• ما هي بشارة الملكوت؟ وهل هي إنجيل آخر؟ بقلم: شكري حبيبي
ما هي بشارة الملكوت؟ وهل هي إنجيل آخر؟  بقلم: شكري حبيبي

تدّعي المدرسة التفسيرية التدبيرية (1) أن البقية التقية (2) من الشعب اليهودي ستكرز بما تسمّيه ببشارة الملكوت خلال السبع سنوات الأخيرة من العالم، والتي ستتم بعد الاختطاف السرّي للكنيسة (3). هذه السبع سنوات بحسب هذا التفسير هي الأسبوع الأخير من نبوءة السبعين أسبوعا، لدانيال النبي. فما هي بشارة الملكوت بحسب هذه المدرسة؟ كتب الشارح التدبيري وليم مكدونالد(4) في كتابه: (تفسير الكتاب المقدس للمؤمن)، تعليقه حول الآية من بشارة متّى 14:24 «وسوف يُكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم» كتب قائلاً: «فإن بشارة الملكوت هي الخبر السار بأن المسيح آتٍ ليقيم ملكوته على الأرض. أمّا الذين سيتمتعون ببركات حكمه الألفي فهم الذين يقبلونه بالإيمان أثناء فترة الضيقة». ثم أضاف قائلاً: «فالحديث هنا هو عن بشارة الملكوت لا عن بشارة نعمة الله». (صفحة 155 من كتاب تفسير الكتاب المقدس للمؤمن). لكن الشارح نفسه يعود ليكتب عن نفس الآية المشابهة لها والتي وردت في بشارة مرقس 10:13: «وينبغي أن يُكرز أولاً بالإنجيل في جميع الأمم» «يجب ألا تُستخدم الآية 10 للتعليم بأنه ينبغي أن يُكرز بالإنجيل في جميع الأمم قبل الاختطاف. فيجب أن يُنادى بالإنجيل في كل أنحاء العالم، وقد يحدث هذا، لكن لا يمكننا أن نقول إن هذا شرط أساسي، لأن الكتاب لم يقل كذلك. ولا يشترط أن تتحقق أية نبوءة قبل مجيء المسيح لقديسيه، فقد يأتي في أية لحظة!» (صفحة 239 من كتاب تفسير الكتاب المقدس للمؤمن).

الغريب في الأمر أن الشارح مكدونالد لم ينتبه للتناقض الذي وقع فيه. لأن ما جاء في بشارة متّى هو نفس الحديث للرب يسوع المسيح الذي جاء في بشارة مرقس، مع العلم أن بشارة مرقس كُتبت قبل بشارة متّى. فهنا لم يكن المسيح يتحدّث عن بشارة تختلف عن بشارة الإنجيل. إن بشارة الملكوت التي أشار إليها البشير متّى هي نفسها بشارة الإنجيل التي تحدّث عنها البشير مرقس. وهذا يؤكد أن تفسير بشارة الملكوت التي أسهب في شرحها مكدونالد، وربَطَها بأحداث في المستقبل تتعلّق بشعب إسرائيل، هو تفسير خاطئ بالكلية ولا علاقة له بالتعليم الصحيح لكلمة الله. من الواضح إذن أن بشارة الملكوت والكرازة بالإنجيل هما أمر واحد.

