرية أخرى في إيمان كل واحد منا ستسبب مشاكل لحوارنا، ولذلك نركنها جانباً. وبناءً على ذلك، لا يبقى هذا إطارًا  للحوار والنقاش، بل تصنُّع وحدة واتفاق على أمور غالبًا ما تكون غير موجودة. وشخصياً، أرى أن الحوار يجب أن يعتمد على أمرين مهمين:

أولاً، نحن نتحاور لاننا مختلفون كل الاختلاف في قناعاتنا الدينية والروحية، ولذلك يجب أن يُظهر حديثنا وحوارنا بصورة واضحة إيماننا بمبادئنا وتمسكنا بها. فعدم التحدث عمّن نحن ولماذا نحن مختلفون سيُفقد حوارنا أي معنى ولن يحقق الأهداف المرجوة من الحوار. ثانياً، نحن نتحاور لنؤكد على أهمية التفاهم المتبادل، ورؤية الآخر كإنسان مخلوق على صورة الله. ولذلك أنا أحترم حريته بأن تكون له قناعات دينية مختلفة، حتى وإن كنت لا أتفق معه عليها جملة وتفصيلاً، فالنقطة هنا احترام حريته، وإعلاني أنه يمكنني التحدث والحوار مع من هو مختلف عني.[i]

وبناء على ما تقدم، أرغب في إلقاء نظرة على موضوع "ليلة القدر"، وبواسطتها مناقشة فكرة السماء المفتوحة وأساس التواصل مع الله كما نجده في الإسلام والمسيحية.

ليلة القدر[ii]

تتعدد التفاسير لدى العلماء المسلمين لسبب تسمية هذه الليلة بـ "ليلة القدر". فيذهب البعض الى أنها سميت كذلك بسبب قدرها وعظمتها، إذ فيها أُنزل أعظم كتاب. ويذهب آخرون بالقول إنها "ليلة القدر" لأنه فيها قُدّر للناس ما سيصيبهم خلال السنة، فالله سيحدد في هذه الليلة أقدار الناس. ويقول فريق ثالث بأنها سميت بهذا الاسم بسبب الضيق الذي يحدث في الارض بسبب ازدحامها بالملائكة (فتؤخذ كلمة "قدر" هنا بمعنى "ضيق"). والمهم هنا أنه، وبغض النظر عن سبب التسمية، تحسب هذه الليلة من أهم الليالي إطلاقًا عند المسلمين، بها يتمسك المسلم، المُخلص لإيمانه، ويقيم فيها الصلوات والأدعية الليل كله، راجياً غفران ذنوبه، وفرج كربته، وشفاء مرضه، وخلاص من محنته، وفيها تنزل الملائكة على المؤمنين بالخير والبركة. ونجد أن الكثير من المسلمين مخلصين في دعواهم، مصدّقين كل التصديق ما أتاهم عن هذه الليلة من حديث وتأويل، دون السؤال عن سبب لاهوتي أو منطقي يبرر أفضلية هذه الليلة عن باقي ليالي السّنة. وهذا لا يقلل من صدق الكثيرين من الذين يرفعون عيونهم للسماء ضارعين لله، طالبين العون، والغفران، والشفاء والشفاعة، والهداية.

بالمقابل تتحدث المسيحية أيضًا عن سماء مفتوحة، لكنها لا تربطها بليلة معينة ولا بيوم، بل ببداية عهد جديد مرتبط بقدوم المسيح لهذا العالم. فنراه يعلن في بداية خدمته: "الحق الحق أقول لكم: من الآن ترون السماء مفتوحة، وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان" (يوحنا 51:1). والمهم هنا، أن هذا الاعلان ليس بالكلام فقط، فلو تتبعنا حياة المسيح من خلال ما دوّنه يوحنا سندرك أن الله فتح السماء بواسطة عمل المسيح، وبركة السماء نزلت لأرضنا، حيث نجد المسيح يشفي المرضى، ويشبع الجموع، ويسير على الماء، ويفتح أعين الأعمى، ويقيم الميت ويعطيه حياة، ويعزي المحزونين ويملأُهم سلامًا. فيه ظهر مجد الله، وفيه إجتمعت النعمة والحق. ومع عظمة قدر هذه الامور إلا أن يوحنا يريدنا أن نرى ما هو أعظم، فهو يريدنا أن ندرك أن السماء ستبقى مفتوحة والعلاقة بالله تصبح متاحة لكل من يؤمن بالمسيح، بصليبه وقيامته. عندها خير الله ورحمته لن يأتيانه مرة في السنة، بل سيتبعانه كل أيام حياته.

إن تمسك الكثيرين بليلة القدر لهو شهادة عن حاجة الانسان وشوقه للتواصل مع إله محب ورحيم، سميع ومجيب، يشعر بألم البشر ويرثي لضعفاتهم. فلماذا لا نعيش هذه الليلة كل يوم من أيام حياتنا من خلال يسوع المسيح؟

 

 [i]  أنا طبعاً مدرك هنا أن أساس الذي أقدم حجتي للحوار مبني على مبادئ المسيحية، كالحق، وصورة الله في الانسان. وقد لا يفسرها الآخر مثلي.

[ii]  إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر. تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر. سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر.(سورة القدر)