• السلة ما بين المعطي واللاعب - مارتن كورش تمرس لولو
السلة ما بين المعطي واللاعب - مارتن كورش تمرس لولو

السَّلَّةُ مَا بَيْنَ الْمُعْطِي وَ الَّلآعِب!

العديد منا قد قرأ في الكتاب المقدس هذا العدد ( إِنَّ هذِهِ الأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ قَدْ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ أَلْقَوْا فِي الْخِزَانَةِ،)"مرقس12: 43" عن المرأة التي وضعت في كيس العطاء فلسين وهي لا تملك غيرهما. هل نقدر أن نعطي كما أعطت؟ قليلين جدًا من بيننا مَن يفعل هذا. برأيي يتطلب الموقف إيمانًا بأن المال زائل غير دائم، مع شجاعة معنوية متأتية من الرَّبِّ يسوع المسيح، الذي بذل نفسه من أجلنا نحن الخطاة. حسنٌ جدًا أن أعطي ولو تطلب الأمر فمن غير فضلتي المادية لكي يكون العطاء مباركًا ومرضيًا لدى الله حتى أخرج مسرورًا. أن العطاء يأتي عن إيمان ونتيجته هي البركة المتأتية من الرَّبِّ. نتيجة لهذا الإيمان يولد داخل الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ  قوة معنوية غير إعتيادية مصدرها السماء تدفعه على العطاء دون أن يعقبه الندم (لأَنَّ الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ اللهُ.)"2كورنثوس9: 7" هل ننسى المرأة ( وَفِيمَا هُوَ فِي بَيْتِ عَنْيَا فِي بَيْتِ سِمْعَانَ الأَبْرَصِ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ، جَاءَتِ امْرَأَةٌ مَعَهَا قَارُورَةُ طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ. فَكَسَرَتِ الْقَارُورَةَ وَسَكَبَتْهُ عَلَى رَأْسِهِ.)"مرقس14: 3" عكس هاتين المرأتين تجد شخصًا يدعي التقوة، وهو يحتفظ في جعبته بالعديد من الحجج قد إدخرها في محفظته ليلقي بها إلى كيس التقدمات دون أن يلقي بنقوده.

إن القاسم المشترك في كلا قصتي العطاء هو العطاء نفسه المتأتي من إمرأتين. الأولى أعطت كل ما تملكه وهما فلسين والأخرى سكبت أغلى وأثمن عطرٍ لديها على رأس يسوع المسيح. كلنا يعلم أن معظم النساء في الأقوام الشرقية القديمة لم يكن لهنَّ عمل أي لا دخل لهنَّ، إن عملت الواحدة منهنَّ ففي الحقل مع زوجها، بدون دخل، مع ذلك نرى المرأة تجزلُ العطاء.

علينا أن نأخذ بكلا المثلين حتى نعطي دون أن نبرر إعتباطًا. دون أن ننسى الفلسين ولا العطر الذي أغدقت به تلك المرأة على الرَّبِّ حتى نغدق بالعطاء ونوفي العشور. علينا أن لا ننظر إلى تبرعاتنا كما نظر يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيُّ إلى قارورة الطيب وقال في نفسه (لأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُبَاعَ هذَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثِمِئَةِ دِينَارٍ وَيُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ.)"مرقس14: 5" حسنٌ جدًا أن يدفع الواحد منا عشوره للرَّبِّ. على الواحد منا أن يعرف بأن نسبة (10%) تعود للرَّبِّ، يجب دفعها من الدخل. أما التقدمات فتعني ما تقدر على وضعه في كيس التقدمات، دون أن ننسى مساعدة الضعفاء في المجتمع (الأرملة، اليتيم، الفقير، الغريب) (1) التي تجلبُ البركات الكثيرة بل تترك في قلوبنا الرحمة. يجب أن نعلم أن العشور هي من حق الله (هَاتُوا جَمِيعَ الْعُشُورِ إِلَى الْخَزْنَةِ لِيَكُونَ فِي بَيْتِي طَعَامٌ، وَجَرِّبُونِي بِهذَا، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ، إِنْ كُنْتُ لاَ أَفْتَحُ لَكُمْ كُوَى السَّمَاوَاتِ، وَأَفِيضُ عَلَيْكُمْ بَرَكَةً حَتَّى لاَ تُوسَعَ.)"سفر ملاخي3: 10" علينا أن نؤمن بأن العشور هي حماية محفظة دخولنا الشهرية من التبذير المسرف، دون أن ننظر إلى التناقص الكمي مؤمنين أنها نسبة تعود للرَّبِّ، ننتظر منه بركة تظهر خطوطها البيانية في كيفية الإسترشاد طيلة الشهر في عملية صرف دخولنا دون أن نُغرقها في مستنقع التبذير. بل سننال بركة الحماية الجسدية فنكون أناسا أصحاء لا نطرق أبواب عيادات الأطباء! ولا ندخل أماكنًا مشبوهة ولا ننقاد كالعميان خلف أصدقاء السوء ولا نمارس العادات السيئة. لن ينفع التأجيل أو التحجج بأمور مادية تافهة تضر وتمنع عنك البركة. أعطي يقبل الله عطيتك. أن العشور نظام إقتصادي؛ إضافة إلى أنه يثمر عن بركاتٍ كثيرة؛ من الأفضل أن تأخذ به جميع الكنائس وتحث أعضائها على الإيفاء به لكي يعود عليهم بالخير والبركات.

