• أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ ? مارتن كورش تمرس لولو

"أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟"  تكوين٣: ١

دخلت الحية " لم تكن السبب في سقوط الإنسان، بل الوسيلة التي فتحت المجال للإنسان لكي يشكك في كلام الله والثقة به." [1]  فيما بين الإنسان والله، بعد أن علمت أن الله ترك للإنسان حرية الإختيار! علمت الحية أن الوقت قد حان كي تطرق طبلة إذن الإنسان! سمع الإنسان وفتح قنوات  إذنيه على مصراعيهما وأصغى لخطوات الحية وهي تدخل إلى بيت أفكاره لتملؤها "بالكبرياء، الذي يقود إلى التمرد والعصيان. [2] "اللذان كان الرمل والتبن في صناعة أول لبنة من لبنات الخطيئة التي " تقود إلى الإنفصال من الله والإبتعاد عن الشركة معه، بالتالي الموت" [3] بالتالي السقوط في مستنقع الخطيئة!

كان آدم ينظر بعين الحب إلى حواء معينه، وبالأخرى ينظر بالشك إلى الحية. دون أن ينسى موافقته على منعه الله من الإقتراب من شجرة معرفة الخير والشر. بينما الحية تبحث في رأسها عن كل خطة بها تُقنع حواء بكسر كلام الله. علمت أن آدم لن يمنع حواء مما ستفعله! لأنه يحبها.

هكذا نحن اليوم نحب أنفسنا، أولادنا، أصدقائنا، جيراننا، أقربائنا وإخوتنا و.. نوافقهم آرائهم الخاطئة لكي لا يغضبوا منا! بينما نحن ندري أننا نساوم على محبة الله. هذا يدل على أننا نحب كل هؤلاء أكثر من الله موافقين الحية في مساعيها دون أن تحضر جسدياً أمام عيوننا. قالت الحية:

  • "أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟ تكوين٣: ١".

سكت آدم لم يجبها. أجابت حواء:

  • " فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا. تكوين ٣: ٢ - ٣".

من خلال نظراتهما واحدهما للآخر كأنه وقع بينهما هذا الحوار، قالت حواء له:

  • دعنا نجرب! قد نجد شيئاً جديداً.
  • لا تنس أن الله منعنا من الأكل من ثمر شجرة معرفة الخير والشر.
  • لو كنت تحبني دعني أقطف تفاحة واحدة، فقط ليس أكثر، نتقاسمها مناصفة. لن أدع الحية تشاركنا في أكلها! لأنها لن تكفي إلا لكلينا!
  • أجلي الموضوع إلى يومٍ آخر! أو دعينا نسأل الله.
  • لقد منعنا من الإقتراب منها.

فجأة قطعت الحية خيط خيال حوارهما، لتقول لحواء:

  • هيا تقدمي وأقطفي وكُلي وسترين ما لم تراه عيونك منذ يوم خلقك الله.

لم تتأخر حواء. تقدمت وقطفت وأعطت لزوجها وأكلا  "فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ. تكوين٣: ٧"  أخذ واحدهما ينظر في وجه الآخر، وهو خجلٌ من نفسه. عرفا أنهما عريانان. إنتابهما شعور بالخجل والندم والحزن ثم البكاء المرير. لكن هيهات أن ينفع الندم.

عرف الله بكل الذي جرى فيما بين آدم وحواء والحية. منذ اللحظة التي إلتقوا فيها! لم يتدخل الله، بل ترك الله لآدم وحواء حرية الإختيار. لكنهما مع الأسف إختارا السقوط والهلاك. كانت لحظة حاسمة فيها سقط الإنسان إلى مستنقع الخطيئة. رأى الإنسان ما لا يجب رؤيته. رأى السقوط بعينيه حتى غدا في الهاوية وحيداً يشعر بالخوف وعدم الأمان بعيداً عن الله الذي أحبه فخلقه على شبهه وصورته "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. تكوين١: ٢٧"  لم يعلم آدم أنه بموافقته على ما أقدمت عليه حواء يعني هو الذي إرتكب ما إرتكبته. خجل كلاهما مما فعلاه. تمنى من كل قلبهما أن يعودا إلى ما كان كلاهما عليه قبل قضمة التفاحة. لكن هَيْهَاتَ أَنْ تَعُودَ الْمِيَاهُ إِلَى مَجَارِيهَا. لقد إنكسر وعاء الحب حتى إنفصمت العلاقة فيما بينهما وبين الله الذي أحبهما. كأن آدم وهو في قاع السقوط سأل حواء:

  • لماذا يا حبيبتي أصغيت لكلام الحية؟

كأنها تسأله سؤال بسؤال:

  • لماذا لم توقفني؟ لم أقوَ على تحمل جاذبية تلك الشجرة وكلها بهاء للعيون.
  • يوم خلقنا الله لم يخلقنا ناقصي العقل. لا أنا ولا أنتِ. لذلك منحنا الحرية كي نقدر أن نختار. لكننا أحزنا قلبه بسبب إختيارنا ما كان لا يجب أن نختاره. سرنا على طريق لسان الحية وتركنا الله ومحبته لنا.

كأن حواء تقول:

  • أفعل شيئاً أن الله يحبكَ. نعم وإلا لما خلقني من ضلعكَ معيناً لكَ  " لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ. تكوين٢: ١٨" .. هيا أسأله أن يعفو عنا.. أرجوكَ يا حبيبي لا أتحمل جو السقوط.. أرجوكَ أفعل شيئاً وأثبت لي أنكَ لازلت تحبني.
  • نعم أني أحبكِ لذلك وافقتك رأيكِ! نعم أحبكِ أكثر من نفسي بل أكثر من الله! أنتِ السبب يا حواء.. أنتِ أخذت بكلام الحية.. أنتِ جعلتيني بحبي لكِ أوافقكِ على خطأ إرتكبتيه. اذا أنا الجاني لأني أحببتكِ أكثر من الله.
  • صدقني الحب لا يقود إلى الخطيئة ولا يقترب من حافة هاوية السقوط. لكن بحبنا سرنا خلف الحية ونسينا الله.

