• ترسل روحك فتخلق وتجدد وجه الأرض - عصام نسيب عودة
ترسل روحك فتخلق وتجدد وجه الأرض - عصام نسيب عودة

تكثر في هذه الأيام الأحاديث والتحاليل حول التطورات الحاصلة في الآونة الأخيرة، بالذات حول وباء فيروس الكورونا وكل النتائج التي تلحق ذلك من إغلاق وتضييق، والملفت للنظر أن هذه الظروف منتشرة في كل أنحاء المعمورة.

ليس الهدف في هذا المقال الدخول في هذه التحليلات، تساؤلات مثل هل هذا الوباء من صنع البشر أم أنه فعلا عرضي، أو هل هناك مجموعة أو مجموعات مستفيدة مما يحصل وهي تسعى للسيطرة على سكان الأرض، أو لهدف خلق نظام عالم جديد فيه تسهل السيطرة على سكان المعمورة، أم هل فعلا خرج الأمر حيز السيطرة من يد البشر وأصبح تهديد الوباء وشيكا، أو ربما تنتظرنا أوبئة أخرى أصعب وأعقد. 

أحاديث أخرى تدور حول كيفية حل هذه المعضلة العالمية الصحية ونوع المصل الذي يعملون عليه، هل سيحتوي على مادة التي تجعل السيطرة على الإنسان أكبر وغيرها وغيرها.

قد نأخذ بعض هذه التحاليل والأحاديث مأخذ الجد وقد نأخذ بعضها الآخر بمحمل الاستهزاء، ولكن على أي حال فنحن أمام ظروف عالمية جديدة لم تشهدها البسيطة من قبل، حتى في الحروب العالمية السابقة ترى الكثير من البلاد التي لم تتأذى منها، بخلاف ما يجري الآن.

من المؤكد أن الضرر يستشري في الكثير من البلاد، صحيا واقتصاديا واجتماعيا، وهذا يبدو واضحا منذ بداية الأزمة ولا يحتاج إلى تحليلات أو أقاويل صنع الفكر البشري، وكأننا أمام حرب عالمية ثالثة ولكن من نوع آخر، وبرأيي أصعب وأعوص من الحربين الأولى والثانية.

السؤال الذي يهمنا في هذا المقام: ما هو دور الكنيسة حيال كل ذلك؟ وعندما نقول الكنيسة نقصد بالكنيسة الحية التي تجمع تابعين حقيقيين للمسيح. 

أولا ينبغي أن نعطي الشكر للرب على حمايته لأولاده من الوباء، وكذلك من الأزمة الاقتصادية التي تجتاح الأرض، فالرب كفيل بأن يسدد الاحتياج بحسب غناه في المجد، توقفت الأشغال أم لم تتوقف، تحسنت الأوضاع أم ساءت، فهو الذي يُخرج من الآكل أكلا ومن الجافي حلاوة، وكما يعلمنا الكتاب أن الرب "يميز تقيه" وأن "الأشبال احتاجت وجاعت وأما طالبو الرب فلا يعوزهم شيء من الخير".

إذا وقفنا فقط عند هذا الشكر، ويتحتم علينا الشكر كما أسلفنا، فسنكون في خانة اسمها "الأنانية" وعدم التفكير بالآخرين، مؤمنين وغير مؤمنين، الذين يتألمون ويئنون ويتمخضون لما يحدث حولنا وللضيق الذي يتفاقم من يوم الى يوم ! ينبغي أن محبة المسيح تدفعنا لتحرك أحشاءنا تجاه كل هؤلاء فنصرخ لأجلهم ونقف في الثغر كموسى وفينحاس وهارون وآخرين ونطلب الرحمة والتوبة لهم بل ونمد يد العون بكل الطرق المتاحة. 

نحن في أيام تكثر فيها الخطية بل وتتفاقم بشدة، وفوق كل ذلك تشهد أيامنا الأخيرة قسطا أكبر من الضيق على شتى الأصعدة كما ذكرنا في مستهل الكلام، فبالإضافة للضيق الموجود في الأرض، ارتفع مؤخرا منسوب الضيق باستشراء الوباء في كل المعمورة، زد على ذلك أزمات هنا وهناك، كالكارثة التي شهدتها لبنان مؤخرا، التي مزقت قلب العاصمة اللبنانية وشكلت "ضربة قاضية" أدرتها أرضا، حيث نعلم الأزمات التي يمر بها الشعب اللبناني، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

يعلمنا الوحي الكتابي في رسالة يوحنا الثالثة 3: 16-18 قائلا:

"16. بهذا قد عرفنا المحبة: ان ذاك وضع نفسه لأجلنا، فنحن ينبغي لنا ان نضع نفوسنا لأجل الاخوة 17. واما من كان له معيشة العالم، ونظر اخاه محتاجا، واغلق احشاءه عنه، فكيف تثبت محبة الله فيه؟ 18. يا اولادي، لا نحب بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحق". 