على الواحد منا عندما يُقدم على العطاء عليه أن يحصل من الرَّبِّ على الدعم المعنوي من أجل دفع العشور وتقديم التقدمات إلى صندوق العطاء مع التبرع للفقراء، بهذه ننال بركات عديدة روحية، إجتماعية وإقتصادية حماية محفظتنا من الثقوب! مؤمنين أن العشور هي من حق الله.

أنظروا إلى الدول والممالك في أوروبا التي أخذت بنظامٍ ضريبي وصلت نسبه في بعضها إلى 32% بل تصل نسبة الضريبة في بعض الحقول أو على بعض الدخول إلى أكثر من 40% لقد إستنبطتها من العشور وطبقتها على أفراد الشعب، بحيث تعود بالفوائد على معظم أفراد المجتمع، أولهم الفرد المستقطعة منه نسبة الضريبة.

لكي يدفع الواحد منا من غير فضلته المادية بكل سرور دون أن يلجأ إلى الحجج الواهية: كأن يقول في نفسه وهو يبرر عدم دفع التقدمة: "ما عندي في محفظتي يكفي لمسواق اليوم.. أحتاج أن أشتري علبة سجائر... وإلخ." بل نرى بعض الأعضاء يتهربون من دفع نسبة العشور إلى كنائسهم، بل يغمض عينيه وهو جالسٌ في الكنيسة عندما تمرُّ من أمامه سلة التقدمات، إذا سألته عن عدم الدفع، تسمعه يدعي متحججًا:

  • أن الكنيسة لا تحتاج إلى مساعداتنا.. أن كثرة الأموال قد تنتهي إلى ضياعها.

أنها حجج الغاية منها هو الإمتناع عن الدفع كما يتهرب التاجر من الضريبة، يعني إن إمتنعت عن الدفع يعني (أَيَسْلُبُ الإِنْسَانُ اللهَ؟ فَإِنَّكُمْ سَلَبْتُمُونِي. فَقُلْتُمْ: بِمَ سَلَبْنَاكَ؟ فِي الْعُشُورِ وَالتَّقْدِمَةِ.)"سفر ملاخي3: 8" لا أظن أن العشور التي أوصى بها الله لا تأتي بالفائدة على دافعيها، بل أجزم بأن فوائدها كثيرة إضافة إلى البركات. أن العشور والتقدمات هي جزء لا يتجزء من طاعتنا لله، علينا أن نلتزم كي يتحقق هدف الله فينا.

