• ما هي «أوقات الفرج»؟ - بقلم: شكري حبيبي

ورد هذا التعبير «أوقات الفرج» من خلال موعظة الرسول بطرس لمستمعيه من اليهود في الهيكل بعد عجيبة شفاء الرجل الأعرج منذ ولادته(1). يقول نص الآية في سفر أعمال الرسل: «فتوبوا وارجعوا لتُمحى خطاياكم، لكي تأتي أوقات الفرج من وجه الرب. ويُرسل يسوع المسيح المبشّر به لكم قبل(2)». ولقد أثارت هذه الآية جدلاً واسعاً، عمّا كان يقصد به الرسول بطرس. وكان الرسول بطرس قد أكّد لمستمعيه أنه بالإيمان بيسوع المسيح الذي قتلوه والمُقام من الأموات، شُفي هذا الرجل الأعرج. ثم أوضح لهم أن الله بآلام المسيح قد تمّم ما سبق أن أنبأ به بأفواه جميع أنبيائه.   

فماذا قصد الرسول بطرس بقوله: لكي تأتي أوقات الفرج من وجه الرب؟ يدعو الرسول بطرس هنا بكل وضوح مستمعيه لكي يتوبوا حتى تغفر خطاياهم، ويختبروا نعمة الله وخلاصه البهيج، وينتقلوا بالتالي من حالة العبودية للخطية إلى الحرية الحقيقية، ويتبرروا أمام الله. وهذا ما وصفه بأوقات الفرج من وجه الرب. ثم أضاف حقيقة هامة أخرى أنه عندها سيأتي يسوع المسيح إليهم، أي يختبروه في حياتهم. وهو الذي سبق أن بُشّر بمجيئه من قبل. وأعلن أن الرب يسوع المسيح «ينبغي أن تقبله السماء إلى أزمنة رد كل شيء(3)». أي أن المسيح سيبقى في السماء إلى أزمنة إتمام كل شيء، عند نهاية العالم وقيامة الأموات والدينونة العامة والحياة الأبدية أي الملكوت الأبدي.

لكن ماذا قال التفسير التدبيري(4) حول هذه الآيات؟ هذا ما كتبه المفسّر التدبيري وليم مكدونالد(5) بهذا الخصوص: «تؤكد أن توبة الأمة كلها يجب أن تسبق استعادة وضعهم واستعادة البركة التي كانت لهم كأمة. وتشير أوقات الفرج من وجه الرب إلى البركات التي ستأتي عندما يملك المسيح على الأرض في المستقبل(6)». ثم ختم ملاحظاته حول موعظة الرسول بطرس بالقول: «في هذه العظة نلاحظ أن المملكة التي سيُقيمها المسيح على الأرض هي التي يتكلم عنها بطرس، وليست الكنيسة. وتركيزه هنا كان على الأمة اليهودية لا على اليهود كأفراد. إن روح الله يتمهّل على الأمة القديمة بصبر، مناشداً ذلك الشعب أن يقبلوا الرب يسوع على أنه هو المسيّا، وبهذا يكون مجيء المسيح ثانية وملكه على الأرض قد صارا وشيكين. ولكنّ الأمة عموماً لم تسمع(7)».

 يريد المفسّر التدبيري أن يقنعنا أن الرسول بطرس قد بدّل رسالته في أيام معدودة، والتي أعلنها يوم الخمسين(8) إلى اليهود المجتمعين في أورشليم من كل أمة تحت السماء(9). من الواضح أن الرسول بطرس لم يغيّر رسالته بين ليلة وضُحاها، وما زال يتكلم عن رسالة الخلاص في المسيح يسوع، كما سبق أن أعلنها في يوم الخمسين. وأكد لهم أن المسيح الذي يتكلم لهم عنه هو الذي تمّم ما تنبأ عنه جميع الأنبياء. ولم يتحدث  بالتالي إلى اليهود من مستمعيه لكي يتوبوا ويؤمنوا، حتى يأتي المسيح في مجيئه الثاني، ويبدأ تحقيق المواعيد الأرضية بالنسبة لهم. إن كلام الرسول بطرس مازال مركزاّ على الكنيسة وامتداد ملكوت الله. أليس غريباً جدا ومستهجناً أن يدّعي المفسّر التدبيري أن الرسول بطرس كان يتكلم هنا عن المملكة الأرضية التي سيقيمها المسيح، وليس عن الكنيسة؟

