• ميلادٌ، بأيُ حالٍ عُدتَ يا ميلاد؟ بقلم: بطرس منصور
ميلادٌ، بأيُ حالٍ عُدتَ يا ميلاد؟  بقلم: بطرس منصور

يطلّ علينا عيد الميلاد هذا العام في الوقت الذي يرزح العالم برمته تحت نير الجائحة المستشرية والتي تحتم اغلاقات وتقييدات وعزوف عن التواصل والاحجام عن اللمس وغيرها.

في الأيام الخوالي كان ما يجعل العيد مدعاة للفرح والانبساط ليس مظاهر الاحتفال العامة والزينة والانوار "ومراسيم" اضاءة الشجرة وحفلات الكبار والصغار وغيرها فحسب بل ايضاً التواصل البشري.  فبنيوية الانسان الجينية تتطلب تواصلاً بشريا مباشراً مع الناس يُترجَم للقاءات الأحباء الذين تربطهم علاقات عائلية او صداقات حيوية للغاية فتزيد العيد بهجة.

قد يتبادر للمرء ان أسباب الفرح وإدخال البهجة للنفوس قد ولّت، فيتساءل كيف بالإمكان جعل العيد هذا العام أكثر من مجرد اغلاق بملابس جديدة مزركشة؟

قد يقول قائل ان حذف وحجب اغلب مظاهر العيد الخارجية قد افضى الى عودة العيد الى معناه الأساسي، البسيط والاصلي. ولكن الجفاء البشري بين الأقارب والأصدقاء هو ليس من صفات العيد- لا الأصلي ولا الحديث.

ولكن لربما يُخرِج الرب من الجافي حلاوة، فيكون غياب المظاهر الخارجية وهيمنة الجفاف الاضطراري في العلاقات البشرية هو سبب للاقتراب بالأيمان لرب العيد- طفل المغارة.

يحتاج ذلك الى تغليب التركيز والارادة الصلبة وبساطة الايمان على ما اعتدنا عليه من الركض وراء المحسوس من انوار ومظاهر احتفال بالمبهج والجميل. فحواسنا تنجذب لما يثيرها وينشطها. والانسان ككائن اجتماعي يتوق للارتباط الإنساني مع من يحب. ان توجيه الفراغ الناتج من فقدان ذلك الى محبة للطفل المولود هو مطلب الساعة. ان الامر يحتاج نظرة متجددة للميلاد.

ان تجسد الله في ارضنا كطفل في بلد صغيرة في يهوذا هو حدث تاريخي ذو ابعاد كونية هائلة. انه حدث غيّر مجرى التاريخ اذ أرسل الله ابنه ليسكن معنا. بعدما كلّمنا بواسطة انبيائه مراراً وتكراراً، بعث الله، كليّ القدرة، ابنه ليعيش ويخيّم بيننا. ان جاز التعبير، شقّ الله نفقاً يوصل ارضنا بمركز السماء.  تنازل رب السماء وخالق الاكوان ليسكن في ارض الشقاء التي افسدناها بخطايانا. اتى ليقيم سلاماً بيننا وبين السماء. رغم انه هو المُعتَدى عليه لكن لفرط محبته بادر هو للمصالحة مع البشر. فتنازل هو وولد في مذود حقير ليسير على ارضنا وليظهر وكأن المطاف ينتهي على الصليب. لكنها لم تكن نهاية القصة فقد قام من الموت منتصراً- وكل ذلك ليؤسس هذا السلام. تجسد في بيت لحم وعاش ومات وقام ليصالح السماء والأرض.

لقد بثّ فيروس صغير منبعه الصين (وتوابعه حديثة العهد من موطنها في جنوب إنجلترا وجنوب افريقيا) الذعر في النفوس وقيّد حركتهم وغيّر مفاهيم الناس. فلربما كانت فترة مناسبة قد تحضّرت فيها تربة حياتنا- ومن تربة يملأها الشوك الذي يخنق النباتات بهموم الحياة، أصبحت ارض خصبة تنتظر الزرع وتشرب ماء الروح القدس الذي يروي الكلمة.

ليت الله يستخدم تأملاتنا في عيد الميلاد الاستثنائي الذي نعيشه لكي يليّن قلوبنا ويجعل تلك البذرة الحيّة تنمو بعد ان تضرب اساساتها في الأرض لتشكل حياتنا وتبني علاقة محبة متينة لمجد الطفل المولود.

آمين.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع