• كيف تتجرأ ان تكون ملحداً؟ بقلم: بطرس منصور
كيف تتجرأ ان تكون ملحداً؟  بقلم: بطرس منصور

نصادف هذه الأيام اعداداً متزايدة من الناس (بالذات الشباب منهم) يعلنونها جهارة: انهم ملحدون!

لا اعارض الحرية الشخصية لكل انسان ان يعتقد ما يشاء وان يعلن ذلك على الملأ ولا حتى ان ينادي الآخرين بالحذو حذوه. فالإيمان بالله -مثله مثل الايمان بعدم وجود اله- هو امتياز وحق للإنسان ليتبناه. أؤمن ان إمكانية وحرية الانسان ان يختار هي صفة داخلية له، اذ خُلق على صورة الله وشبهه. واصلا هناك تناقض بين ارغام شخص بالاعتقاد بأمر ما وبين الايمان نفسه به. فالإيمان يوحي بالاقتناع الشخصي بالشيء ومجرد فرضه يفكك أسس الايمان ويفرغه من مضمونه.

لكني أتساءل كيف يطلق هؤلاء "الملحدون" اعلاناتهم وبالسهولة التي يقومون فيها؟ فالسؤال هل الله كائن ام لا- هو سؤال صعب وشائك للغاية. ولكن الاقسى هو النتيجة الحتمية للجواب الحقيقي عليه. ساتجاهل لغرض هذا المقال الفرق في توجه الأديان حول الوسيلة للوصول لله ولإرضائه او الطريق التي وضعتها كل ديانة حول الطريق الذي يتوجب على الانسان اتباعه.

سأعتمد بشكل مبسط على الرهان الذي وضع معالمه العالم الفرنسي بالزاك باسكال واطرح معضلة الرهان بتصرف: اذا كان الجواب للسؤال حول وجود الله بالإيجاب -وقد اتخذ الانسان منحى للحياة يطابق هذه الحقيقة- فانه في امان وقد فاز بالرهان وسيحصل على الحياة الأبدية بعد الموت. ان كل ما "خسره" هو السنين التي عاشها على الأرض وهو يرضي الاله (اذا ما اعتبرنا ذلك خسارة اصلاً). اما اذا عاش حياته بتناقض ورفض لوجود الله وتبين فعلاً ان الله موجود فقد خسر حياة ابدية في الوقت الذي "ربح" حياة على هواه في السنين التي قضاها على الأرض (اذا ما اعتبرنا ذلك ربحا).

اما اذا كان الجواب سلبي وتبين انه فعلا ليس هناك اله-فالمؤمن خسر سنين حياته على الأرض وهو يحاول إرضاء اله تبين انه غير قائم. اما الملحد فانه ربح حياة على هواه متجاهلا وجود اله ، وهذا الاله أصلا غير موجود.

ان فهم الربح والخسارة المحتملين في هذا الرهان الوجودي- توصلنا للنتيجة الحتمية انه من الأفضل والأكثر ربحا الايمان بوجود اله ولو من باب الربح والخسارة فقط. فالمقارنة بين ربح من حياة ابدية تقاس بما لا نهاية من السنين وبين الحياة على الأرض وهي من 70-80 عاماً على الأكثر، تخلص بنا الى النتيجة الحتمية وهي انه حتى لو كان احتمال وجود الله ضئيلاً (ولست ادّعي ذلك) لكنه أجدر وأسلم!

وحتى لو اعتبر الملحد هذا الرهان من حساب الربح والخسارة فاشلاً، الا اني استغرب الحكم بثقة بعدم وجود الله. فوجود الكون بتعقيده ودقته يوحي للوهلة الأولى على الأقل بوجود خالق له. لذا فان الايمان بعدم وجود ذلك الخالق، يتوجب الا يتم بسرعة وبتساهل وطيش. انه يستوجب احضار ادلة قوية ومتراكمة فالرهان قاسي وليس بصالح الملحد. ولكن يبدو ان جمع تلك الأدلة المتراكمة لاتخاذ قرار مصيري كهذا امر متعثر وعسير فمن هنا استغرب من يطلق الاحكام جزافاً بعدم وجود إله. ان الانسان ورغم التطور العلمي الهائل ما يزال يتحسس طريقه ببطء شديد ولم يقترب البتة من سبر غور أسرار الكون في الفلك والبيولوجيا والكيمياء والفيزياء. ان مجموعات طلائعي العلوم الابطال من باحثين وعلماء الممولين بمليارات الدولارات ليبحثوا ويكتشفوا، تفرح وتهلل حين تكتشف شيئاً جديد في نواحي العلوم. انها تفرح اذ تكتشف شيئاً جديداً وهي لم تقترب بعد من فهمه ولا إمكانية إعادة بناءه او تصور كيف خلق وبأي تعقيد كان!

من هنا فكيف يتجرأ من لعق بطرف لسانه مرة واحدة من هذا المحيط الهائل من العلم، ان يدّعي انه يعرف منبعه واصل الكون ويقرر بشأنه وخاصة ان السؤال على المحك ذو عواقب وجودية؟ ان ايمان كهذا بعدم وجود اله يتطلب ادلة قوية ودامغة كثيرة (بعد دراسة العلوم والفلسفة والاطلاع على الحجج المتناقضة وفهما) وليس بتهور واستخفاف كما يقوم به كثيرون.

انصح ببعض التواضع قبل إطلاق العبارات القاطعة حول وجود الله او عدمه!