يعلمنا الكتاب أن يكون لنا أحشاء رأفات ولطف وتواضع وعطاء من منطلق المحبة غير المشروطة المستمدة من الروح القدس، ولكن كيف نصمد ونصبر أمام ضيقات ذاهبة في التفاقم، فوق الضيقات الموجودة، ليس فقط صمود أمامها إنما أيضا صمود أمام ضيق إخوتنا من حولنا ؟! 

ليس عجبا أن الضيق يتفاقم، فالرب سبق وخبرنا بذلك في الكثير من المواقع الكتابية، منها قوله لتلاميذه: "في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم"، كما وأنذرنا الكتاب بضيق آخر الأيام وقرب مجيء الرب.

كي تكون لنا قوة للصمود بل والغلبة في حياتنا ومساندة الآخرين أيضا نحتاج إلى قوة مضاعفة من الله، لأننا نحن أنفسنا تحت هذه الضيقات عينها ولن نستطيع أن نتغلب عليها بقوتنا البشرية المحدودة.

يقول في مزمور 104 (26-35):

"26. هناك تجري السفن. لوياثان هذا خلقته ليلعب فيه 27  كلها اياك تترجى لترزقها قوتها في حينه.28  تعطيها فتلتقط. تفتح يدك فتشبع خيرا 29. تحجب وجهك فترتاع. تنزع ارواحها فتموت والى ترابها تعود 30. ترسل روحك فتخلق. وتجدد وجه الارض 31. يكون مجد الرب الى الدهر. يفرح الرب بأعماله 32. الناظر الى الارض فترتعد. يمس الجبال فتدخن 33. أغني للرب في حياتي. ارنم لإلهي ما دمت موجودا 34. فيلذ له نشيدي وانا افرح بالرب 35. لتبد الخطاة من الارض والاشرار لا يكونوا بعد. باركي يا نفسي الرب. هللويا."

نرى في هذا المقطع الكتابي صورتين: الأولى تبدو جميلة للغاية فيها يتحدث عن خليقة الله الرائعة وصورة من الشبع والارتواء، ثم فجأة نرى المشهد المُرعب عندما ينزع الله أرواح هذه الخليقة بعد أن يحجب وجهه عنها ! ثم تعود الصورة الجميلة، بل وأجمل من الأولى، وذلك بعد أن يرسل الله روحه على وجه كل الأرض فيبدأ الله بخلق جديد.

نحن في أيام فيها "الوقت قريب"، أيام أخيرة بمثابة "المعركة الحاسمة"، وهذا يوصلنا إلى نهاية سفر الرؤيا، حيث يقول الروح:

"10. وقال لي: "لا تختم على اقوال نبوة هذا الكتاب، لان الوقت قريب 11. من يظلم فليظلم بعد. ومن هو نجس فليتنجس بعد. ومن هو بار فليتبرر بعد. ومن هو مقدس فليتقدس بعد".

كم نحن بحاجة، وفي هذه الأيام بالذات، أن "نتقدس وأن تبرر بعد"، كم نحتاج إلى روح الله ليرسله على وجه كل الأرض، ليخلق ويجدد ويقوي ويُشبع ويُعيد البشر إلى الحظيرة التي ننتمي إليها، كيف لا ونحن خليقته وعمل يديه بل ومخلوقين على صورته ومثاله، فكما رفرف روح الله على وجه المياه بعد أن كانت الأرض خربة وخالية، فتحرك الله وعمل خليقة جديدة وحسنة، نحتاج أن روح الله يرفرف على وجه كل البسيطة والشعوب والدول والقبائل والألسنة، فيخلق خلاصا ونجاة وحياة جديدة فيتجدد وجه الأرض من جديد، كي يسمع من السماء ويغفر خطيتنا ويبرئ أرضنا.