• اعجابي بحامل الرسالة يحكم تجاوبي معها! بقلم: بطرس منصور
اعجابي بحامل الرسالة يحكم تجاوبي معها!  بقلم: بطرس منصور

ضجيج العالم يصّم الاذان. كل مجموعة تنادي بقناعاتها وطرحها لإجاباتها لأسئلة الحياة المعيشية من اقتصاد وسياسة وسلام وحرب. فهنا الشيوعيون وهنا الاشتراكيون وهنا الرأسماليون وهنا الاصوليون وهنا الوصوليون. وهناك الأصوات التي تمثل العقيدة بما يتعلق بما بعد الحياة: الديانات على تنوعها واشتقاقاتها والالحاد وغيرهم. كل مجموعة تدّعي انها على حق وتقدم نفسها بأجمل صورة وبذات الوقت تعمل عن وعي او دونه على تقزيم طرح الفئات والمجموعات الأخرى.

ماذا يميّز كل مجموعة تطلق صوتها عالياً في منبر الفضاء الواسع وما هي احتمالات سماع صوتها و"حقها" واحتمالات قبوله من المستمعين؟ وما هو أمل المسيحية الكتابية ان يُسمع صوتها لتجد آذاناً صاغية لرسالتها؟

طبعاً الله هو الذي يوصل الكلمة الحية والحق الكتابي بالروح القدس ولا استخف بذلك. كما ان مضمون الرسالة و"الحق" الذي تنادي به كل فئة هو عنصر هام. فرسالة رفيعة المستوى تقترح الخير بواقعية هي بطبيعة الحال صاحبة احتمال أكبر لقبولها من التي تفتقر لذلك. كما ان التقديم المناسب للرسالة وهو عنصر انساني هام يساهم في توصيل الحق. فكلما كان جاذباً وقريباً من الواقع بأسلوب متقن، كلما زادت احتمالات الاصغاء للرسالة وإمكانية احترام محتواها ولربما حتى قبولها.

لكني ارغب ان اشير لعنصر يتم تجاهله وهو هوية مقدم الرسالة فردياً وهوية مجموعته وكيف يراهم الناس. هوية المجموعة تشمل محبة افرادها لبعضهم البعض ومحبتهم للغير من خارجها ومدى نشاطهم وامانتهم وتضحيتهم لأجل الرسالة وعملياً كل ما يجعل المجموعة مصدر اعجاب عند الغير. عندما يُعجب الآخرون بهويتك فانهم يسمعون اقوالك ويأخذونها بجدية ويريدون احتضان وتبني الحقيقة التي تنادي بها. لقد أعجبوا بأسلوب حياتك ويَعزون رونقه وقوته الى مفعول الرسالة التي تحملها وتأثيرها على نهج حياتك .

هل ينظر الغير الى المسيحيين الانجيليين من العرب في الشرق بمثل هذا الاعجاب مما يؤدي لرغبتهم التمثل بهم او الالتصاق بهم او على الأقل الى تبني مواقفهم ورسالتهم؟

لقد وضع الرب بعض الامتحانات للهوية التي يريدها في المؤمنين والتي ستقود حتماً ليكونوا مصدر اعجاب وجاذبية للغير.

ان اهم تلك الصفات هي محبة المؤمنين به بعضهم لبعض (يوحنا 13: 35). ودون تلعثم ولا تحفظ، أشار الرب ان اختبار نوعية المحبة وصدقها هو التضحية لأجل الغير (يوحنا 15: 13).

هل نحب بعضنا بعضاً ام ان تعصبنا الفئوي يتنافر مع محبتنا ويطردها الى خارج؟

هل محبتنا تتعدى مجرد شعور بالألفة والاستلطاف والكلمات الناعمة؟ هل نخرج من دائرة الراحة لأجل الغير؟ هل نضحي بمواردنا (وقتنا او مالنا او مستوى معيشتنا) في سبيل غيرنا او في سبيل رسالتنا؟

اننا نشهد دائرة مفرغة من الصيرورة الاجتماعية التي تقود لعكس ما يطلبه الرب. فالمسيحيين العرب عامة في الشرق يسعون للعلم والدراسة ككل اقلية عددية في العالم. وهذا السعي المبارك بحد ذاته يقود الى تبوأ تلك الفئة المتعلمة لمواقع ووظائف مرتفعة. ويلازم ذلك ارتفاع في مستوى المعيشة وبالتالي يسود الترف والبطر وتعظم المعيشة كنتيجة حتمية. وللأسف يستنكف هؤلاء عن التضحية بل يوغلون في حياة رغيدة ومريحة طارحين جانباً أية تضحية ومفتقرين عملياً للمحبة التي اعتبرها وخصصها المسيح كصفة تابعيه.

كيف ستكون عندها رسالة المسيحيين مصدر اعجاب ان كان من حملوا اسمها قد التهوا عنها لصالح حياة مريحة وملذة بعيداً عن معنى الايمان الحقيقي؟

لا انادي طبعا بالعزوف عن العلم بل العكس، لكن هذه الظاهرة تتطلب جهداً أكبر في التوعية لمخاطر الانجراف وراء الحياة المريحة بعيداً عن حياة التضحية التي نادى بها من ضحى بحياته لأجل احبائه.

لقد اشعلت دزينة من الرجال البسطاء والعاميين من الجليل العالم برسالة الانجيل وفتنوا المسكونة بعد ان رأى العالم محبتهم لبعض وتضحيتهم لأجل رسالة الانجيل (حتى قتل كلهم ما عدا يوحنا الحبيب). أترى يمكن للتاريخ ان يعيد نفسه ويسود نور الانجيل بمجموعة متميزة ومضحية من المخلصين؟