• من هو الوارث؟ ومن هم الورثة؟ بقلم: شكري حبيبي
من هو الوارث؟ ومن هم الورثة؟ بقلم: شكري حبيبي

كنت قد تحدثت في مقالة سابقة عن سارة وهاجر ونسليهما وما يرمزان إليه، بحسب ما شرحه لنا الرسول بولس في رسالته إلى أهل غلاطية(1). وقلت إن هاجر كانت ترمز إلى عهد الناموس الذي أُعطي في جبل سيناء، وأن سارة كانت ترمز إلى عهد النعمة الذي أتى به الرب يسوع المسيح. وأن نسل هاجر(أورشليم الحاضرة) يمثّل بني إسرائيل الإثني الذي رفض الإيمان بالمسيح، بينما يمثّل نسل سارة (أورشليم العليا)  كل المؤمنين بالمسيح من جميع الشعوب والأمم والألسنة. وأن الرسول بولس قد أعلن عن حقيقة هامة في ختام مناقشته لهذا الموضوع عندما أكّد قول الله لإبراهيم: «اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة»(2). ولهذا ختمت مقالتي بالتساؤل: من هو الوارث؟ ومن هم الذين يستحقون أن يكونوا ورثة؟

للإجابة عن هذه التساؤلات أقول: لعل أول إشارة إلى: من هو الوارث؟ جاءت على كلام الرب يسوع المسيح نفسه، عندما تحدث عن مثل الكرم والكرّامين. فقال بلسان الكرّامين (رؤساء اليهود) عن الابن الذي أرسله صاحب الكرم: «هذا هو الوارث! هلمّوا نقتله ونأخذ ميراثه! فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم وقتلوه»(3). وكان المسيح بذلك يشير إلى نفسه الذي هو ابن الله المتجسّد، الوارث الحقيقي لوعود الله وبركاته، والذي تآمر عليه رؤساء اليهود وصلبوه. مع العلم أن رؤساء اليهود قد أدركوا أنه كان يتكلّم عليهم.

أما الإشارة الثانية فلقد جاءت في سفر العبرانيين، عندما دوّن الكاتب قائلاً: «الله، بعدما كلّم الآباء بالأنبياء قديماً، بأنواع وطرق كثيرة، كلّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه، الذي جعله وارثاً لكل شيء، الذي به أيضاً عمل العالمين»(4). وهنا نرى بوضوح أن المسيح الابن، هو الوارث لكل شيء.

وأخبرنا الرسول بولس ثالثاً: لماذا أصبح المسيح هو الوارث الحقيقي؟ فكتب في الرسالة إلى غلاطية قائلاً: «وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله. لا يقول "وفي الأنسال"، كأنه عن كثيرين، بل كأنه عن واحد "وفي نسلك" الذي هو المسيح.(5)» إذا إن المسيح هو النسل الموعود به، أي هو الوارث الذي ستتبارك به  جميع شعوب الأرض وليس نسل إسرائيل. وبعد أن شرح الرسول بولس أن الناموس الذي أتى بعدئذ، لم يبطل موعد الله من نحو المسيح، أضاف قائلاً: «لأنه إن كانت الوراثة من الناموس. فلم تكن أيضاً من موعد، لكن الله وهبها لإبراهيم بموعد»(6). من الواضح إذا أن لا علاقة البتة للوراثة بالشريعة، لكن الله وهبها لإبراهيم بموعد. لكي يكون المسيح هو النسل الذي يرث، وهكذا يصبح الوارث الحقيقي.

وكتب الرسول بولس رابعاً في رسالته إلى رومية قائلاً للمؤمنين بالمسيح: «فإن كنّا أولاداً فإننا ورثة أيضاً، ورثة الله ووارثون مع المسيح..»(7). إذا إن الوارث بالأساس هو المسيح والمؤمنون يرثون معه.

