• العهد الجديد ومكانته - بقلم: شكري حبيبي

قد يستغرب البعض اختياري لهذا الموضوع البديهي بالنسبة لمعظم المسيحيين. فمن المتفق عليه أن الرب يسوع المسيح قد أتمّ في مجيئه العهد الجديد(1) بموته الكفاري على الصليب، وقيامته الظافرة من بين الأموات، وصعوده حيّاً إلى السماء، وجلوسه عن يمين الله الآب، أي في مركز القوة والعظمة. وكل من يؤمن الآن بالرب يسوع المسيح يتمتع بكل فوائد وبركات هذا العهد الجديد. وهنا عليّ في البداية أن أؤكد على مبدأ هام أنه يجب علينا تفسير العهد القديم على ضوء أو نور العهد الجديد وليس العكس. لكن يبدو أن البعض مازال مصراً أن يفسّر العهد الجديد على ضوء العهد القديم. ولعلّ أكبر مثال هو التفسير الذي وقع عليّ كوقع الصاعقة، عندما قرأت ما دوّنه أحد المفسّرين التدبيريين(2) عن هذا العهد الجديد. وهو ما سآتي على ذكره بعد قليل.

شرح لنا كاتب سفر العبرانيين في الأصحاح السابع عن أهمية ذبيحة المسيح الكفارية على الصليب، وكون المسيح قد أصبح هو رئيس الكهنة الحقيقي. ثم بدأ الأصحاح الثامن بالقول: «وأما رأس الكلام فهو أن لنا رئيس كهنة مثل هذا – أي المسيح -  قد جلس في يمين عرش العظمة في السموات، خادماً للأقداس والمسكن الحقيقي الذي نصبه الرّب لا إنسان»(3). وهنا أوضح الكاتب أن كهنة العهد القديم كانوا يخدمون شبه السماويات وظلّها(4)، أي في الهيكل، الذي كان هو نفسه مثالاً للمسكن الحقيقي في السماء. وهذا يؤكد أن الهيكل وكل ما كان يجري فيه كان رمزاً وصورة لذبيحة المسيح الكاملة، وصعوده إلى المسكن الحقيقي في السماء.

وتابع الكاتب متحدثاً عن مزايا هذا العهد الجديد الذي قام به الرب يسوع المسيح. فقد حصل المسيح في هذا العهد على خدمة أفضل. أي أفضل من خدمة رئيس الكهنة في العهد القديم. وصار وسيطاً لعهد أعظم، إذ هو مثبت على مواعيد أفضل(5). وهذا أمر بديهي لأن المسيح قدّم جسده ذبيحة، كفارة عن خطايا الجنس البشري. وصار هو الوسيط الوحيد ما بين الله والإنسان. وهذا العهد الجديد هو أعظم بكثير من العهد القديم، لأنه عهد النعمة المثبت على مواعيد أفضل. وهذه المواعيد تقوم على أساس نوال البر والغفران وكل البركات الروحية بالإيمان. وهذا ما لم يكن يتميز به العهد القديم(6).

نأتي الآن إلى المقارنة الهامة التي دوّنها لنا كاتب سفر العبرانيين ما بين العهدين القديم والجديد. فهو يؤكد في البداية: «أنه لو كان ذلك الأول بلا عيب لما طُلب موضع لثان»(7). وهنا يعود بنا الكاتب إلى العهد القديم حيث اقتبس من سفر النبي إرميا(8)، وفحوى هذا الأمر: «... هوذا أيام تأتي يقول الرب حين أُكمل مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهداّ جديداً. لا كالعهد الذي عملته مع آبائهم يوم أمسكت بيدهم لأخرجهم من أرض مصر لأنهم لم يثبتوا في عهدي وأنا أهملتهم يقول الرب»(9). وبذلك أكّد كاتب سفر العبرانيين أن الله بواسطة الرب يسوع المسيح والعهد الجديد الذي أقامه من خلاله، قد أتمّ كلام النبي إرميا. وهذا ما نستنجه من كل أصحاحات سفر العبرانيين.

وهنا علينا أن نلاحظ ملاحظة هامة جداً، أن هذا العهد الجديد لم يقتصر فقط على بيت إسرائيل وبيت يهوذا، بل شمل الأمم أيضاً. كما قال الرب يسوع المسيح نفسه: ليكونوا رعية واحدة وراع واحد(10). صحيح أن الله أرسل المسيح أولاً إلى شعب إسرائيل لكي يتمم وعده لهذا الشعب، لكن كل من يؤمن بالمسيح ويدخل معه في هذا العهد الجديد يصبح من أولاد الله(11). ويؤكد لنا كتّاب العهد الجديد، أنه في المسيح يسوع لا يوجد أي فرق بين يهودي وأممي، وأنهما أصبحا جسداً واحداً(12). وهنا نلاحظ أيضاً كيف فسّر الرسل الأوائل بالروح القدس العهد القديم على ضوء نور العهد الجديد الساطع.  

ومن مميزات هذا العهد الجديد الذي تحدّث عنه كاتب سفر العبرانيين: أن الله يسكن في قلوب البشر، فيجعل نواميسه في أذهانهم ويكتبها على قلوبهم. ويصبح هو إلهاً لهم ويكونون له شعباً. وأن الله يصفح عن آثامهم ولا يذكر خطاياهم في ما بعد(13). وختم كاتب سفر العبرانيين مناقشته حول العهد الجديد بالقول: «فإذ قال جديداً عتّق الأول. وأمّا ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال»(14). هذا هو العهد الجديد الذي حلّ مكان العهد القديم الذي عتُق وشاخ واضمحل. كما عبّر أحدهم بالقول: «لقد اضمحل مجد قمر العهد القديم، إعلاناً بشروق مجد شمس العهد الجديد»(15).   