يتفق معظم المفسّرين أن البشير متّى كتب لليهود، ولهذا استخدم مراراً عبارة ملكوت السموات، مع أنه استعمل عبارة ملكوت الله خمس مرات. والغريب أن وليم مكدونالد يقر في تفسيره أن العبارتين ملكوت السموات وملكوت الله تُستخدمان بالتبادل(صفحة 35) وأضاف شارحاً في نفس الصفحة قائلاً: «إن عبارة «ملكوت السموات» موجودة في إنجيل متّى فقط. ولكن عبارة «ملكوت الله» موجودة في جميع الأناجيل الأربعة. ولا يوجد أيّ اختلاف عملي بينهما، فالأشياء نفسها مذكورة بالنسبة للاثنين. فقد قال يسوع في متّى 23:19، على سبيل المثال «إنّه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السموات». ونجد يسوع بالمقابل يقول الشيء نفسه في مرقس 23:10 ولوقا 24:18 عن «ملكوت الله». راجع أيضاً متّى 24:19 حيث يوجد مبدأ آخر تُستخدم فيه عبارة «ملكوت لله». ثم أضاف الشارح  في صفحة 36 قائلاً: «"لقد ذكرنا سابقاً أن لملكوت السموات مظهراً خارجياً وحقيقة داخلية. ولمّا كان الشيء نفسه ينطبق على «ملكوت الله»، فلذلك يُعتبر هذا برهاناً إضافياً على أن الاصطلاحين لهما نفس الدلالة». إلى هنا ينتهي الاقتباس. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا لا نطبّق نفس مبدأ هذا التفسير على عبارة «بشارة الملكوت» التي وردت في بشارة متّى، بالمقارنة مع عبارة «يُكرز بالإنجيل» التي وردت في بشارة مرقس؟ لأنهما يشيران إلى نفس الأمر. إن المشكلة تكمن إذن أن المفسرّين التدبيريين يريدون أن يُقحموا تفسيرهم الغريب على كلمة الله.

لو عُدنا إلى سفر أعمال الرسل لوجدنا أن الرّسل الأوائل استخدموا تعبير ملكوت الله للدلالة على الكرازة بالإنجيل. فقد ذُكر هذا التعبير ست مرات. إذ استخدمه أولاً الرب يسوع المسيح نفسه، عندما تحدّث لتلاميذه عن الأمور المختصة بملكوت الله(أعمال3:1). ووردت نفس العبارة في(أعمال12:8)، وأيضاً في (أعمال8:19). وفي (أعمال25:20) وردت عبارة: «كارزاً بملكوت الله». وتكررت في أعمال31:28. وفي (أعمال23:28) وردت عبارة «شاهداً بملكوت الله».

إذا كان لا يوجد أي فرق بين ملكوت الله وملكوت السموات، كما أقرّ وليم مكدونالد نفسه، وإذا كان لا يوجد أي فرق بين هاتين العبارتين والكرازة بالإنجيل، كما لاحظنا من سفر أعمال الرسل. وأيضاً إذا كان لا يوجد أي فرق بين عبارة «بشارة الملكوت» كما وردت في بشارة متّى، وعبارة «الكرازة بالإنجيل» كما وردت في بشارة مرقس. فأين تكمن المشكلة؟ إنها تكمن في التفسير التدبيري نفسه الذي يريد أن يفرض تفسيره الخاطئ على كلمة الله. إن التفسير التدبيري يريد أن يقنعنا بالسيناريو الغريب العجيب، أنه سيكون هناك وقت في المستقبل يُكرز فيه ببشارة الملكوت فقط، التي هي غير بشارة إنجيل الخلاص بالنعمة. وهنا أُعيد الاقتباس الذي ذكرته في بداية مقالتي عمّا كتبه وليم مكدونالد: «فالحديث هنا هو عن بشارة الملكوت لا عن بشارة نعمة الله».

أليس هذا تفسيراً غريباً على كلمة الله؟ وألا يعني هذا التفسير أن بشارة الملكوت التي يُخبرنا عنها التفسير التدبيري هي إنجيل آخر؟ إن الإنجيل الذي نكرز به اليوم هو نفسه إنجيل ملكوت الله. ملكوت الله الذي تحقق بمجيء الرب يسوع المسيح، وموته الكفاري على الصليب وصعوده حيّاً إلى السماء، وجلوسه عن يمين عرش العظمة في مركز القوة والسلطان والمُلك. إن الادعاء بوجود فترة خاصة بالشعب اليهودي في المستقبل، وبشارة خاصة لهم، هو ادعاء خاطئ لا أساس له في الكتاب المقدس، لا بل يناقضه، كما لاحظنا. لقد أتى الرب يسوع المسيح وحقّق كل مواعيده لشعب إسرائيل. وهو ما أكّده لنا الرسل الأوائل في عظاتهم بأعمال الرسل، وفي تعاليمهم من خلال رسائلهم العديدة. وها هو الرسول بولس يعظ في مجمع مدينة أنطاكية بيسيدية لليهود قائلاً: »ونحن نبشّركم بالموعد الذي صار لآبائنا، إن الله قد أكمل هذا لنا نحن أولادهم... «(أعمال الرسل32:13-35) فهل توجد كلمات أوضح من هذه؟  أو لم تكن الكرازة بالإنجيل وبشارة ملكوت الله هي الأساس الذي أعلنه الرسل الأوائل لجميع الناس، وخاصة لليهود في أيامهم؟