ونلاحظ هنا التناقض الذي وقع فيه المفسّر فهو يقول: «بهذا يكون مجيء المسيح ثانية وملكه على الأرض قد صارا وشيكين. ولكنّ الأمة عموماً لم تسمع». بما أن هذا الافتراض الأساسي (أي مجيء المسيح ثانية ليملك) كان خاطئاً، فلا بد أن تكون النتيجة خاطئة. إن الرسول بطرس لم يشر لا من قريب أو من بعيد إلى موضوع مجيء المسيح ثانية لكي يملك. لعلّ السؤال الذي يُطرح هنا، والذي طرحه المفسّر التدبيري نفسه، عندما تساءل قائلاً: «لو تابت إسرائيل كأمة عندما كان بطرس يتكلّم، هل كان الرب يسوع سيرجع إلى الأرض؟ اختلف المفسرون في هذا الموضوع (10)». وفعلاً هناك من يزعم أن الرسول بطرس كان يتحدّث بروح النبوءة إلى اليهود في نهاية الأيام. مع العلم أننا نقرأ في بداية الأصحاح الرابع من أعمال الرسل أن كثيرين من الذين سمعوا الكلمة آمنوا وصار عدد الرجال نحو خمسة آلاف(11). إذاً لقد أثمرت موعظة الرسول بطرس، وآمن ألفا رجل، أي ثلثا العدد الذي آمن في يوم الخمسين. وهذا يؤكد عدم صحة ما ذهب إليه المفسّر التدبيري.

لكن الرسول بطرس لم يقف عند هذا الحد في موعظته، بل ذكّرهم بنبوءة النبي موسى، عن النبي الذي سيقيمه الله، أي المسيح. ثم أكّد لهم مرّة أخرى «أن جميع الأنبياء أيضاً من صموئيل فما بعده جميع الذين تكلّموا سبقوا وأنبأوا بهذه الأيام»(12). وهذه الأيام تعني هذه الأيام التي كانت موجودة في زمن الرسول بطرس، وليست تلك الأيام التي ستأتي في المستقبل البعيد كما يزعم البعض.

وأضاف الرسول بطرس قائلاً لمستمعيه من اليهود: «أنتم أبناء الأنبياء والعهد الذي عاهد به الله آباءنا قائلاً لإبراهيم وبنسلك تتبارك جميع قبائل الأرض»( 13). وهنا تأكيد آخر أن الرسول بطرس كان يتحدّث لليهود في أيامه وليس لليهود في المستقبل. وأعلن لهم بكل وضوح أن المسيح يسوع الذي أتى هو هذا النسل الذي تتبارك به جميع قبائل الأرض. وختم موعظته قائلاً لهم: «إليكم أولاً إذا أقام الله فتاه يسوع أرسله يبارككم برد كل واحد عن شروره»(14). أي أكّد لهم مرة ثانية أن البركة الحقيقية تكون عندما يتوبون عن شرورهم ويؤمنون بالمخلص المسيح. ولا علاقة لهذه البركة بالمستقبل البعيد أو بالمجيء الثاني للمسيح.

أرجو أن أكون قد أوضحت ماذا تعني الآية: «فتوبوا وارجعوا لتُمحى خطاياكم لكي تأتي أوقات الفرج من وجه الرب». وهنا أدعو كل شخص يقرأ هذه المقالة، إذا لم يكن قد اختبر بعد خلاص الله، أن يتوب ويرجع إلى الله، ويؤمن بالمسيح المخلّص، لكي تُمحى خطاياه ويعيش أوقات الفرج الحقيقية، وينال بالتالي بركة الله.

  1. أعمال الرسل11:3-26.
  2. أعمال الرسل19:3و20.
  3. أعمال الرسل21:3.
  4. التفسير التدبيري فهو الذي يعتقد أن الله تعامل مع الإنسان من خلال سبعة تدابير. ويركّز على العلاقة الخاصة ما بين الله وشعب إسرائيل.
  5. وليم مكدونالد، كان معلّماً لللاهوت في مدرسة الكتاب المقدس بشيكاغو ثم في سان لياندرو في كاليفورنيا، وله مؤلفات عديدة، أهمها كتاب: تفسير الكتاب المقدس للمؤمن.
  6.  كتاب تفسير الكتاب المقدس للمؤمن صفحة 587.
  7.  كتاب تفسير الكتاب المقدس للمؤمن صفحة 588.
  8. يوم الخمسين، هو اليوم الخمسين بعد قيامة الرب يسوع المسيح، وقد حلّ فيه الروح القدس على التلاميذ.
  9. أعمال الرسل5:2.

10-كتاب تفسير الكتاب المقدس للمؤمن صفحة 587.

    11-أعمال الرسل4:4.

     12-أعمال الرسل24:3.

     13-أعمال الرسل25:3.

     14-أعمال الرسل26:3.