اقتبس الآن ما دوّنه احد مفسّري التفسير التدبيري عن هذا العهد الجديد، والذي وقع عليّ كوقع الصاعقة. كتب قائلاً: «إن هذا العهد الجديد يختص، بشكل أساسي بأمة إسرائيل وليس بالكنيسة. وسيتحقق عند رجوع المسيح ليملك على الأمة التائبة المفدية. وإلى أن يجيء ذلك الوقت، ينعم جميع المؤمنين ببعض بركات هذا العهد(16). أتساءل الآن: أليست هذه اللغة أمراً غريباً عن لغة العهد الجديد؟ ومن أين أتى بهذا التفسير العجيب؟ وعلى أي أساس استند ليقول: أن هذا العهد الجديد سيتحقق عند رجوع المسيح ليملك على الأمة التائبة المفدية؟ أو لم يسىء هذا المفسّر لجوهر ومضمون العهد الجديد؟ لقد فسّر العهد الجديد على ضوء العهد القديم وليس العكس، ولهذا وقع في اخطاء مميتة وجسيمة.

لقد شرح لنا كاتب سفر العبرانيين في الأصحاح التاسع عن الذبائح والطقوس في العهد القديم، وأنها كانت موضوعة فقط إلى وقت الإصلاح، أي إلى مجيء المسيح وبدئه العهد الجديد(17). وبذلك وصف العهد الجديد بأنه الإصلاح الحقيقي الذي قام به الرب يسوع المسيح عند انقضاء الدهور ليبطل الخطيّة بذبيحة نفسه. ثم ختم قائلاً: «هكذا المسيح أيضاً بعدما قُدّم مرّة لكي يحمل خطايا كثيرين سيظهر ثانية بلا خطيّة للخلاص للذين ينتظرونه»(18). أي الخلاص الأبدي لكل المؤمنين به، وليس الخلاص المؤقت لشعب معيّن.

 

 1 -  نقول العهد الجديد بالمقارنة مع العهد القديم (عهد الناموس) الذي أبرمه الله مع شعب إسرائيل من خلال النبي موسى.

 2 - هو المفسّر وليم مكدونالد الذي كان معلّماً للاهوت في مدرسة الكتاب المقدس بشيكاغو ثم في مدينة سان لياندرو San Leandro القريبة من مدينة أوكلاند Oakland بكاليفورنيا. وله مؤلفات عديدة منها كتاب: تفسير الكتاب المقدس للمؤمن. وقد انتقل إلى المجد قبل عدة سنوات. أما التفسير التدبيري فهو الذي يعتقد أن الله تعامل مع الإنسان من خلال سبعة تدابير. ويركّز على العلاقة الخاصة ما بين الله وشعب إسرائيل.

3 - سفر العبرانيين 1:8.

4 - سفر العبرانيين 5:8.

5 -سفر العبرانيين 6:8.

6 - كان العهد القديم يركّز على أعمال الناموس وتطبيق الشريعة. ولم يستطع أحد حفظه.

7 - سفر العبرانيين 7:8.

8 - سفر إرميا 31:31-34.

9 - سفر العبرانيين 8:8-9.

10 - بشارة يوحنّا 16:10 «ولي خراف أُخر ليست من هذه الحظيرة – أي الحظيرة اليهودية- ينبغي أن آتي بتلك أيضاً فتسمع صوتي، وتكون رعيةٌ واحدة وراعٍ واحد».

11- بشارة يوحنّا 11:1-13 «إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله. وأمّا كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه. الذين ولدوا ليس من دم، ولا من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل، بل من الله». وهذا تأكيد واضح أن كل من يؤمن بالمسيح بغض النظر عن جنسيته وأصله، يعتبر من أولاد الله.

12 - الرسالة إلى غلاطية 26:3-28 «لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. لأن كلّكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح. ليس يهودي ولا يوناني. ليس عبد ولا حر. ليس ذكر وأٌنثى. لأنكم جميعاً واحد في المسيح».

وأيضاً الرسالة إلى أهل رومية 9:2-11 «شدّة وضيق، على كل نفس إنسان يفعل الشر. اليهودي أولاً ثم اليوناني. ومجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح. اليهودي أولاً ثم اليوناني. لأن ليس عند الله محاباة». الرسالة إلى رومية 16:4 «لهذا هو من الإيمان، كي يكون على سبيل النعمة، لكي يكون الوعد وطيدا لجميع النسل، ليس لمن هو من الناموس فقط. بل أيضاً لمن هو من إيمان إبراهيم، الذي هو أب لجميعنا.

الرسالة إلى أفسس 11:2-22، 4:3-6.

13 - سفر العبرانيين 10:8-12.

14 - سفر العبرانيين 13:8.

15 - شرح الرسالة إلى العبرانيين، الدكتور القس غبريال رزق الله، صفحة 346.

16 - وليم مكدونالد، تفسير الكتاب المقدّس للمؤمن، العهد الجديد، الجزء الثاني، صفحة1406.

17 - سفر العبرانيين 10:9-12.

18 - سفر العبرانيين 26:9-28.