• أهمية وعد الله لإبراهيم - بقلم: شكري حبيبي
أهمية وعد الله لإبراهيم - بقلم: شكري حبيبي

كثيراً ما نسمع عن وعد الله لإبراهيم بأرض كنعان(1)، لكن قليلاً ما نسمع عن وعد الله لإبراهيم: «ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض»(2). والحقيقة أن هذا الوعد لم يبدأ عندما تحدّث الله به لإبراهيم(3)، بل سبق لله أن تعهد لإبراهيم قائلاً: «أما أنا فهوذا عهدي معك وتكون أباً لجمهور من الأمم. فلا يُدعى اسمك بعد ابرام بل يكون اسمك إبراهيم. لأني أجعلك أباً لجمهور من الأمم»(4). أي أن الله أبدل اسم ابرام والذي يعني الأب الرفيع أو المكرّم، إلى إبراهيم والذي يعني اباً لجمهور كثير. وهذا ما يؤكد لنا أن خطّة الله لخلاص الأمم بواسطة الرب يسوع المسيح، بدأ يعدُّها الله منذ البداية.

في حادثة ولادة الرب يسوع المسيح، نجد أن زكريّا والد يوحنا المعمدان تكلّم بالروح القدس عند ولادته. ومن جملة ما قاله: «ليصنع رحمة مع آبائنا ويذكر عهده المقدّس. القسم الذي حلف - أي الله - لإبراهيم أبينا أن يعطينا..»(5). وهنا تنبأ عن مجيء المخلّص الذي سيعدّ يوحنا المعمدان الطريق أمامه. وتكلّم الرسول بطرس في موعظته أمام اليهود في الهيكل قائلاً: «أنتم أبناء الأنبياء والعهد الذي عاهد به الله آبائنا قائلاً لإبراهيم: وبنسلك تتبارك جميع قبائل الأرض(6)». وكان بذلك يشير إلى المخلّص المسيح.

ولقد أخبرنا الرسول بولس فيما بعد أيضاً أن النسل الذي تتبارك به جميع أمم الأرض هو الرب يسوع المسيح(7). وأخبرنا في رسالته إلى رومية أن الوعد لإبراهيم «أني قد جعلتك أباً لأمم كثيرة...»، كان لجميع الذين يؤمنون، «لكي يصير - أي إبراهيم - أباً لأمم كثيرة»(8). وكتب أيضاً في رسالته إلى غلاطية قائلاً: «والكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرر الأمم سبق فبشّر ابراهيم أن فيك تتبارك جميع الأمم»(9).

من كل هذه الشواهد الكتابية نلاحظ أن وعد الله لإبراهيم بالبركة كان هو الأساس الذي انطلق منه الرسل الأوائل، للتأكيد على بركة الله أو خلاصه لجميع الشعوب عن طريق المخلّص المسيح. ولهذا نجد أن التعليم الأساسي في العمل الإرسالي، أي الكرازة برسالة الإنجيل يعود إلى قصة علاقة الله مع إبراهيم والوعد الذي أعطاه الله له، لكي تشمل بركة الخلاص بواسطة المخلّص المسيح جميع الشعوب. هذه حقائق هامة جداً علينا أن نتذكرها دائماً، لكي تتضح لنا أمور كثيرة يحاول البعض أن يشوهها.

لعلّ السؤال الآن إذا كان المسيح هو نسل إبراهيم المقصود الذي ستتبارك به جميع أمم الأرض، فهل نستطيع اعتبار كل المؤمنين بالمسيح هم أولاد لإبراهيم؟ ومن ناحية أخرى هل مازال نسل إبراهيم الاثني يُعتبر أيضاً من نسل إبراهيم؟ للإجابة عن هذه التساؤلات أود أن أعود أولاً إلى الحوار الذي دار بين المسيح واليهود في أيامه(10). فقد ادّعى هؤلاء اليهود أن أباهم هو إبراهيم، فأجابهم المسيح: «لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم»(11). وكان قد سبق أن قال لهم: «الحق الحق أقول لكم إن كل من يعمل الخطيّة هو عبد للخطية»(12). لقد نفى المسيح بذلك أن يكون أولئك اليهود هم من أولاد إبراهيم، لأنهم يعملون الشر وهم عبيد للخطية. فكيف بالإمكان أن نقول عن إسرائيل الإثني اليوم أنه من نسل إبراهيم وهو يفعل الشر، ويرتكب الآثام كل يوم؟ فإذا كان المسيح نفسه قد نفى عنه هذه الصفة، فمن نحن البشر لكي نعلن أنهم ما زالوا من نسل إبراهيم؟

وعندما قال اليهود للمسيح: «أننا لم نولد من زنا، لنا اب واحد وهو الله». أجابهم يسوع: «لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني لأني خرجت من قبل الله وأتيت... أنتم من أب هو ابليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا...»(13). لقد رفض المسيح إذا حتى أن يقول عن أولئك اليهود أن الله أبوهم، وأنهم بالتالي أولاد الله. فكيف بإمكان البعض أن يدّعي اليوم أن شعب إسرائيل الإثني مازال شعب الله الأرضي، الذي له المواعيد الأرضية التي ستتم في المستقبل؟ لعل السؤال الآن: من هم اليوم بالحق أولاد إبراهيم؟

لقد أجابنا الرسول يوحنا عن هذا السؤال عندما كتب في بشارته قائلاً: «إلى خاصّته جاء وخاصّته لم تقبله»(14). صحيح أن المسيح أتى أولاً إلى خاصته أي إلى شعب إسرائيل الإثني، متمماً مواعيد الله لهم. لكن هدف المسيح كان أشمل وأوسع كثيراً من أن يأتي إلى شعب معين. إذ كان هدفه المُعد منذ الأزل أن يأتي إلى كل شعوب الأرض، كما وعد الله إبراهيم أن بنسلك تتبارك جميع الأمم. ولهذا تابع الرسول يوحنا قائلاً: «وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله»(15). أي كل الذين يؤمنون بالمسيح، إن كانوا من شعب إسرائيل الإثني أو من جميع الأمم، سيصبحون أولاداً لله. وهذا لا علاقة له بالسلالة البشرية، أو بأي أمر آخر، لكنه يعود إلى الله وحده، الذي يقبل كل من يؤمن بالمخلّص المسيح، ويجعله من أولاده.

وهنا نصل إلى النتيجة المنطقية أن نسل إبراهيم الحقيقي هو كل المؤمنين بالمسيح. بغض النظر عن أصلهم وعرقهم وقوميتهم وديانتهم ووضعهم الاجتماعي. وهنا أعود إلى ما سجّله لنا الرسول بولس في رسالته إلى غلاطية عندما كتب قائلاً: «اعلموا إذاً أن الذين هم من الإيمان اولئك هم بنو إبراهيم... إذا الذين هم من الإيمان يتباركون مع إبراهيم المؤمن»(16). وختم الرسول بولس الأصحاح الثالث قائلاً: «فإن كنتم للمسيح فأنتم إذاً نسل إبراهيم وحسب الموعد ورثة»(17). أجل، لقد وعد الله إبراهيم أن بنسله ستتبارك جميع أمم الأرض، ولقد تحقق هذا الوعد بمجيء المخلّص المسيح، وإعلان خلاصه إلى جميع الشعوب.

  1.  لقد حقق الله وعده بأرض كنعان لأسباط إسرائيل الاثني عشر في الماضي وبشكل كامل، ووعدهم في نفس الوقت بمجيء المخلّص المسيح الذي سيبدأ عهداً وملكوتاً جديدين.
  2.  سفر التكوين18:22.
  3.  لقد أتى هذا الوعد بعد حادثة امتحان الله لإيمان إبراهيم بتقديم ابنه اسحق ذبيحة.
  4. سفر التكوين4:17و5.
  5. بشارة لوقا72:1و73.
  6. سفر أعمال الرسل25:3.
  7. الرسالة إلى غلاطية16:3 «وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله. لا يقول وفي الانسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد وفي نسلك الذي هو المسيح».
  8. الرسالة إلى رومية17:4و18.
  9. الرسالة إلى غلاطية8:3.

10-بشارة يوحنا30:8-59.

11-بشارة يوحنا39:8.

12- بشارة يوحنا34:8.

13- بشارة يوحنا41:8و42.

14- بشارة يوحنا11:1.

15- بشارة يوحنا12:1و13. 

16- الرسالة إلى غلاطية7:3،9.

17- الرسالة إلى غلاطية29:3.