• وهكذا سيخلص جميع إسرائيل - بقلم: شكري حبيبي

لا بدّ أن البعض تساءل عندما كتبت في المقالة السابقة: «أن بقية فقط من شعب إسرائيل هي التي ستخلص»، لكن ماذا عن قول الرسول بولس في الأصحاح الحادي عشر من رسالته إلى رومية: «وهكذا سيخلص جميع إسرائيل»؟(1) إنه سؤال منطقي. وللإجابة أقول: تابع الرسول بولس نقاشه لموضوع خلاص إسرائيل في الأصحاح المذكور. فتحدث عن الزيتونة البريّة التي طُعّمت في الزيتونة الجيّدة. وكان يشير بذلك إلى الأمم الذين آمنوا في المسيح، وصاروا شركاء مع المؤمنين بالمسيح من شعب إسرائيل، في أصل الزيتونة ودسمها(2). وبتعبير آخر صار الاثنان شعباً واحداً لله، هو الكنيسة. وهذه حقيقة هامة يجب أن أؤكد عليها في بداية بحثنا لهذا الموضوع. ثم أضاف الرسول بولس قائلاً: «فإني لست أريد أيها الإخوة أن تجهلوا هذا السرّ. لئلا تكونوا عند أنفسكم حكماء. أن القساوة قد حصلت جزئياً لإسرائيل إلى أن يدخل ملؤ الأمم. وهكذا سيخلص جميع إسرائيل»(3).

إن القساوة قد حصلت جزئياً إذاً لشعب إسرائيل حسب الجسد إلى أن يدخل ملؤ الأمم. أي إلى أن يكتمل عدد المؤمنين من الأمم. وهكذا أي بهذه الكيفية سيخلص جميع إسرائيل. وهنا أحب أن أشدد أولاً على كلمة سيخلص. إن الرسول بولس ما زال يناقش موضوع خلاص إسرائيل حسب الجسد الذي بدأه في الأصحاح التاسع. وخلاص إسرائيل بحسب مفهومه، هو الإيمان بالرب يسوع المسيح الذي أتى وأكمل عمل الفداء بموته على الصليب وقيامته الظافرة من بين الأموات. فهو هنا لا يتحدث عن خلاص من نوع آخر، أو عن استئناف مسيرة جديدة لشعب إسرائيل في علاقته مع الله، كما افترض البعض. الخلاص الذي بدأ مع البقيّة اليهودية المؤمنة بالمسيح. وقال أنه سيأتي يوم يكتمل فيه عدد المؤمنين من شعب إسرائيل حسب الجسد، كما اكتمل عدد المؤمنين بالمسيح من الأمم.

والآن: ماذا قصد الرسول بولس بقوله: «وهكذا سيخلص جميع إسرائيل»؟ هناك رأيان بالنسبة لهذا الموضوع. رأي يقول: بما أن المؤمنين بالمسيح من الأمم قد أصبحوا واحداً مع المؤمنين بالمسيح من شعب إسرائيل، فهذا يعني أن تعبير جميع إسرائيل يشمل المؤمنين بالمسيح جميعاً، لا سيما أنه ذكر موضوع ملء الأمم. وهناك رأي آخر يقول: إن المقصود هنا بجميع إسرائيل، هم المؤمنون بالمسيح من إسرائيل حسب الجسد فقط. لا سيما أن الرسول بولس تابع واقتبس من النبي إشعياء: «كما هو مكتوب سيخرج من صهيون المنقذ ويرد الفجور عن يعقوب»(4). لكن سيّان كان هذا الرأي أم ذاك، فإن الموضوع الأساسي في هذا العدد هو اكتمال عدد الذين سيخلصون من الأمم ومن شعب إسرائيل حسب الجسد بواسطة إيمانهم بالمسيح.

نأتي الآن إلى موضوع الآية التي اقتبسها الرسول بولس من النبي إشعياء: «سيخرج من صهيون...»

فهل كانت هذه الآية تشير إلى المجيء الأول للمسيح أم إلى مجيئه الثاني؟ برأيي، وهو رأي كثيرين أيضاً، أنها كانت تشير إلى المجيء الأول للمسيح. إذ يعود هنا الرسول بولس كعادته، إلى ما سبق أن تنبأ به الأنبياء عن المجيء الأول للمسيح، وأنه سيرد الفجور عن يعقوب أي إسرائيل، بواسطة إكماله لعمل الفداء. وهكذا سيخلص جميع إسرائيل في النهاية. لا سيما أن الآية في نبوءة إشعياء تقول: «ويأتي الفادي إلى صهيون وإلى التائبين عن المعصية في يعقوب»(5). أما إذا اعتبرنا أنها تشير إلى المجيء الثاني كما يفترض البعض فإننا سنقع في مشكلة كبرى، ألا وهي أن الله سيُعطي فرصة ثانية لبعض الناس للخلاص بعد مجيئه الثاني عن طريق العيان وليس بواسطة الإيمان. وهذا مخالف لكلمة الله كما جاءت في العهد الجديد. مع العلم أن الرسول بولس قال وهكذا وليس عندئذ، أي بهذه الكيفية، أو نتيجة لذلك سيخلص جميع إسرائيل.

