• مريم ومرتا - مارتن كورش تمرس لولو
مريم ومرتا - مارتن كورش تمرس لولو

كان لِعَازَرُ وأختيه يسكونون في قرية عَنْيَا (وَكَانَتْ بَيْتُ عَنْيَا قَرِيبَةً مِنْ أُورُشَلِيمَ نَحْوَ خَمْسَ عَشْرَةَ غَلْوَةً.("يوحنا11: 18" لِعَازَرُ الذي أقامه الرب يسوع من الموت بعد أن مكث في القبر( فَلَمَّا أَتَى يَسُوعُ وَجَدَ أَنَّهُ قَدْ صَارَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ فِي الْقَبْرِ.)"يوحنا11: 17". يبدو أم مَرْثَا كانت أكبر سنا من أختها مَرْيَم، بدليل مسؤوليتها عن أمور البيت وإستقبال الضيوف في غياب شقيقها(وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ دَخَلَ قَرْيَةً، فَقَبِلَتْهُ امْرَأَةٌ اسْمُهَا مَرْثَا فِي بَيْتِهَا.)"لوقا10: 38". من خلال قراءتنا لهذه القصة المشوقة من العهد الجديد، المملوءة بدروسٍ في التلمذة («الْمُعَلِّمُ قَدْ حَضَرَ، وَهُوَ يَدْعُوكِ».)"يوحنا11: 28"، المحبة، الطاعة والإيمان (فَآمَنَ بِالرَّبِّ فَحَسِبَهُ لَهُ بِرًّا.)"سفر التكوين15: 6".

يبد أن الرب يسوع المسيح كان لا يرتاح إلا في بيت لِعَازَرُ حيث أختيه مَرْثَا ومَرْيَم، حينما كان يدخل بيتهم (وَكَانَتْ لِهذِهِ أُخْتٌ تُدْعَى مَرْيَمَ، الَّتِي جَلَسَتْ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ وَكَانَتْ تَسْمَعُ كَلاَمَهُ.)"لوقا10: 39" كانت السعادة تغمر قلوبهم بدخول يسوع بيتهم. كانت كل واحدة منهما لها طريقة تختلف عن الأخرى في حب يسوع المسيح. ترانا كلنا نحب يسوع المسيح لكن كل واحد منا يختلف عن الآخر في مدى حبه الذي يبدو ظاهرًا في إيمانه وطاعته للرب. من الواضح أن مَرْثَا كانت هي التي تقوم بأمور البيت وأختها مَرْيَم تساعدها.

عندما يدخل يسوع بيت لِعَازَرُ ترحب به مَرْثَا وتدخل مباشرة إلى المطبخ لتعدَّ الطعام للرب يسوع، تحسبه زائرًا عاديًا(مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟)"متى16: 13" عليها أن تضيفه، هي عادات الشرقين. كانت مَرْيَم عكس شقيقتها، تفرح بالذي يزورهم لأنها تعرف أنه لا يهتم بمأكل أو مشرب بل بالناس الذين جاء من أجلهم، تعرف أنه ليس ضيفًا عاديًا، الدليل أنها كانت تجلس عند قدميه، هذه من صفاة التلاميذ. أما الضيف العادي يجلس مضيفوه قُباله أو إلى جانبه.

