• الحياةُ الأفضلُ - قراءةُ إنجيلَ يُوحَنَّا بعيونٍ مسيحيةٍ فلسطينيةٍ 10 – بقلم القِس البروفيسور حنّا كتناشو
الحياةُ الأفضلُ - قراءةُ إنجيلَ يُوحَنَّا بعيونٍ مسيحيةٍ فلسطينيةٍ 10 – بقلم القِس البروفيسور حنّا كتناشو

يتحدَّثُ يُوحَنَّا عن قصةِ إقامة لعازر من بين الأمواتِ ويَرْبُطُها بقصةِ دَهن الرَّبِّ بطيبٍ. ويقولُ الكتابُ المقدَّسُ: "وكان إنسانٌ مريضاً وهو لعازرُ، من بيت عنيا من قرية مريم ومرثا أختها. وكانت مريمُ، الَّتي كان لعازرُ أخوها مريضاً، هي الَّتي دهنت الرَّبَّ بطيبٍ ومسحت رجليه بشعرها" (يُوحَنَّا 11: 1 – 2). وعندما ننتقل إِلى الفصل الثَّاني عشر، وفي مقدمة قصة سكب مريم الطِّيب على يسوعَ، نجدُ ما يلي: "ثُمَّ قبل الفصح بستة أيامٍ أتى يسوعُ إِلى بيت عنيا، حيث كان لعازرُ الميتُ الَّذي أقامه من الأمواتِ" (يُوحَنَّا 12: 1). من الواضح أَنَّ يُوحَنَّا يريدُ منا قراءة القصتين معاً. ولا يستطيع القارئُ أَنْ يفهمَ مُقدِّمةَ قصة لعازرَ بوضوحٍ دونَ أَنْ يستمرَ في القراءةِ للفصل الثَّاني عشر من إنجيلَ يُوحَنَّا. إذ أصبح لعازرُ آيةً تُعَبِّرُ عن العصر الدَّاودي الَّذي يَقُومُ فيه الشَّعبُ من القبورِ وينتهي فيه السَّبي. فإن كان يسوعُ قد شفى الأعمى كدليلٍ على بزوغِ العصر الدَّاودي ألا يشمل ذلك العصر قيامة الأموات. قال بعضُ اليهود عن لعازر: "أَلم يقدر هذا الَّذي فَتَحَ عيني الأعمى أَنْ يجعل هذا أيضاً لا يموت" (يُوحَنَّا 11: 37). وأَضَافَ الكتابُ المُقدَّسُ: "فعلم جمعٌ كثيرٌ من اليهود أَنَّه هناك، فجاءوا ليس لأجل يسوع فقط، بل لينظروا أيضاً لعازر الَّذي أقامه من الأموات. فتشاور رؤساءُ الكهنة ليقتلوا لعازر أيضاً، لأن كثيرين من اليهود كانوا بسببه يذهبون ويؤمنون بيسوع" (يُوحَنَّا 12: 9 – 11). وهنا لا بد من إضافة بعض الملاحظاتِ المتعلقةِ بقصةِ لعازرَ.

