• كتابُ السَّاعة - قراءةُ إنجيلَ يُوحَنَّا بعيونٍ مسيحيةٍ فلسطينيةٍ 11 – بقلم القِس البروفيسور حنّا كتناشو

بعدَ أَنْ رأينا لاهوتَ المسيح الشُّموليِّ الَّذي يُعْلِنُهُ الرَّسولُ يُوحَنَّا في كتابِ الآياتِ (يُوحَنَّا 1 – 12)، آن الأوانُ لنُبرزَ تعاريجَ كتاب السَّاعةِ (يُوحَنَّا 13 – 21). وهو يُدعى أيضاً كتابُ المجد. تبدأُ الوحدةُ الأدبيةُ بالكلمات: "أمَّا يسوع قَبْلَ عيد الفصح، وهو عالمٌ أنَّ ساعتَه قد جاءت" (يُوحَنَّا 13: 1). والسَّاعةُ هي صلبُ المسيح وموتُه وهي طريقُ المجدِ. ولقد ناقشنا مفهومَ السَّاعة عندما شرحنا عُرسَ قانا الجليل أعلاه. ويبدأُ كتابُ الآياتِ بالتَّأنس وينتهي بموتِ المسيحِ وقيامته، ولهذا يتشابه معَ كتاب السَّاعة الَّذي يبدأُ بتنازلِ المسيح كخادمٍ دلالةً على تأنسه وتواضعه المُذهل (يُوحَنَّا 13) ثُمَّ ينتهي بموته وقيامته (يُوحَنَّا 18 – 21).

 

كتاب الآيات (يُوحَنَّا 1 – 12)                     كتاب السَّاعة (يُوحَنَّا 13 – 21)

يبدأُ بالتَّأنس                                          يبدأ بتنازل المسيح كخادم

ينتهي بموت المسيح وقيامته                 ينتهي بموته وقيامته

 

يستهلُّ كتابُ الآيات سطورَه بالقول: صار الكلمةُ بشراً وحلَّ بيننا (يُوحَنَّا 1: 14).[1] ويختتم صفحاته بحديثه عن تكفين يسوع (يُوحَنَّا 12: 7) وعن حبة الحنطة الّتي ستموت ثُمَّ ستأتي بثمرٍ كثيرٍ (يُوحَنَّا 12: 24). أمَّا كتاب السّاعة فإنَّه يُظهر يسوعَ الخادمَ ويُبيِّن أَنَّ خدمتَه ضروريةٌ للحصول على الميراث. يقول يسوعُ لبطرسَ: "إن كُنتُ لا أغسلُكَ فليس لكَ معي نصيبٌ" (يُوحَنَّا 13: 8). وينتهي كتابُ السَّاعةِ بعرض أحداث موت المسيح وصلبه وقيامته. وتبرز بين طيّات كتاب السّاعة هويةُ جماعةِ المسيح.

 

يُشدِّدُ كتابُ السَّاعة على هويةِ هذه الجماعة. وثمةُ سُباعيةٌ أخرى في إنجيلَ يُوحَنَّا. تَصِفُ هذه السُباعيةُ جماعةَ المسيح كما يلي: هُمْ جماعةُ المحبةِ (يُوحَنَّا 13)، والجماعةُ المضطهَدةُ (يُوحَنَّا 14، 17)، وجماعةُ الرُّوح (يُوحَنَّا 14، 16)، وجماعةُ الكرمة (يُوحَنَّا 15)، وجماعةُ الوحدة (يُوحَنَّا 17)، وجماعةُ الصَّليب (يُوحَنَّا 18 – 19)، وجماعةُ القيامة (يُوحَنَّا 20 – 21). وأُفَضِّلُ استخدام كلمة "جماعة" بدلاً مِنْ تجمُّع أو مُجتمع. التَّجمعُ هو مجموعةٌ من النَّاس يلتقون معاً ولا تجمعهم بالضرورة قناعاتٌ عميقةٌ وثقافةٌ مشتركةٌ. المجتمعُ هو أفضلُ من التَّجمع إِذْ نجدُ فيه هدفاً أو أهدافاً مشتركةً. أمَّا الجماعةُ فتسمو على التَّجمع والمجتمع إِذْ يعيشُ فيها الأشخاصُ معاً ويربطهم هدفٌ مشتركٌ ومحبةٌ متبادلةٌ ويتميّزون بروحٍ جماعيةٍ وبتقديم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد.[2]