أما بالنسبة لما جاء في بشارة متّى 24 وبشارة مرقس 13، وبشارة لوقا 21، فقد تمّ بخراب أورشليم وتدمير الهيكل عام 70 ميلادية على يد القائد الروماني تيطس، وانتهت بذلك العلاقة الخاصة ما بين الله وشعب إسرائيل. إن هذا الحدث لن يتكرر في المستقبل كما يدّعي التفسير التدبيري. ولن تكون هناك فترة خاصة يُكرز فيها ببشارة الملكوت (التي هي إنجيل آخر) إلى شعب إسرائيل. وها أنوّه بملاحظة هامة: فقد أخذ شهود يهوه(5) عن التفسير التدبيري فكرة الكرازة ببشارة الملكوت، وأن عدد الذين سيذهبون إلى السماء هو 144 ألف. (مع أن التفسير التدبيري يقول أن هذا العدد متعلّق بالبقية التقية من شعب إسرائيل في فترة الضيقة العظيمة، الذين سيملكون مع المسيح على الأرض).  

أختم مقالتي بما سبق أن كتبه الرسول بولس إلى المؤمنين في غلاطية: «إني أتعجّب أنكم تنتقلون سريعاً عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر! ليس هو آخر، غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ويريدون أن يحوّلوا إنجيل المسيح. ولكن إن بشّرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشّرناكم، فليكن "أناثيما"!» (غلاطية6:1-8).

(1) يرجع تاريخ المدرسة التفسيرية التدبيرية إلى جون نيلسون داربي، مؤسس جماعة الاخوة حوالي سنة 1830. وتعتقد هذه المدرسة أن الله تعامل مع الإنسان خلال العصور من خلال سبعة تدابير هي: 1- تدبير البراءة، زمن آدم في الجنّة. 2- تدبير الضمير، من طرد آدم إلى الطوفان. 3- تدبير الحكومات البشرية أو الطغاة، من الطوفان إلى بلبلة الألسنة في بابل. 4- تدبير الوعد للآباء، من دعوة إبراهيم حتى العبودية في مصر. 5- تدبير الناموس، من  الخروج من مصر إلى يوم الخمسين. 6- تدبير الكنيسة أو عهد النعمة، الذي بدأ في يوم الخمسين، وينتهي في اختطاف الكنيسة. 7: تدبير الملكوت، من اختطاف الكنيسة إلى نهاية الملك الألفي حيث يُحقق الله مواعيده القديمة لشعب إسرائيل.

(2) البقية التقية: هم اليهود الذين سيؤمنون أثناء الضيقة العظيمة بالمسيح الذي سيأتي ليؤسس ملكوته على الأرض، بحسب اعتقاد التفسير التدبيري.

(3) الاختطاف السرّي للكنيسة: عندما تؤخذ كنيسة المسيح من المؤمنين إلى السماء فجأة، وبشكل سرّي.

(4) الشارح التدبيري وليم مكدونالد كان معلّماً لللاهوت في مدرسة الكتاب المقدّس بمدينة سان لياندرو San Leandro  القريبة من مدينة أوكلاند  Okland بكاليفورنيا. وله مؤلفات  عديدة منها كتاب: تفسير الكتاب المقدس للمؤمن. وقد انتقل إلى المجد قبل عدة سنوات. وكنت أعرفه شخصياً.

(5) شهود يهوه هم جماعة ظهرت في أوائل سبعينيات القرن التاسع عشر. ومؤسسها هو: تشارلز رسل. لهم عقائدهم الخاصة التي تختلف عن كل الطوائف المسيحية الأخرى. ولهذا اُعتبرت بدعة دخيلة على المسيحية.