                لقد مَرِضَ لعازرُ. فأرسلت الأُختان مريم ومرثا إِلى يسوعَ قائلتين: "يا سيِّدُ هوذا الَّذي تحبُهُ مريضٌ" (يُوحَنَّا 11: 3). غادَرَ رسولُ مرثا ومريم بيت عنيا عندما كان لعازرُ مريضاً ولكنَّ لعازر مات بعد رحيل الرَّسول. لمْ يَعلم الرَّسولُ بموت لعازر فأَخْبَرَ يسوعَ عن مرض لعازر. أَمَّا يسوعُ فمَكَثَ في موضعه يومين (يُوحَنَّا 11: 6)، ثُمَّ رَحَلَ وَوَصَلَ إلى لعازرَ الَّذي كان له في القبرِ أربعة أيامٍ (يُوحَنَّا 11: 17). اعتقد اليهودُ أَنَّ الروحَ تحومُ حولَ الجسد مدة ثلاثة أيامٍ وبعد ذلك تُغادر. ولا يستطيع أحدٌ أَنْ يُعيدَ الرُّوحَ بعدَ اليوم الثَّالث إلا الله وحده.[1] بالرَّغم من ذلك: لمّحت مرثا أَنَّ اللهَ يمنح المسيحَ كلَّ ما يطلبه حتَّى ولو كان إقامة ميتٍ صار له أربعة أيامٍ في القبر. فلقد قالت: يا سيِّدُ لو كنت ههنا لم يمت أخي! لكنِّي الآنَ أعلمُ أَنَّ كلَّ ما تطلب من الله يعطيك اللهُ إياه" (يُوحَنَّا 11: 21 – 22). وبعد الحديث عن قيامة لعازر في اليوم الأخير مع باقي شعب الرب. فاجَأَ المسيحُ مرثا بقوله: "أنا القيامةُ والحياةُ، من آمن بي ولو مات فسيحيا" (يُوحَنَّا 11: 25). وهكذا نجدُ أَنَّ يُوحَنَّا يُعيد قراءةَ الحياة والقيامة في ضوءِ مركزية يسوع. فيُحَوِّلَ القيامةَ من حدثٍ إلى شخصٍ إِذ أَنَّ المسيحَ مصدرُ الحياةِ وينبوع الانتصار على الموت بكُلِّ أَشكاله. فمن يؤمن به لَنْ يموت إَلى الأبد (يُوحَنَّا 11: 26). وبدلاً من انتظار القيامة واليوم الأخير يبزغُ فجرُ آخر الأيامِ في المسيح وفي العصر الدّاودي الّذي نجد فيه القيامةَ. ولكي يُبرهِّنَ المسيحُ أَنَّه القيامةُ ليس للعازر فحسب بل لكل الشَّعب وكل العالم ذهب ليواجه الموتَ في قبر لعازر. فصار عمله في إقامة لعازر تعبيراً أو برهاناً لإدعائه أَنَّه القيامةُ والحياةُ. وما عمله المسيحُ عند قبر لعازر يُشبه ما قاله الرَّبُّ لشعبه في سفر حزقيال. قال الرَّبُّ: "أفتح قبورَكم وأُصعدكم من قبوركم" (حزقيال 37: 12). وهكذا طَلَبَ يسوعُ منهم أَنْ يفتحوا القبرَ ثُمَّ أَمَرَ الميت أَنْ يَخْرُجَ من قبره. لا نعلم أَيْنَ كانت روحُ لعازر ولكنَّها سمعت أَمْرَ المسيح فعادت إلى الجسد. فصنعَ المسيحُ الآيةَ الَّتي تُبيِّن أَنَّه القيامةُ والحياةُ وأنَّه نهايةُ كل أنواع الموت والسَّبي.

                ولا شكَّ أَنَّ لعازرَ مات مرتين وقُبرَ مرتين. أَقَامَه المسيحُ ولكنَّه مات ثانيةً. وإِقامةُ لعازر الأولى علامةٌ على قُدرةِ المسيح في منحه القيامة الثَّانية الَّتي لن يستطيعَ الموتُ أَنْ يسلُبها. إلا أَنَّ قيامةَ لعازر الثَّانية مرتبطةٌ بموت المسيح. ولهذا ارتبطت قصةُ إقامة لعازر بقصةِ سكب الطِّيب. فلنتأمل بهذه القصةِ. لقد أخذت مريمُ طيباً ثميناً، ودهنت قدمي يسوع بشعرها. وشعرُ المرأة هو مجدُها. اعترض يهوذا الإسخريوطي على هذا العمل مدَّعياً أَنَّه تبذيرٌ للموارد إذ أَنَّ الطِّيبَ ثمنه نحو 300 دينار. وأجرةُ العامل ليومٍ واحدٍ هو دينارٌ واحدٌ. وهكذا يكونُ ثمنُ الطِّيب 300 يوم عمل أي نحو أُجرة سنةٍ كاملةٍ. فإن كانت أُجرةُ العامل الشَّهرية نحو 1500 دولار فنحن نتحدث عن طيبٍ ثمنه يساوي 18000 دولار. سكبت مريمُ الطِّيبَ في يومٍ واحدٍ لتُكْرِمَ يسوعَ. رفض يسوعُ اعتراض يهوذا، وربط عملَ مريم بتكفينه، أي بموته ودفنه. وهكذا رَبَطَ يُوحَنَّا قصةَ إقامة لعازر بموت المسيح. وفي الواقع أضافت إقامةُ لعازر سبباً جديداً للتَّخلص من يسوع. فلقد شهد الجمعُ أَنَّ يسوعَ "دعا لعازر من القبر وأقامه من الأموات" وطَلَبَ الجمعُ يسوعَ بسبب هذه الآية (يُوحَنَّا 12: 17 – 18). ووَصَفَ يُوحَنَّا إقامة لعازر بكلمة "آية" ليُؤكد إشارتها إِلى حقيقةٍ أَبعد من قيامة لعازر. وفي ضوءِ النِّظام العالمي الَّذي يُقدِّمه يُوحَنَّا تزدادُ قناعتُنا بأَنَّ يُوحَنَّا يُعيد قراءة مفهوم الحياة والقيامة، فَيُقَدِّمُ يُوحَنَّا المسيحَ كآدمَ الثَّاني الَّذي يعالج مشاكلَ آدم الأوَّل. دعونا نوضّح هذا الأمر.