لعلّ السؤال الآن من هم الذين يستحقون أن يكونوا ورثة؟ أو من هم الورثة؟ بما أن الوارث هو المسيح فمن البديهي أن يكون الورثة هم الذين يؤمنون بالمسيح. ولهذا كتب الرسول بولس في رسالته إلى رومية أيضاً قائلاً: «فإنه ليس بالناموس كان الوعد لإبراهيم أو لنسله أن يكون وارثاً للعالم بل ببر الإيمان. لإنه إن كان الذين من الناموس هم ورثة فقد تعطّل الإيمان وبطل الوعد(8)». واضح من هاتين الآيتين أن الورثة هم جميع الذين يتبررون بالإيمان كما تبرر إبراهيم، ولم يعد الأمر متعلقاً بنسل إبراهيم الإثني، بل بكل من يؤمن. ولنلاحظ قول الرسول بولس: أن الوعد لإبراهيم ونسله أن يكون وارثاً للعالم. أي استبدل هنا وراثة أرض كنعان بالعالم أجمع، وهذا يشير إلى ملكوت الله الذي يرثه كل من يؤمن بالمسيح. وصار بالتالي كل المؤمنين بالمسيح من الورثة، الذين يرثون مواعيد الله وبركاته. الرسالة إلى رومية 23:4-24،(9).

وعاد الرسول بولس لتأكيد هذه الحقيقة في رسالته إلى غلاطية عندما كتب قائلاً: «اعلموا إذاً أن الذين هم من الإيمان أولئك هم بنو إبراهيم»(10). أي صار المؤمنون بالمسيح هم بنو إبراهيم والورثة. ثم ختم مناقشته بهذه الحقائق الهامة جداً: «لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع... ليس يهودي ولا يوناني. ليس عبد ولا حر. ليس ذكر وأنثى. لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع. فإن كنتم للمسيح فأنتم إذا نسل إبراهيم وحسب الموعد ورثة»(11). من الواضح هنا أن نسل إبراهيم لم يعد النسل الإثني، أي إسرائيل، بل أصبح كل من يؤمن بالمسيح، من أي أمة أو جنس أو شعب. وهذا النسل هو الوارث لكل وعود الله.

أما في رسالته إلى أفسس فبعد أن أكد الرسول بولس على الوحدة الكاملة في كنيسة المسيح بين اليهود والأمم، أعلن بكل وضوح: «أن الأمم شركاء في الميراث والجسد ونوال موعده في المسيح بالإنجيل»(12). إن الوراثة انتقلت إذا من إسرائيل الإثني إلى الشعب الواحد الجديد المؤلف من كل المؤمنين بالمسيح.

يتضح لنا من كل هذه الشواهد الكتابية أن كل مواعيد الله في العهد القديم المتعلّقة بشعب إسرائيل الإثني قد تمّت في شخص الرب يسوع المسيح الذي أصبح هو الوارث الحقيقي. وأيضاً في كنيسة المسيح التي أصبحت شعباً واحداً لله بغض النظر عن القومية والجنس، وغدت بالتالي هي الوارثة لكل مواعيد الله. وأن إسرائيل الإثني، وهذه نتيجة هامة جداً، لم يعد له أية علاقة بهذه الوراثة، ولا بأية وعود أو بركات أخرى. وهكذا تحقق أمر الله لإبراهيم: «اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة»(13).

  1.  الرسالة إلى غلاطية 22:4-31.
  2.  الرسالة إلى غلاطية 30:4.
  3.  بشارة متّى 38:21-39.
  4.  الرسالة إلى العبرانيين 1:1-2.
  5.  الرسالة إلى غلاطية 16:3.
  6.  الرسالة إلى غلاطية 18:3.
  7.  الرسالة إلى رومية 17:8.
  8.  الرسالة إلى رومية 13:4و14.
  9.  الرسالة إلى رومية 23:4-25: «ولكن لم يُكتب من أجله وحده أنه حُسب له - أي حُسب لإبراهيم البر- بل من أجلنا نحن أيضاً الذين سيُحسب لنا الذين نؤمن بمن أقام يسوع ربّنا من الأموات. الذي أُسلم من أجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا».

10- الرسالة إلى غلاطية 7:3و8: «والكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرّر الأمم سبق فبشّر إبراهيم أن فيك تتبارك جميع الأمم».

    11- الرسالة إلى غلاطية 27:3-29.

    12- الرسالة إلى أفسس 6:3.

    13- الرسالة إلى غلاطية 30:4.