• الخلق في سياق العالم القديم - بقلم القس حنا كتناشو
الخلق في سياق العالم القديم - بقلم القس حنا كتناشو

ازدادَ النَّشاطُ الاركيولوجيُّ  في القرنِ التَّاسع عشر. وبدأ علماءُ الآثارِ بإخراج كنوز العالم القديم لا سيّما في الشَّرق. فظهرت العديدُ من معتقداتِ حضارات الشَّرق الأدنى القديمة الَّتي تتشابه معَ الكتاب المقدَّس. واكتشفوا قصصاً عن الخلق والطُّوفان مما أبرز أسئلةً جديدةً لقرَّاء الكتاب المقدَّس. ونفى المتشككونَ أيَّ تعليم يجادل أنَّ الكتاب المقدس منقطع النَّظيـر. وأكّدوا أنَّ القصصَ البيبلية مقتبسةٌ من حضارات بلاد ما بين النهرين أو حضاراتٍ أخرى قديمة. وروَّجَ كثيـرون باسم العلم نظرياتٍ إلحاديةً تشرح نشأةَ الكون (Cosmogony). وتخلّى الكثيـرون عن عالم الغيبيات أو الميتافيزيقيا متمسكين فقط بكل ما يمكن اختباره بالحواس. فبهذا المفهوم "العلمـي" لم يخلق اللهُ البشرَ بل خلق البشرُ اللهَ.

               بإيجازٍ، ساهم المتشككون في تعديل المنظور التَّفسيري في عددٍ من الكنائس ولكنَّهم فشلوا في اكتشاف تفردية الكتاب المقدَّس. لا ينفرد الكتاب المقدَّسُ بالحديث عن الخلق أو الطوفان. وهذا حقٌ. ولا يسعى الكتاب المقدس إلـى إجابة الأسئلة العلمية المعاصرة الّتي تتجاهل المعجزات والغيبيات. ولكنَّه يقرأ قصصَ أو أحداثَ الخلقِ والطُّوفان من منظور التَّوحيد بالله والاعتـراف بسيادة ورعاية الخالق الواحد على كلِّ الخليقة. يقدم طرحه في تفاعل مع بيئة حضارات الشَّرق الأدنى القديمة الَّتي آمنت بتعددية الآلهة. يتحدى النَّصُ المقدَّسُ المنظوماتِ الفكريةَ المتعلقةَ بالخلقِ في حضاراتِ شعوب الشَّرق القديمة (السُّومرية، الأكادية، البابلية، الكنعانية، والمصرية) (1)

               فعلى سبيل المثال، تنادي "الأنوما أليش" البابلية بالقصة التَّالية. اختلطت المياهُ الحلوةُ (عبسو) والمياه المالحة (تيامات) ووُلدت الآلهةُ ثمَّ وُلد أحفادُ الآلهةِ. فضجَّ عبسو وتياماتُ من صوتِهم. وقررا أنْ يقتلا الآلهةَ. فتوجَّهت الآلهةُ إلى الإلهِ مردوخ طلباً للمساعدة. حارب مردوخُ تيامات وقتلها وقسم جسمَها إلى قسمين، هما الأرض والسَّماء. وصُنع البشرُ من دم بعض الآلهة. لقد خلق الآلهةُ البشرَ ليتحملوا عبأ العمل الشَّاق وليرتاحوا من التَّعب. ثمَّ بنى الآلهةُ مدينةَ بابل تعبيـراً عن شكرهم وامتناهم للإله مردوخ الَّذي نجَّاهم من تيامات (2)

               وعندما نقرأ سفرَ التَّكوين في حوارٍ مع ثقافاتٍ تُشبه الفقرة السَّابقة، نكتشف أنَّ النَّصَ المقدَّسَ يؤكِّد على الله الواحد. فلا يوجد عدة آلهة. ويؤكِّد النَّصُ أنَّ اللهَ خلقَ العالمَ بكلمته وبإرادته وبصلاحه. ولم يخلقه في إطار حربٍ مع آلهةٍ أخرى أو من بقايا جثث الآلهة. فالله هو سيّدُ اليابسة والبحار والكواكب وكلّ الخليقة. ولم يخلق اللهُ الإنسانَ ليقوم بمهام الآلهة بل خلقه على صورته. لقد أكرمت شعوبُ العالمِ القديمِ أصنامَ الآلهة مقدمةً لها الطَّعامَ واللباسَ والكرامةَ كأنَّها تُكرم الإلهَ نفسه. أمَّا سفرُ التَّكوين فلقد قدَّمَ إنساناً مخلوقاً على صورة الله. فإكرام الإنسان المخلوق مرتبط بإكرام الخالق. من يحب الإنسان ويحترمه يُكرم خالقه.

 

1) Joseph Lam, “The Biblical Creation in Its Ancient Near Eastern Context,” The Biologos Foundation: https://wp.biologos.org/wp-content/uploads/2019/02/lam_scholarly_essay. pdf.

2) ANET 60-72 , 501 – 503.