لم تشكَّ لحظة مَرْثَا أن خدمتها في المطبخ لا فائدة منها مادامت تقوم بالعادة والتقليد، بحيث فضَّلت الوقوف أمام الطباخ على الجلوس عند أقدام الرب يسوع لذلك شَكَتْ أمرها للرب يسوع (َأَمَّا مَرْثَا فَكَانَتْ مُرْتَبِكَةً فِي خِدْمَةٍ كَثِيرَةٍ. فَوَقَفَتْ وَقَالَتْ: « يَا رَبُّ، أَمَا تُبَالِي بِأَنَّ أُخْتِي قَدْ تَرَكَتْنِي أَخْدُمُ وَحْدِي؟ فَقُلْ لَهَا أَنْ تُعِينَنِي) "لوقا10: 40". لم تعرف مَرْثَا بإهمالها الكبير للرب يسوع بأنها خسرت زمن الجلوس عند قدميه كما فعلت أختها. لم تعرف مَرْثَا أن يسوع المسيح ما جاء ليأكل بل ليُخلص، شتان ما بين المأكل والخلاص. لقد خسرت ما جاء به يسوع، فكان من نصيب أختها مَرْيَم التي جلست أمام الخبز النازل من السماء، فضلته على أشهى طعام كانت أختها منشغلة عن الرب بإعداده. الرب نبه مَرْثَا لكنها لم تدرك لأن التقليد والعادة غلباها ( فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَها: «مَرْثَا، مَرْثَا، أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَلكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ. فَاخْتَارَتْ مَرْيَمُ النَّصِيبَ الصَّالِحَ الَّذِي لَنْ يُنْزَعَ مِنْهَا»..)"لوقا10: 41 و 42". ٍ عديدةٍ يُكلمنا الرب من خلال أناس أو أطفالٍ لكن ترانا مثل مَرْثَا لا نكترثُ فنخسر البركات كما فعلت مَرْثَا التي تمسكت بما هو زائلٌ ونست الرب يسوع، على عكس أختها مَرْيَم التي تمسكت بالرب يسوع وفضلته على كل شيء، لأنها عرفته أنه الرب يسوع، عرفت مَرْيَم بإستنارة الروح القدس أن الذي تجلس عند قدميه هو الله المتجسد لحظة طرقه باب بيتهم(هَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي.)"رؤيا3: 20" أن الطعام الذي يُقدمه هو روحي من يتناوله معه لن يجوع أبدًا لن يسيل لعابه خلف ملذات الحياة. فتحت مَرْثَا باب الدار للرب الذي رحَّبتْ به كضيفٍ ثم أسرعت ودخلت المطبخ، بينما فتحت مَرْيَم له قلبها قبل أن تفتح له مرثا أختها باب الدار. جلست مَرْيَم عند قدميِّ الرب تتناول معه الطعام الروحي.

لم تخطأ مَرْثَا لكنها لم تعرف كيف تختار! لم تعرف أنها أهملت ما هو الأهم كما أهملنَّ (أَمَّا الْجَاهِلاَتُ فَأَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَلَمْ يَأْخُذْنَ مَعَهُنَّ زَيْتًا،)"متى25: 3" على عكس أختها مَرْيَم التي كانت حكيمة (وَأَمَّا الْحَكِيمَاتُ فَأَخَذْنَ زَيْتًا فِي آنِيَتِهِنَّ مَعَ مَصَابِيحِهِنَّ.)"متى25: 4"

كما إرتبكت وإضطربت مَرْثَا، نسمع ونشاهد كثيرات اليوم يرتبكنَّ وهُنَّ يعدنَّ الطعام الزائل (أَلَا تَفْهَمُونَ بَعْدُ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يَمْضِي إِلَى الْجَوْفِ وَيَنْدَفِعُ إِلَى الْمَخْرَجِ؟)"متى15: 17" ناسية أن الذي في بيتهم هو خبز الحياة («أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ».)"يوحنا6: 41" الذي أن أكله أحد منا فلن يجوع أبدًا.

تبدو صورة مَرْثَا اليوم واضحة في سلوك الناس الذين يهتمون بالمأكل والمشرب واللبس، يعتنون بالمظهر وينسون الجوهر. نعلم أن مرثا لم تقصد أن تهمل الجلوس والتعلم من المعلم الأعظم كما فعلت شقيقتها، بل ظنًا منها/ مني/ منك/ منكم/ منهم، أنها عملتْ بالعادة والتقليد خدمة للآخرين، بذلك عندما يلتزم الواحد منا اليوم بأمور غير خلاصية يفضل صديق زاره، على زيارة الكنيسة، يُفضل الجلوس مع ضيوفه أمام شاشة التلفاز لمشاهد مسلسل مدبلج قصته خلاعة ونجاسة ولا يدعوه لمشاهدة ترنيمة أو كرازة. نعم أن عادة ضيافة الآخرين مطلوبة لكن ليس أن نفضلها على الخلاص بالرب. ممكن للمقيدين يقيود العادات والتقاليد أن يتحرروا منها (فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا.) "يوحنا8: 36" بقوة الروح القدس.

كذلك نرى صورة مَرْثَا في عالمنا اليوم حيث نركض نتسوق اللحم، الدجاج والسمك و.. و. اذا سألنا أحدهم وقد إندهش من مقدار اللحم المبتاع في سلتنا؟ نُجيبه: "لن أقدر من غير اللحم." يسألنا: "أكيد أنك تقدر من غيره في أيام الصوم؟" نُجيبه: "قلت لك لن أقدر من غير اللحم! كيف اذن أقدر أن أصوم." أنها ملذات الحياة التي نركض خلفها، ننسى خبز الحياة.. نتخلف عن الحضور إلى الكنيسة حيث الرب يسوع ينتظرنا فيها.

