• الكنيسة والسلطة في سفر أعمال الرسل - القس عازر عجاج

صعد الرب يسوع إلى السماء في اليوم الأربعين لقيامته. واجتمع الرسل مع تلاميذ آخرين، وصل عددهم جميعاً إلى مئة وعشرين شخصاً، لمدة عشرة أيام في العلية يصلون (أعمال 15:1). وفي اليوم الخمسين حل الروح القدس على المجتمعين (كما سبق ووعد المسيح تلاميذه)، فامتلأ التلاميذ قوة وأخذوا يشهدون للناس عن قيامة المسيح وخلاصه، فآمن على أثر عظة بطرس ثلاثة آلاف شخص، اعتمدوا وانضموا إلى الكنيسة. كانت هذه الشرارة الأولى لانطلاق الكنيسة التي أخذت تنمو بسرعة. ومنذ بداية رحلتها واجهت الكنيسة تحيدات داخلية وخارجية، بعض التحديات كانت دينية، وبعضها إجتماعية وأخرى سياسية. وفي مقالي هذا، كما ذكرت سابقاً، سأتطرق فقط للتحديات التي واجهتها الكنيسة مع السلطة.

السلطة الدينية والسياسية

عندما نتكلم عن علاقة الكنيسة بالسلطة في سفر أعمال الرسل فنحن نتكلم عن علاقة الرسل بالسلطة الدينية اليهودية المتمثلة بالكهنة ورؤساء اليهود من الفريسيين ومجمع السنهدرين من ناحية، وبالسلطة الرومانية المدنية المتمثلة بملوك وحكام مناطق مختلفة في ارجاء الامبراطورية الرومانية من ناحية أخرى.  

السلطة اليهودية

تميّزت العلاقة مع السلطة الدينية اليهودية بالتوتر والحدة والعنف الشديد. فسرعان ما أدرك رؤساء اليهود أن رسالة المسيح لم تنتهِ بصلبه، فها هم تلاميذه يستمرون بحمل رسالته منادين بقيامته، داعين الناس للايمان به. فأدركوا أن عليهم التحرك بسرعة ليوقفوهم. وتظهر أول مواجهة بين الكنيسة والسلطة اليهودية مباشرة مع بداية خدمة الرسل، فبعد شفاء بطرس لمفلوج باب الجميل (أعمال 3)،  اعتُقِل بطرس ويوحنا مرتين، وجرت محاكمتهم وتحذيرهم وجلدهم. ولم تقف التحديات مع السلطات الدينية اليهودية عند حد المحاكمة، بل تطورت لاضطهاد عنيف، فقاموا بقتل استفانوس، وتبع هذا الامر، مُطاردة شرسة للمسيحيين قادها شاول الطرسوسي (بولس لاحقاً) بموافقة رؤساء اليهود، الأمر الذي أدى الى هروب المؤمنين الجدد وتشتتهم في أماكن مختلفة. ويستمر هذا التحدي مع الجهات الدينية اليهودية في كل سفر أعمال الرسل، حتى أن القسم الأخير من السفر ( رفع بولس دعواه لقيصر وابحاره لروما) جاء على خلفية محاولة قتل بولس من قِبَل اليهود.

السلطة الرومانية

تعاملت السلطات الرومانية مع الكنيسة في بداية عهدها بنوع من اللامبالاة، ولم يُولوا المسيحية أي اهتمام يُذكر، على الأقل في أغلب الاوقات. والسبب الرئيسي لهذا التوجه هو احتساب المسيحية كمجموعة دينية يهودية، التي كانت لها صبغة رسمية في الدولة. فالرومان أصلاً لم يفرقوا بين اليهودية والمسيحية ونرى ذلك بوضوح في (أعمال 15:18) حيث رفض الوالي الروماني غاليون الحكم على بولس بسبب شكاية اليهود عليه، بادعاء أن المشكلة مشكلة دينية يهودية داخلية لا علاقة للقانون الروماني بها. ولذلك يمكن القول أنه كان للسلطة الرومانية مساهمة إيجابية نوعاً ما لامتداد رسالة الإنجيل في تلك الفترة، وذلك من خلال عدم تدخلها من ناحية، وحمايتها لبولس وإعطائه الحق في الدفاع عن نفسه حتى أمام قيصر، من الناحية الأخرى. (أنظر أعمال 16، 22، 25)