ظل واحدهما يلوم الآخر.

  • "فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ؟ تكوين٣: ٩".

لم يقو آدم على الإجابة بل إختبأ خجلاً من الله أولاً ومن نفسه ثانياً ومن حواء ثالثاً وهي ترى عورته وهو كذلك. لا بد أن كل واحد منهما سأل نفسه قبل أن يسأل واحدهما الآخر:

  • يا الله لماذا فعلنا هذا تجاهكَ؟ يا الله لماذا ضعفنا؟ لماذا سال لعاب الخطيئة فينا حتى توحلت تصرفاتنا ولبست أعمالنا أثواب العُري؟ ندمنا لحظة سقوطنا من أنظاركَ! يا الله لم نندم على طردنا خارج جنة عدن أكثر ما ندمنا على خسارتنا أياكَ. لأننا نعلم أن كل جنة من غيرك لا تساوي شيء. يا الله لا تترك صفحات سجل حياتنا من غير بصمتك. يا الله نخشى من ملاحقة الحية لنا... آه يا الله وألف آه على علاقتنا التي إنفصمت معكَ.! لحظة قبولنا أن نأخذ من يد الحية مطرقة الشك ونضرب بها جدار سور العهد الذي منحته يا الله لنا للعيش في جنة عدن. أغفر لنا يا الله. لقد أخطأنا أمامكَ وفي حق كل الأجيال القادمة.

نظرت حواء إلى آدم بعين الأسف لتنقلب أزارير ضياء نظراتها إلى حزن ووجع، بينما دموعها منهمرة بغزارة، حتى غدتْ لا ترى حبيب القلب كما كانت تراه قبل أن تلتقيهما الحية، لتقول:

  • هل تبقى الحية حية وموجودة حتى بعد أن نضع رؤوسنا على مخدة رجاء القيامة؟ هل ستقدر أن تغوي أبنائنا وأحفادنا كما فعلت معي؟ هيا يا آدم توسل إلى الله أن يحمي فلذات أكبادنا من الحية.  

لم يقوَ آدم على الإجابة. صمت حتى شعرت حواء بالوحدة. قالت في نفسها لنفسها:

  • يا الله أغفر لي لا تتركني.  أخشى أن يتركني آدم الذي خلقتني من ضلعه! ذاك الذي كان لي حبيب وزوج ورفيق. آهٍ يا إلهي ماذا فعلتُ بنفسي؟ أين كنتُ وأين أصبحتُ؟ كنت كل يوم في الجنة أسير مع حبيب القلب يدي في يده لا أتركها خشية أن أفقده للحظة بين كثافة الأشجار. كنتُ معه كل لحظة بينما أنت يا الله تخرج إلينا لتسير معنا. كم كنتَ يا الله سعيداً بحبنا لبعضنا، بمحبتنا لك. آهٍ يا الله...

اذا بآدم دون إرادة منه يصرخ من أعماقه بأعلى صوته، كله وجع وألم:

  • يا الله أحمي أبنائنا، أحفادنا بل كل الأجيال من بعدنا. علمهم أن يعتمدوا عليكَ ولا يتركوكَ في كل خطوة يخطونها. عرِّفهم أن الحية لا تحبهم.

إقتربت منه حواء وإحتضنته بينما الحية تنظر بسخرية إليهما!

خرج آدم مطروداً من الجنة ومعه حواء. لم ينفعه عذره برمي المسؤولية على كاهل حواء " الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ. تكوين٣: ١٢"  كذلك لم ينفع تحجج حواء  "الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ. تكوين٣: ١٣".

 قرر الله فكان حكمه عادلاً دون أن يخلو من الرحمة والخلاص بالنعمة  "وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ. تكوين٣: ١٥" . خرج كلاهما منفيين إلى خارج حدود جنة عدن. نظر آدم إلى خلفه وبكى بكاءاً مراً، كأنه بدأ يرنم في قلبه:

القرار:

         أرحمني يا الله    لا تتركني يا الله

         سامحني يا الله    خلصني يا الله

         خطيئة إرتكبت   لأمر الله خالفت

          للحية سمعت     رفضتُ أمر الله

          لماذا يا حية       فعلت هذا فيَّ؟

        يا رب تحنن عليَّ      خلصني يا الله

       إلى أين أذهب؟        أنا اليوم مذنب

     على الأرض تعب        تحنن علينا يا الله

    أصبحنا خارج جنة عدن    أيامنا بكاءٌ وحزن    

    وجعٌ وألمٌ وشجن            تحنن علينا يا الله

نظرت حواء إلى آدم وفي قلبها رنمت حزينة:

    آه وألف آه                آه وألف آه

    طريق الصواب تاه     خالفنا أمر الله

   خسرنا الله والجنة      خسرنا الرحمة والمحنة

    بعيداً عن الله أصبحنا    لا تتركنا يا الله

يا الله وحيدين لا تتركنا    أجعل الجنة في نفوسنا

  بعدكَ أيتام أصبحنا           نصرخ يا الله يا الله

 

مارتن كورش تمرس لولو

الطالب في كلية بيت لحم للكتاب المقدس

 

[1] 7 آدم الصفحة إلى كراس الدرس الثالث (من نوح)

[2] 7 آدم الصفحة إلى كراس الدرس الثالث (من نوح)

[3] الصفحة 7 آدم إلى كراس الدرس الثالث (من نوح)