• كيف ندعو العهد القديم وماذا نسميه؟ بقلم القس حنا كتناشو

تتعدد تسميات الأسفار المقدسة التي تسبق العهد الجديد.  وتختلف بين الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية. وتتنوع التسميات في المدارسة اللاهوتية المختلفة. ويميل أتباع الديانة اليهودية والمتعاطفين معهم إلى استخدام التسميات التالية: التناخ (תנ"ך)، المقرا (מקרא)، كتاب الكتب أو أفضل الكتب (ספר הספרים)، الكتب أو الأسفار المقدسة (כתבי הקודש)، أسفار ك د (כ"ד הספרים) حيث تستخدم الأحرف العبرية ك ود للدلالة على الرقم 24، وسفر العهد (ספר הברית)، إلا أن أول مصطلحين (التناخ والمقرا) هما الأهم والأكثـر استعمالا بين اليهود.

وتدعى الأسفار باللغة العبرية بــــــــــ"التناخ"، وتُكتب بالعبرية תנ"ך. وهي كلمة تختزل ثلاثة كلمات عبرية مدلوها: التوراة والأنبياء والكتب (תורה – נביאים – כתובים). التوراة هي أسفار موسى الخمسة. الأنبياء هي الأسفار التالية: يشوع، قضاة، صموئيل، ملوك، أشعياء، إرمياء، حزقيال، والأنبياء الصغار. الكتب هي المزامير، الأمثال، أيوب، نشيد الأنشاد، راعوث، مراثي، جامعة، أستير، دانيال، عزرا-نحميا، وأخبار الأيام. أما الكلمة مقرا (מקרא)، فلقد أُستخدمت في المشنا  (التقليد الشفوي المدوّن) إذ يشدد التقليد أن ابن الخمس سنوات يجب أن يبدأ بقراءة التناخ. ومدلول الكلمة "مقرا" مرتبط بالقراءة بصوت مسموع. وترتبط بالتقاليد اليهودية في قراءة الأسفار المقدسة في المجامع حين يجتمع الناس للعبادة. وربما تتشابه الكلمة مع كلمة قرآن العربية.

بعد الحديث عن اليهودية من المناسب أن نتحدث عن تسمية العهد القديم في الإسلام. يستخدم المسلمون مصطلح التوراة للدلالة على أسفار موسى الخمسة وأحيانا للدلالة على أسفار العهد القديم. وتظهر الكلمة توراة ثمانية عشر مرة في القرآن. قسمٌ منها يرتبط بكلمة الإنجيل كما في سورة عمران. تقول سورة آل عمران الآية 3: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ. ويضيف القرآن قائلا: " "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ" (الأنبياء: 48). حسب بعض التفاسير الإسلامية مدلول الكلمة "فرقان" هو الكتب السماوية التي تفرّق بين الحق والباطل وبين الحلال والحرام. وتشمل هذه الكتب التوراة وربما العهد القديم.

 

أما في الدوائر المسيحية سواء على المستوى الكنسي أو الأكاديمي فتتعدد التسميات بحسب المواقف اللاهوتية والسياق اللغوي والحضاري. وبالرغم من أهمية المصطلح "العهد القديم" إلا أننا يجب أن ننفتح لتعددية التسميات بحسب السياق وبهدف البناء ونشر السلام وليس عن حزن أو اضطرار. ولا يعني هذا الأمر التوقف عن استخدام المصطلح العهد القديم بل إضافة أسماء أخرى إليه بحسب السياق.

 

ونجد التسميات التالية: (1) التناخ، (2) الأسفار العبرية، (3) العهد الأول، (4) العهد الأقدم، (5) التوراة، (6) أسفار الشريعة، (7) مقرا، (8) الناموس، (9) وJEDP. ولا يُعبـر هذا الترتيب عن أولويات التسمية إذ ترتبط التسميات بالتقليد الديني واللغوي والقناعات الإيمانية التي ينتمي إليها المتحدث أو التي يريد التشديد عليها.

 

لقد تحدثنا أعلاه عن الكلمات تناخ ومقرا ولذلك لا حاجة للتكرار. ويستخدم العديد من المسيحيين المنغمسين في الحوار المسيحي – اليهودي الكلمات التي لا تستفز الدين اليهودي أو المتعاطفين معه. ولهذا يستخدمون المصطلح تناخ أو الأسفار العبرية. إلا أن هذه المصطلحات لها محدوديات. فالعهد القديم لا يحتوي نصوصا عبرية فحسب بل يحتوي أيضا نصوصا آرامية، مثل بعض أجزاء سفر دانيال. إضافة إلى ذلك، يؤمن الأرثوذكس الخلقيدونيون أن نصوص العهد القديم الموحاة هي النصوص اليونانية وليست العبرية. ثم هناك تحدي آخر إذ لا تحتوي النصوص العبرية كل أسفار العهد القديم في الكنائس التقليدية. فالأسفار القانونية الثانية (أو الأبوكريفا) خُطت باللغة اليونانية وظهرت بالمخطوطات السبعينية اليونانية والمخطوطات اللاتينية (الفولغاتا) ولم تظهر بالمخطوطات الماسورية (أي التقليدية) العبرية. وهكذا يصبح المصطلح "الأسفار العبرية" محدودا ويخلو من الدقة في بعض الأحيان.

 

ولهذا فضّل البعض استخدام الكلمات التوراة أو الشريعة أو الناموس. إن الكلمة الأولى أو التوراة تتمحور حول أسفار موسى الخمسة (البنتاتوك - Pentateuch) ولا تبـرز الأسفار التاريخية وأسفار الحكمة والأسفار النبوية بصور عادلة بل ترجح أهمية أسفار موسى. وبينما تركز كلمة التوراة على الأسفار الخمسة الأولى فإن كلمة شريعة وناموس تركز على نوعية واحدة من الإعلان الإلهي، أي الشرائع. فكلمة ناموس هي كلمة يونانية تعني شريعة. ولهذا تختـزل أنواع الأدب المختلفة لتشدد على نوع واحد. وسنقدم في دراسة لاحقة في المستقبل موقف العهد الجديد من التسميات وعلاقة التسميات بمفهوم العهد.