وتابع الرسول بولس اقتباسه من العهد القديم فقال: «وهذا هو العهد من قبلي لهم متى نزعت خطاياهم، من جهة الإنجيل هم أعداء من أجلكم. وأما من جهة الاختيار فهم أحباء من أجل الآباء. لأن هبات الله ودعوته هي بلا ندامة»(6). وهنا يؤكد الرسول بولس أن الله لا بدّ أن يُكمل تعامله مع الشعب القديم بسبب وعوده للآباء. أي لا بدّ أن يخلّص الكثيرين منهم إلى أن يكتمل عدد المخلّصين. وهنا يُطرح السؤال: متى سيتعامل الله معهم؟ أجابنا الرسول بولس عن هذا السؤال فكتب قائلاً: «فإنه كما كنتم(أي الأمم) أنتم مرّة لا تطيعون الله، ولكن الآن رُحمتم بعصيان هؤلاء، هكذا هؤلاء أيضا(اي شعب إسرائيل) الآن لم يطيعوا لكي يُرحموا هم أيضاً برحمتكم»(7). لنلاحظ كلمة الآن مكررة بالنسبة للطرفين. واضح من هذا العدد أن الله بدأ بتعامله مع شعب إسرائيل منذ المجيء الأول للمسيح، وهو مازال يتعامل معهم في زمن العهد الجديد الحالي، لكي يكتمل عدد المخلّصين منهم، كما يكتمل عدد المخلّصين من الأمم، وهكذا سيخلص جميع إسرائيل. وهناك من يعتقد: أن الله سيتعامل مع شعب إسرائيل حسب الجسد وعلى نطاق واسع، في نهاية الزمان أيضاً، وقبل مجيء الرب يسوع المسيح ثانية، لكي يخلّص جمهوراً كبيراً منهم، ويضمّهم إلى الكنيسة المسيحية.

وختم الرسول بولس مناقشته لهذا الموضوع بهذه الحقيقة الهامة: «لأن الله أغلق على الجميع معاً في العصيان، لكي يرحم الجميع(8)». والجميع هنا تعني المؤمنين بالمسيح من الأمم ومن شعب إسرائيل. لعلّ السؤال الذي يجب علينا طرحه الآن: أين يقع اختطاف الكنيسة في هذه المناقشة؟ وأين هو الأسبوع الأخير والضيقة العظيمة التي ستتخلله؟ وأين كل هذه المواضيع التي يطرحها البعض كسيناريو لنهاية العالم؟ ولماذا لم يأت الرسول بولس على ذكرها بتاتاً في هذه المناقشة المتعلقة بموضوع خلاص إسرائيل؟ إن هذا يؤكد أنها محض افتراضات خاطئة لا أساس لها في العهد الجديد. والغريب في الأمر أنني عندما سألت مرّة أحد الوعاظ من أين أتى بفكرة وجود شعبين لله، شعب سماوي هو الكنيسة، وشعب أرضي هو شعب إسرائيل؟ أجابني من رسالة رومية أصحاحات 9-11. لكن كما اكتشفنا الآن لا وجود لهذا الكلام البتة في هذه الآصحاحات، بل على العكس تماماً، أكّد الرسول بولس وجود شعب واحد لله يضم جميع المؤمنين بالمسيح من الأمم ومن شعب إسرائيل حسب الجسد، وبوجود خطّة واحدة للخـلاص بالمسيح تشمل الجميع.

  1.  رسالة رومية26:11أ.
  2.  رسالة رومية17:11.
  3.  رسالة رومية25:11-26أ.
  4.  رسالة رومية26:11ب.
  5.  سفر إشعياء20:59.
  6.  سفر رومية27:11-29. سفر إشعياء9:27؛ سفر إرميا31:31؛ سفر العبرانيين8:8؛ سفر تثنية8:7؛ سفر العدد19:23.
  7.  سفر رومية30:11-31.
  8.  سفر رومية32:11.