 

ولقد قرأَ يُوحَنَّا العهدَ القديمَ بطريقةٍ تؤكد مركزيةَ المسيح الشُّمولي كما شرحناها أعلاه. والآنَ يُعرِّف يُوحَنَّا شعبَ الله في ضوء العلاقةِ مع يسوعَ المصلوبِ الّذي ماتَ ثُمَّ قامَ من بين الأموات. ويُؤكِدُّ يُوحَنَّا أنَّ المسيحَ يهوديٌّ فلقد جاء إلى خاصَّتِهِ ولكنَّهم لمْ يقبلوه (يُوحَنَّا 1: 11)، وأَعلَم المسيحُ السَّامريةَ أَنَّ الخلاصَ هو من اليهود (يُوحَنَّا 4: 22)، أي أنَّ المسيحَ المُخلِّصَ سيأتي من اليهود. وكان أتباعُهُ ورسلُه من اليهود. وقال له بيلاطسُ: "ألعلِّي أنا يهوديٌّ؟ أُمَّتُك ورؤساء الكهنة أسلموك إليَّ" (يُوحَنَّا 18: 35). وعندما صُلب المسيحُ كتبَ بيلاطسُ عنواناً ووضعه على صليبِ المسيح. وكان مكتوباً عليه: "يسوع النَّاصري ملكُ اليهود" (يُوحَنَّا 19: 19). بإيجازٍ، لَمْ يستبدل يسوعُ اليهوديةَ بالمسيحية بل حققَّ أحلامَ اليهوديةِ في شخصه. هو المسيحُ الّذي انتظرته الأجيالُ والّذي فيه تتحقق أحلامُ إسرائيل التوراتية. وبدونه لا يقدر إسرائيلُ أن يفعل شيئا (يُوحَنَّا 15: 5)، بل يصبح غصناً غير مثمر يُطرح خارجاً ويحترق (يُوحَنَّا 15: 6). قسمَ يُوحَنَّا اليهودية إلى قسمين: يهودية الحياة ويهودية الموت. الأولى ستثمر حياة أبدية أم الثّانية فهي طريق الموت ومعاداة الله بحسب منظور يُوحَنَّا. قال يُوحَنَّا: "الّذي يؤمن بالابن له حياةٌ أبدية والّذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله" (يُوحَنَّا 3: 36). بكلمات أخرى، يسوع المسيح هو ابن آدم وابن إبراهيم وابن داود وموسى الجديد وهو اليهودي المثالي المتفرد بعصمته والّذي سيجعل اليهوديةَ بركةً لكل الشّعوب. ولكنَّها ليست يهودية الفَرّيسيّين الضَّيقة الأُفق، بل يهودية المسيح الشُّمولية الّتي تعانق الله بقداسة المسيح وتعانق العالمَ كلّه بمحبة الله. وتصير يهوديةُ المسيح جسرا لخلق إسرائيلَ من جديدٍ. فخطة الله لإسرائيل القديم هي المسيح. هو وحده الطَّريق والحقُّ والحياة. فكما نفح الله في جبلة التُّراب فصار آدمَ نفساً حياً، نفخ المسيحُ في تلاميذه اليهود فقبلوا الرُّوح القُدس. وكما دعا الله إسرائيل بابنه البكر (خروج 4: 22) دعا المسيحُ تلاميذَه اليهود بأولاده (يُوحَنَّا 13: 33). المسيحُ هو إسرائيلُ وأولادُه هم الأسباطُ. فجماعةُ المسيح هُمْ إسرائيلُ. إنَّهم البقيةُ المُختارة الأمينة من إسرائيل الّذين تحققت فيهم الوعود بسبب إيمانهم بالمسيح. وكما أَنَّ العهدَ الجديدَ لا يُلغي العهدَ القديمَ فإِنَّ "إسرائيلَ الجديدَ" لا يستبدل "إسرائيلَ القديمَ" بل يُعيد قراءته في ضوء مركزية المسيح.[3] فتلاميذُ المسيح اليهود جزءٌ من إسرائيلَ القديمِ، ولكن بواسطة علاقتهم بالمسيح أصبحوا مع كلِّ الَّذين يُؤمنون بكلامهم إسرائيلَ الجديدَ، أي شعب المسيح. ولقد رأينا في إسرائيل قبل المسيح علامات المحبة والاضطهاد وحضور روح الله وقرأنا عن إسرائيل الكرمة وعن السَّبي ودمار الهيكل ثُمَّ عن انتهاء السَّبي أي القيامة من عالم الموت. إلَّا أَنَّ هذه العناصر الَّتي شَكَّلَتْ هويةَ اسرائيلَ قبل المسيح أُعيدت قراءتُها في ضوء مركزية المسيح اليُوحَنَّاوي فبرزَ إسرائيلُ الجديدُ وتميَّز بسبع صفات يُقدِّمها لنا يُوحَنَّا في إنجيله. أوَّلُها المحبةُ. وسنستهلُّ الآن حديثنا عن المحبة كما يُعلنها الرَّسولُ يُوحَنَّا في الفصل الثَّالث عشر من إنجيله.