                لقد أشار كثيرٌ من العلماء إِلى المُشابهة بين إنجيل يُوحَنَّا 1 وسِفر التَّكوين 1-2.[2] وتضيفُ جيني براون آراءً مهمةً تتصلُ بفكرة الخليقة الجديدة في إنجيلَ يُوحَنَّا إذ نَفَخَ يسوعُ الرُّوحَ القُدُسَ في إنجيل يُوحَنَّا 20: 22، تماماً مثلما جاء في سِفر التَّكوين 2: 7 عندما نفخ اللهُ روحَه.[3]

وجَبَلَ الرَّبُّ الإله آدمَ تراباً من الأرض، ونفخَ في أَنفه نسمةَ حياةٍ فصارَ آدمُ نفساً حيةً (تكوين 2: 7)

ولما قالَ هذا نفخَ وقالَ لهم: اقبلوا الرُّوحَ القُدُسَ (يُوحَنَّا 20: 22)

 

وكلا المشهدين كان في بُستانٍ (انظر يُوحَنَّا 18: 1؛ 26 ؛ 19: 41 ؛ 20: 15). ففي البُستان الأوَّل سَقَطَ آدمُ ودَخَلَت لعنةُ الموتِ إِلى عالمنا، ولكن في البُستان الثَّاني كان آدمُ الثَّاني قادراً على قهرِ أيِّ إغراءٍ وحوَّل القبرَ إِلى ينبوع حياة. وهذه الحياة ستُغيِّر العالمَ بأسره. وتظهر هذه الحياة بتجسد المسيح فيُعْلِن يُوحَنَّا أهميةَ قبوله إِذْ يقول: "وأَمَّا كلُّ الَّذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أَنْ يصيروا أولادَ الله" (يُوحَنَّا 1: 12). وهكذا يبدأُ يُوحَنَّا بقبول الله الابن ولكنَّه ينتهي بقبول الله الرُّوح القُدُس إِذْ يَنفخ المسيحُ ثُمَّ يقولُ لتلاميذِه: "اقبلوا الرُّوحَ القُدُسَ" (يُوحَنَّا 20: 22). ويرى يُوحَنَّا أَنَّ قبولَ يسوع والرُّوح القُدُس هو الطريقُ إلى الحياة وإلى نظامِ العالمِ الجديد. وهو أيضاً طريقُ يُوحَنَّا إِلى إعادة بناء اليهودية الفَرّيسيّة. ولا يقود ذلك إلى مقاربةِ استبدال الشَّعب اليهودي أو إِلى الإدعاء أَنهم لُعِنوا بسبب صلب المسيح، ولا إلى السَّعي إِلى إقصاء أَيَّة فئةٍ إثنيةٍ، بل إِلى تسليط الضُّوء على مركزية يسوع المسيح مخلّص العالم أَجمع. فإنَّ المسيحَ لا يرفض إسرائيلَ بل يَحْرِصُ على تحقيق آمالها الأشد عمقاً ببزوغ العصر الدَّاودي في تجسده وموته وقيامته.

 

ملحوظات ختامية تتعلق بكتاب الآيات (يُوحَنَّا 1 – 12)