 أما مَرْيَم فهي من القلائل اليوم الذين يتبعون الرب وتعاليمه، يصومون ويصلون ويزورون الكنيسة لا يبالون بما عند غيرهم من قصر، فيلا، سيارة فخمة أو راتب عالٍ.. لا يبحثون عن أصدقاء أغنياء.. لا علاقة لهم بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد.. لا يعيرون أهمية لحفلات السهرة فيها رقصٌ خلاعةٌ سكرٌ بل حتى تناول المخدرات.. لا يبالون بملذات الحياة من مأكلٍ أو مشربٍ.

يبدو أن زيارة الرب كانت عديدة للبيت الذي يسكنه لِعَازَرُ ومَرْيَم و مَرْثَا. لم يُثقل عليهم وينام عندهم على الرغم من (فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: « لِلثَّعَالِب أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ» .)"متى8: 20". ها هي زيارة مميزة للرب إلى بيتهم، كيف لا وهي مناسبة عظيمة، قيامة لِعَازَرُ أخوهما من الموت لذلك قامت مَرْيَم و (وَكَانَتْ مَرْيَمُ، الَّتِي كَانَ لِعَازَرُ أَخُوهَا مَرِيضًا، هِيَ الَّتِي دَهَنَتِ الرَّبَّ بِطِيبٍ، وَمَسَحَتْ رِجْلَيْهِ بِشَعْرِهَا.)" يوحنا11: 2" لم يكن الرب يسوع لوحده في هذه الزيارة بل كان معه بقية التلاميذ.

يخلط بعض المفسرين بين مَرْيَم أخت لِعَازَرُ وبين مَرْيَم المرأة الخاطئة. لقد تسمَّت العديد من بنات اليهود بإسم مَرْيَم! بل من العوائل يومذاك من سمى أكثر من بنت لديه بهذا الإسم. أقرأ أن مَرْيَم العذراء أم يسوع كان لها شقيقة إسمها "مَرْيَم" أيضًا (وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا،) "يوحنا19: 25". التشابه في الأسماء لا يعني البتة التشارك في الأعمال والتصرفات. لو فرضًا أخذنا بعنصر التشابه عندئذ سنقول أن المسكين في قصة الغني والمسكين، هو لِعَازَرُ شقيق مَرْيَم ومرثا (وَكَانَ مِسْكِينٌ اسْمُهُ لِعَازَرُ، الَّذِي طُرِحَ عِنْدَ بَابِهِ مَضْرُوبًا بِالْقُرُوحِ،)"لوقا16: 20". ثم أن بيت لِعَازَرُ هو غير (بَيْتِ سِمْعَانَ الأَبْرَصِ) حتى وأن كان البيتان يقعان في قرية واحدة. لذلك لا يجوز البتة بسبب تشابه أو تكرار الأسامي أن نخلط بين مَرْيَم أخت لِعَازَرُ وبين مَرْيَم (وَفِيمَا هُوَ فِي بَيْتِ عَنْيَا فِي بَيْتِ سِمْعَانَ الأَبْرَصِ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ، جَاءَتِ امْرَأَةٌ مَعَهَا قَارُورَةُ طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ. فَكَسَرَتِ الْقَارُورَةَ وَسَكَبَتْهُ عَلَى رَأْسِهِ.) "مرقس14: 3" على الرغم من أنهما من قرية واحدة هي عَنْيَا في اليهودية. على الرغم من أن القاسم المشترك بين قصتي المريمتين هو عطر الناردين، هذا يؤكد جزمًا أنه لا يعقل أن تكون مَرْيَم من بيت لِعَازَرُ هي الوحيدة في شعب إسرائيل التي تقتني عطر غالي الثمن. كذلك لا يعقل أن تزني مَرْيَم أخت مَرْثَا ولِعَازَرُ وتزيغ عن جادة الصواب وهي التي تجلس عند قدمي الرب يسوع كتلميذة تستغل كل فرصةٍ لكي تتعلم من معلمها ما لم تتعلمه من أختها مَرْثَا وتعيش روحيًا مع الرب يسوع، بل عندما علمت أنه جاء عند قبر أخيهما (فَمَرْيَمُ لَمَّا أَتَتْ إِلَى حَيْثُ كَانَ يَسُوعُ وَرَأَتْهُ، خَرَّتْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَائِلَةً لَهُ:« يَا سَيِّدُ، لَوْ كُنْتَ ههُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي!».)"يوحنا11: 32".  

في ختام هذه المقالة يثأر سؤالٌ:

هل كان شعبُ إسرائيل قديمًا يؤمنُ بأن المسيا يسوع المسيح سيأتي من إمرأة تدعى "مَرْيَم" لذلك تسمّت العديدات من بنات اليهود بهذه التسمية؟

بقلم/ مارتن كورش تمرس لولو

الطالب/ في كلية بيت لحم للكتاب المقدس