بالرغم من هذا التوجه الايجابي، إلا أن السفر لا يخلو من تعاملات عنيفة أحياناً، مثل اضطهاد هيرودس أغريباس الاول للكنيسة وقتله ليعقوب كما جاء في أعمال 12. ونجد أيضاً بعض المحاولات لإلحاق الأذى بالرسل كما حدث في إيقونية (أعمال 14) وأفسس (أعمال 19). لكن لم تأت هذه المحاولات بصورة منظمة بل جاءت من قبل كهنة وأفراد وثنيين محليين خافوا على مصالحهم في حالة ترك الناس لعبادة الأوثان وتبعوا الإيمان المسيحي.

رد فعل الرسل

لم يجتمع الرسل ولم يعقدوا مجمعاً لبحث طرق تعاملهم مع السلطات، الدينية كانت أم السياسية، لكننا نستطيع أن نضع إصبعنا على بعض التوجهات والمبادئ التي وجّهتهم، والتي يمكن تلخيصها بما يلي:

أولاً، خضع الرسل للحكام والسلطات كأشخاص مفوّضين من الله، بغض النظر عن مؤقف هؤلاء الحكام من الله. لقد تعاملوا مع السلطة بخضوع، فلم يتمردوا عليها أو يقاوموها. فعلى سبيل المثال، لم يرفض بطرس أو يوحنا الامتثال أمام رؤساء اليهود أو السنهدرين، لكنهم دافعوا عن أنفسهم باحترام.

ثانياً، أدرك الرسل أن الحق القانوني يجب أن يُمارس، فلا يعيب الكنيسة أن تتوجه للسلطات المدنية للمطالبة بحقوقها القانونية. وخير مثال لنا في ذلك هو مطالبة بولس بامتيازاته القانونية كمواطن روماني في أكثر من مرة، حتى أنه في النهاية رفع دعواه لقيصر (أعمال 25)، ولم يتردد في التوجه لقيصر إيماناً منه أن هذا الامر يصب في مصلحة الكنيسة وامتداد الانجيل.

ثالثاً، لم يسعَ الرسل لوضع أنفسهم في مواقف حرجة مع السلطات، لكنهم أكّدوا في أكثر من مرة أن ولاءهم الأول هو لله، الذي "يجب أن يطاع أكثر من الناس" (أعمال 29:5). وكانوا في الوقت نفسه على استعداد أن يواجهوا ويتحملوا المشقات والاضطهاد لاجل الانجيل إذا اضطروا لذلك، بكل فرح.

وأخيراً، كان للرسل والمؤمنين الأوائل إيمانًا راسخًا بأن الكلمة الأخيرة هي لله وليست للحاكم أو الكاهن، لذلك لجأوا للصلاة، مسلّمين أمورهم لله، ولم تتركز صلواتهم على انفسهم، بل صلّوا ليعطيهم الله الجرأة والقوة والتأييد في الشهادة لاجل امتداد الإنجيل.

تنتهي هذه الحقبة التأسيسية من تاريخ الكنيسة وتتبعها حقبة جديدة تمتد فيها الكنيسة وتنتشر بصورة أوسع. لكن لم يخلُ هذا الانتشار والتوسع من علاقة متوترة جداً مع السلطات الرومانية. فماذا كانت يا تُرى طبيعة العلاقة؟ وما رد فعل الكنيسة؟ هذا ما سنتطرق له في المقال القادم.