                أَثبتُّ حتَّى الآنَ أَنَّ يُوحَنَّا في إنجيله يُقدِّمُ نظامَ عالمٍ جديدٍ يُفكِّك فيه العناصرَ الرئيسيةَ في اليهودية الفريّسيّة ويُعيد بناءها في علاقتها بالمسيح الشُّمولي. وثمةُ عدّة معانٍ متضمنة ومتصلة بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي. أولاً، يحتاجُ اليهودُ والفلسطينيون إِلى مقاومةِ إغراء تحقيق المكاسب السِّياسية بناءً على هوية المسيح. فالمسيحُ إِنسانٌ كاملٌ ويستطيع أَنْ يُمَثِّلَ كُلاً من الفلسطينيين واليهود، وإِنسانيةُ المسيحِ يتعذرُ تعريفها بطريقةٍ إقصائيةٍ. وهذا ما نراه في طريقة التَّعريف الخلقيدوني الَّذي يرى المسيحَ إِنساناً كاملاً يُمِثِّلُ كلَ إنسانٍ. ومن المهم حقاً أَنْ نفهمَ طبيعةَ المسيح الَّذي نتبعه، فليس هو المسيح الَّذي يرفضَ الفلسطينيين واليهودَ أو أيَّ شخصٍ آخرَ وليس هو المسيح الَّذي يُقصي الآخرينَ عن الحوارِ لأنَّ اللهَ يُحبُ جميعَ النَّاسِ، إِذْ هُمْ مخلوقون على صورته ومثاله، ولهذا فنحن نحترمُ جميعَ النَّاسِ دونَ استثناءٍ. وكلُّ إنسانٍ هديةٌ من الله، فضلاً عن قيمته الإنسانية ليس لأنَّ اللهَ خلقها على صورته فحسب ولكنَّها أيضاً مرتبطة بتأنس الله. فارتقت الإنسانيةُ بتأنُس الله.[4] ثُمَّ رأينا الارتقاءَ بقيمة الإنسان وتحويل المخلوق السَّاقط إلى مُمجّدٍ بفضل ما قام به المسيحُ. ولا شكَّ في أَنَّ المسيحَ وُلدَ في ثقافةٍ يهوديةٍ، ولكنَّ هويتَهُ الإنسانية أَعادَتْ تعريفَ اليهوديةِ بطرائق شموليةٍ. وبكلماتٍ أخرى، من خلال المسيح، أضحت اليهوديةُ التَّاريخيةُ لا تنفصِل عن اليهوديةِ الأُخروية. فليس المسيحُ يهودياً تاريخياً فحسب بل هو يهوديٌ أُخرويٌّ أَعظم من أَنْ يُقارنَ بأحدٍ إِذْ يُعيدُ تعريفَ اليهوديةِ بطرائق شموليةٍ، ويُجَسِدُ أَبعدَ آمالها. فهو إنسانٌ كاملٌ ويستطيع أَنْ يُمَثِّلَ البشرَ جميعهم.

ثانياً ، إِنَّ إدراكَنا لمفهوم المكان المُقدَّس ووعود الأرض ينبغي أَلَّا ينفصل عن النَّظرة إِلى العالم من خلال مركزية المسيح، وأي تفسير جدير بالثِّقة للعهد القديم ينبغي أنْ يضعَ في الاعتبار إعادة قراءة العهد الجديد لليهودية الفَريّسيّة وعناصرها الرَّئيسية كما أَوضحها إنجيلُ يُوحَنَّا. إضافة إِلى ذلك، إِنَّ إدراكَنا للهيكل والسَّبت والخروج ولتقاليد البريِّة والانتماء إلى أولاد إبراهيم ذكوراً وإناثاً وللأرض المقدَّسة ينبغي أنْ يتأثَّرَ بالنَّظرة إلى العالم من خلال مركزية المسيح، وربما إلى إعادة تعريف مكونات الإيمان من خلال هذه المركزية. فالمسيحُ يجب أَنْ يُستعادُ إلى مركزية التَّفسير. وبما أنَّ المسيحَ إنسانٌ كاملٌ، فإنَّ الفلسطينيين واليهودَ يستطيعون أَنْ يروا فيه بَطَلَهُمْ ومُخلِّصَهم. فكيف سيبني المسيحُ هذه الجماعة الجديدة الَّتي تؤمن بمسيحٍ شموليٍ. سيُجيب يُوحَنَّا عن هذا السُّؤال في كتاب المجد (يوحنا 13 – 21).[5]

 

 

[1]  للمزيد من المعلومات راجع التعليقات على لاويين 15: 1 في المرجع اليهودي التالي: Leviticus Rabbah 18: 1.

[2] George R. Beasley-Murray, John (2nd ed.; WBC 36; Nashville: Thomas Nelson, 1999), 380-81; Thomas Brodie, The Gospel according to John: A Literary and Theological Commentary (Oxford: Oxford University Press, 1993), 569; D. A. Carson, The Gospel according to John (Grand Rapids: Eerdmans, 1991), 651; Andreas Kostenberger, John (Grand Rapids: Baker Academic, 2004), 575; Andrew Lincoln, The Gospel according to Saint John (Peabody: Hendrickson, 2005), 499.

[3] Jeannine Brown, “Creation’s Renewal in the Gospel of John,” CBQ 72 (2010): 275–290

[4]  رفيق خوري، من أجل حدود مفتوحة بين الزمن والأبدية: الحضور المسيحي في المشرق العربي بين الماضي والحاضر والمستقبل (بيت لحم: مركز اللقاء، 2014)، 145.

[5]  يستخدم شارحو إنجيل يوحنا المصطلح كتاب المجد أو كتاب الساعة ليدلوا على يوحنا 13 – 21. وتظهر كلمة "ساعة" في بداية يوحنا 13. راجع،

Raymond Brown and Francis Moloney, An Introduction to the Gospel of John (New York: Doubleday, 2003), 307 – 315.