 

 

[1]  تدلُّ الكلمة "جسد" في يُوحَنَّا 1: 14 على البشر. ويُظهر السَّياق لاسيَّما الآية 13 أنّ الولادة من مشيئة الجسد توازي الولادة من دم أو الولادة بسبب مشيئة رجل. وهي نقيض الولادة من الله. فعندما نقول أنَّ الكلمة صار جسدا فليس مغزى القول استثناء الروح والنفس البشرية، بل الحديث عن إنسان كامل بكل معنى الكلمة. ولهذا واستنادا إلى المعنى اللغوي السياقي والمعنى اللاهوتي نفضّل الترجمات البوليسية والكاثوليكية والمشتركة وكتاب الحياة التي تستخدم كلمة "بشر" فتتفق في طرحها إذ تقول: "والكلمة صار بشراً".

[2] كيرلس بسترس، مدخل إلى اللّاهوت الأدبي (جونية: منشورات المكتبة البولسية، 1995)، 24.

[3]  صارع المسيحيون عبر العصور في تحديد العلاقة بين إسرائيل العهد القديم وكنيسة العهد الجديد. واستمر الصّراعُ بجدل لاهوتي متنوع إِذْ سعى المفكرون والمُفكرات إلى تحديد موقف الكنيسة من اليهود. فهل هم شعب الله اليوم؟ وهل ثمة شعبان لله واحدٌ يهودي والآخر مسيحي؟ وهل مازال عهد الله مع إسرائيل في العهد القديم ساري المفعول اليوم؟ وكيف نفهم الوعود لشعب إسرائيل في العهد القديم؟ وما علاقة هذا العهد باليهود اليوم؟ هل تمت في المسيح أم أنها ستتم في المستقبل؟ وبالرغم من اتفاق أتباع المسيح على أهمية هذه الأسئلة إلا أن الإجابات تنوعت واختلفت واحتدَّ النّقاشُ في كثيرٍ من المرات. ويجب أن ننتبه فلا نفرض هذه الأسئلة على يُوحَنَّا فهو يتحدث كيهودي أكتشف المسيح الّذي انتظره اليهود عبر الأجيال ولا يتحدث كمسيحي معاصر يحاور اليهود. للمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع الشّائك راجع براند الّذي يقدم أربع وجهات نظر إنجيلية مختلفة. وراجع أيضا مراجعتي لكتابه.

Chad Brand, ed. Perspectives on Israel and the Chuch: 4 Views (Nashville: Broadman & Holman, 2015); Yohanna Katanacho, review of Perspectives on Israel and the Church: 4 Views, by Chad Brand ed., Themelios 41 (2016): 153 – 155.