دعونا نقوم بمقارنة بين (الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ)  وبين لاعب كرة السلة. نبدأ بأوجه التشابه فيما بينهما. على الواحد منا أن يلجأ إلى الصلاة كي تؤهله ليدفع عشوره ويلقي بالتقدمة إلى كيس العطاء، كخطة التدريب التي تؤهل لاعب كرة السلة وهو يتأهب راميًا كرته إلى السلة ليحقق هدفًا بل أهدافًا عديدة تعلن صفارة الحكم أمام الجمهور الحاضر والمشاهد عن نظافتها. على الشخص المؤمن أن يصلي بإستمرار لكي يقوى على العطاء، مثلما يتدرب لاعب كرة السلة طيلة أيام السنة لكي يقوى على الإستمرار في اللعب. نَلْ القوة المعنوية من الرَّبِّ كي تدفع العشور والتقدمات بسرور، مثلما ينال اللاعب اللياقة البدنية بالتدريب اليومي المنظم. إنمو في محبة الرَّبِّ، مثلما تنمو عضلات اللاعب. تقوى روحيًا، مثلما يتقوى اللاعب جسديًا. إذَنْ على المؤمن أن يصلي مثلما لاعب كرة السلة يتدرب. إذا كنتَ يا أخي في الرَّبِّ تعطي لأول مرة، إذَنْ عليكَ أن تنصاع لكلام الرَّبِّ، كما هو حال لاعب كرة السلة الهاوي، الذي يتدرب تحت إرشاد مدربه لكي يتحول إلى لاعب محترف. خذ يا أخي في الرَّبِّ من الرَّبِّ الإرشاد والتعليم، مثلما يأخذ لاعب كرة السلة الخطة والتكتيك من مدربه. ستجد نفسك أيها المؤمن مسرورًا بعطائك، مثلما يفرحُ اللاعب بتحقيق هدفه. ما دمت تعطي من غير فضلتك ستنال بركات عديدة، مثلما ينال اللاعب إحترام مدربه وتشجيع الجمهور. هي خطوات تتخذها وفق إرشاد الرَّبِّ حتى تحقق النتيجة التي يريدها الرَّبُّ لك وأنت تأتي وتقف تحت الصليب. كما أن نتيجة لاعب كرة السلة لن تتحقق، إلا وهو يقف تحت سلة الشبكة المعلقة على الخشبة المربعة.

هيا يا أخي في الرَّبِّ أطعْ الرَّبَّ فتجد نفسك تدفع العشور وتلقي في كيس العطاء. مثلما يطيع اللآعب مدربه فيتحقق هدفه. ستحبُ كنيستك حينئذٍ تجد نفسك تلقي بالتقدمة إلى كيس العطاء. مثلما يحب اللاعب فريقه فيلقي بالكرة إلى سلة الفريق الخصم. ستتحقق لك البركة، كما يتحقق الفوز لفريق كرة السلة.

بعد أن عرفنا أوجه التشابه بين الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ وبين لاعب كرة السلة، دعونا نعرف صور الإختلاف فيما بينهما. أن الأول وهو يدفع العشور ويلقي بالتقدمة إلى كيس العطاء، سينال بركة من الرَّبِّ، أما الثاني سينال تشجيع الجمهور أو مكافأة مالية أو شهرة دنيوية لا محالة زائلة. الأول وهو أمام كيس العطاء هو عضو في الكنيسة والرَّبُّ سيده، أما الثاني فهو أمام شبكة السلة وهو عضو في الفريق والمدرب مسؤول عنه. يسهل على الأول تحقيق البركة المتأتية من الرَّبِّ، يصعب على الثاني أحيانًا تحقيق الهدف. يسهل على الأول وضع التقدمة في السلة ما دامت قريبة من يده، يصعب على الثاني وضع الكرة في السلة لأنها بعيدة عنه بحسب المسافة فيما بينهما. أن لسلة العطاء فوهة واحدة تحفظ البركة للْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ، أما سلة كرة السلة فلها فوهتين لا تحتفظ بالكرة بل تحتفظ بالهدف لمباراة واحدة فقط. عدد مرات دفع التقدمة لا يعرفها إلا الله، أما عدد الأهداف التي يحققها اللاعب يعرفها الحكم وأعضاء الفريقين إضافة إلى الجمهور. وقت دفع العشور والتقدمة مفتوح، أما وقت مباراة لعبة كرة السلة فمحدد. يبدأ وقت العشور والتقدمة لحظة دفعهما، لا ينته إلا بنوم الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ على رجاء القيامة، أما مباراة كرة السلة فتبدأ وتنتهي بصفارة الحكم. لا تنس إن رّبَّك ضحى بنفسه حتى صُلِبَ على الصليب (مرقس15: 25) أما المدرب فإن ضحى لكن بوقته مقابل المال. الرَّبُّ قدوة لنا جميعًا أما المدرب فهو قدوة للاعبي الفريق الذي يقوم بتدريبهم فقط. هيا أيها الأخ في الرَّبِّ وَاسمع لقول الرَّبِّ وإدفع عشورك وضع في كيس التقدمة مبلغًا لكي يعود عليك ببركات كثيرة.

بقلم/ مارتن كورش تمرس لولو

الطالب في كلية بيت لحم للكتاب المقدس

 

1 ) المصدر   مساق الأنبياء/ إعداد د. منذر إسحق